]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رجاء فكرى:نصف العلم..على مشرفة(1)

بواسطة: Ragaa Fikry  |  بتاريخ: 2013-05-30 ، الوقت: 16:34:13
  • تقييم المقالة:

بدا المشهد منذ البداية حزينا للغاية، متشحا بالسواد لصبى فى الحادية عشرة من عمره وجد نفسه يتيم الأب فى هذا السن الصغير..والذى وافته المنية بعد أن فقد كل ما يملك فى مضاربات القطن.وخسر أرضه وماله حتى منزله..فوجد الصبى نفسه مسئولا عن أسرة كاملة..تتألف من والدة وأخت وثلاث أشقاء...لقد خلت طفولته من كل مباهج الحياة..وصار المستقبل أمام عينيه غامضا لا يعلم إلى أين سينتهى به المآل............

لكن رغم الحزن الذى سكن قلبه، ورغم المأساة الكامنة بداخله..كانت بداخله إرادة قوية وعزيمة صلدة وإيمانا غامرا...كان يحمل بداخله ذلك الإحساس الذى يدفعه دائما إلى تحدى هذا القدر.وأن يحقق حلم أبيه فيه الذى كان يصبو إليه..وقد كان بالفعل..فعلى على الرغم من وفاة والده قبل امتحان الإبتدائية بشهر ، حصل على المركز الأول على مستوى القطر المصرى...واستمر فى نبوغه فى سنواته المتتالية..ولكن ما كاد أن يفيق من صدمته الأولى فى وفاة والده..حتى اصابته الأيام بصدمة أخرى ألا وهى وفاة والدته قبل إمتحان البكالوريا بشهرين وكان ترتيبه الثانى على القطر المصرى.

وانتسب إلى دار المعلمين العليا وتخرج منها بالمرتبة الأولى، فاختارته وزارة المعارف ليسافر إلى بعثة علمية إلى بريطانيا على نفقة الدولة..وتوجه إلى جامعة نوتنجهام الإنجليزية وحصل منها على البكالوريوس فى الرياضيات..ونظرا لنبوغه وتفوقه اللافت للأنظار، فقد اقترحت وزارة المعارف أن يكمل دراسته للعلوم فى الكلية الملكية بلندن..وحصل منها على دكتوراة الفلسفة فى العلوم عام 1923 تحت إشراف العالم الفيزيائى السير(ريتشاردسون)..وبعدها بعام واحد ، حصل على دكتوراة العلوم من جامعة لندن وهى أعلى درجة علمية.

فأصبح العالم الحادى عشر فى العالم الذى يحصل على دكتوراة العلوم، وأول مصرى يحصل عليها..أصدر على ماهر باشا (وزير المعارف آنذاك) قرارا بتعيينه أستاذا للرياضة التطبيقية فى كلية العلوم عام 1926 ، فكان أول مصرى يشغل هذا المنصب، إلى أن وقع عليه الإختيار ليكون وكيلا للكلية عام 1930 حتى عام 1936 ، حيث تم اختياره بعد ذلك عميدا للكلية، فكان أول عميد مصرى لها.

أتحدث عزيزى القارىء عن العالم النابغة الدكتور: على مصطفى مشرفة أحد وأهم علماء مصر النابغين فى القرن العشرين..فلقد قدرت أبحاثه المتميزة فى نظريات الكم والذرة والإشعاع والميكانيكا بنحو 15 بحثا..وبلغت مسودات أبحاثه العلمية قبل وفاته حوالى 200 مسودة.

كان عميد كلية العلوم الدكتور على مشرفة على مستوى الكلية ذاتها..فلقد نافست كلية العلوم فى عهده كليات العلوم فى العالم وتمتعت بشهرة واسعة..لقد اهتم اهتماما فائقا بالبحث العلمى داخل الكلية..وقام بتوفير كافة الفرص والإمكانات المتاحة للباحثين من الشباب لإنجاز بحوثهم.

يقول المؤرخون: إن الدكتور مشرفة أرسى قواعد جامعية راقية، حافظ فيها على إستقلالها..وألغى الإستثناءات بكل صورها قائلا: إن مبدأ تكافؤ الفرص هو المقياس الدقيق الذى يرتضيه ضميرى..وصل بمستوى الكلية إلى مستوى لايقل عن كليات العلوم فى جامعات إنجلترا..فكان بحق خير عميد لها.

كان الدكتور مشرفة يرى أن العالم لابد وأن يتفاعل مع مجتمعه..ولا يكون منعزلا عنه..ولا ينظر إليه من برج عاجى..لذا شارك فى مشاريع علمية عديدة تشجيعا للصناعات الوطنية.. وكان ينظر إلى الأستاذية على أنها لا تقتصر على العلم فقط، وإنما توجب الإتصال بالحياة..وأن الأستاذ يجب أن يكون ذا أثر فعال فى توجيه الرأى العام..وأن يتفاعل مع الأحداث العظام التى تمر بالبلاد..وأن يحافظ على حرية الرأى لدى المواطنين.

أول من أكد وجود اليورانيوم فى الصحارى المصرية..وكان يعدها المصدر الثانى بعد النيل لثرواتنا القومية فكان يتساءل: متى نعتنى بهذه الثروة المعدنية المبعثرة فى صحارينا؟ فيصدق قول الشاعر: كالعيس فى البيداء يقتلها الظمأ           والماء فوق ظهورها محمول

كان يرى فى النيل أمل عظيم..ودعا إلى إنشاء معهد علمى تجريبى لدراسة طبيعة نهر النيل، على ان يزود هذا المعهد بالمعامل اللازمة لإجراء التجارب والبحوث العلمية. نادى بتكوين المجمع العلمى للثقافة العلمية، ليكون على غرار الجمعية البريطانية لتقدم العلوم ،وكان واحدا من مؤسسى هذا المجمع..

كان على يقين تام بأنه خير للكلية أن تخرج عالما واحدا كاملا..من أن تخرج كثيرين أنصاف علماء......

يذكر مشرفة فى سلسلة محاضراته فى الإذاعة المصرية(أحاديث العلماء) قائلا: هذه العقلية العلمية تعوزنا اليوم فى معالجة كثير من أمورنا، وإنما تكمن الصعوبة فى إكتسابها والدرج عليها..فالعقلية العلمية تتميز بشيئين أساسيين: الخبرة المباشرة والتفكير المنطقى الصحيح. كان ينادى بأهمية قيام العلماء بتبسيط العلوم..حتى يكون المواطن العادى على إحاطة كاملة بما يحدث من تطور علمى..موجها حديثه إلى العلماء قائلا:  ومن الأمور التى تؤخذ على العلماء أنهم لا يحسنون صناعة الكلام..ذلك أنهم يتوخون عادة الدقة فى التعبير، ويفضلون أن يبتعدوا عن طرائق البديع والبيان..إلا أن العلوم إذا فهمت على حقيقتها، ليست فى حاجة إلى ثوب من زخرف القول ليكسبها رونقا..وقصة العلم قصة رائعة تأخذ بمجامع القلوب..لأنها قصة واقعية حوادثها ليست من نسج الخيال.

فى كتابه مصر الكبرى وفى مقال له بعنوان (كلية العلوم جامعة القاهرة) يتحدث الأستاذ أحمد المسلمانى عن مشرفة قائلا: تذكرت الدكتور مشرفة وأنا أتابع أهم حدث فى أخبار كلية العلوم جامعة القاهرة عام 2008، إنه إحالة جميع المعيدين فى قسم الكيمياء للتحقيق بعد أن شاركوا فى إضراب الأساتذة..وهكذا من جدول أعمال إلى جدول أحزان..من اهتمام النقراشى باشا بمتابعة حركة العلم فى العالم، إلى إنشغال الدكتور نظيف بطابور الخبز فى بولاق، ومن انشغال الدكتور مشرفة بفلق ذرة اليورانيوم إلى انشغال عميد علوم القاهرة بإحالة شباب العلماء إلى لجان التحقيق.

ويستطرد المسلمانى قائلا: كانت كلية العلوم تفكر لمصر ، وتخطط لمصر، وتحلم لمصر..الان صغر الحلم، وهبط الفكر، وانحسر التخطيط للحصول على راتب وحوافز دراهم معدودات، صغر حلم كلية العلوم ليصغر معه حلم وطن بأكمله.

حقا..من ينظر اليوم إلى جامعاتنا ومراكزنا البحثية ومعاملنا يرثى لحالنا..فابن نحن من خريطة هذا العالم؟! وأين موقعنا فيها؟!..وفى الوقت الذى تكاد تخلو فيه معاملنا من أبسط الأشياء وأبسط الأجهزة العلمية..ويعانى فيه الباحثون أشد ما تكون المعاناة..تأتى وزيرة البحث العلمى فى الإذاعة المصرية بكل بساطة وتقول: لقد شهدت مصر فى هذه الآونة الأخيرة طفرة هائلة فى مجال البحث والبحوث العلمية. وتعيد 800 مليون جنيه إلى خزينة الدولة..ونحن معاملنا خربة تكاد تخلو من كل شىء..

مصر 2013..لا علم ولا تعليم ولا بحث علمى!..

 

marycoriibiochem@yahoo.com

ragaafikry@gmail.com

30-5-2013

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق