]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بشير خان

بواسطة: خالد مرخوص  |  بتاريخ: 2013-05-29 ، الوقت: 12:15:42
  • تقييم المقالة:
 (بشير خان)

اِنصرف الجميع،و بقي المكان خاليًا إلاّ منّي.جلست أسلّي نفسي بمشاهدة التلفزيون.ضاق صدري بما تعرضه القنوات الإخبارية،حيث لا فكاك من العنف في البلاد العربية.منذ وُجِدت على البسيطة وهي ترزح تحت وطأة الجهل والتّخلّف والصراعات الطائفية بالداخل و الخارج مشكّلة شرنقة معقّدة عصيّة عن الفهم والحلّ..                                         جَعَلـْتُ أقلّبُ القنوات.لم تعجبني البرامج المعروضة.حتى القنوات الرياضية صارت عنيفة.سوء تفاهم بين نادي الهلال ونادي النصر على لاعب يريدانه معًا ليكون هدّاف بطولتهم،ونزاع حوله،و آراء الشارع في الموضوع،و كأنّ الأمّة خلت من كلّ الهموم،ولم يعد لديها إلا همّ كرة مجوّفةْ نخبٍ هواء..

عندما اِستلمت العمل لدى فندق"زين شين"،أكّد عليّ المديرالعام ألاّ يفتح باب المسبح غيري.في السنة الماضية شهد حوض السباحة موت شابين غرقًا دفع على إثْرِهِ الفندق ثلاثمائة ألف ريال ديّة لأهالي الغريقين.                                كانت مداخلة المدير ذكيّة.أراد بها تقوية إيماني بنداء واجب العمل،ومنذ ذلك اليوم و أنا "حالّ عَـيْنِيّ"و منتبه للحظات الشّؤم التي تطال المسابح،فالوضع لا يَحتَمِلُ الإهمالَ وإلاّ خسرت عملي معهم بعد خسارة مغفّلٍ أو أكثرفي لحظة غفلة مني ـ لا قدّرالله ! ـ                                                  كان بشير الباكستاني(عامل نظافة المسبح) يحبّني كثيرا،و يقول لي دائمًا:أنت "نمبر وان" ـ هذا كلّ ما يعرفه من اللغة الإنجليزية ـ لهجته العربية المتقطّعة تـُـضحِكُني.أبذل جُهدًا جبّارا لكي أفهم ما يقول.عانى كثيرا من المدراء و الزملاء الذين تعاقبوا على تولّي السلطة بالفندق تباعًا.لم أرَهُ قطـّ جالسا أو متراخيًا.كان دائم الحركة نشيطًا،و كلّما اِنتهى من نظافة المسبح و مرافقه وحديقته،صعد على الفور إلى الأدوار العلوية لمساعدة العمّال الآخرين في ترتيب الغرف و تنظيف الممرات.بعض النّزَلاء يجودون عليه بريالات كمُكافَأةٍ وتشجيع له على اِهتمامه بقذاراتهم و مخلّفاتهم.يسعد كثيرا بعطاياهم مهما كانت بسيطة..                                        

قررت إدارة الفندق أن تنقل"بشير"إلى صالات الاِجتماعات ليتولى تنظيفها و ترتيبها.لم يَرْضَ أحد من العمال البالغ عددهم خمسة عشر أن يتولى نظافة المسبح،مدّعين بأنّ الشمس لا تطاق،و فصلهم عن العمل أرحم من تنظيف المسبح و أرجائه الواسعة..أرسلت لي الإدارة يمنيا حديث عهد بالغربة لكي يباشر العمل معي،أنا في الإنقاذ و التدريب و هو في الكنس و التنظيف،سلّم علي.عرفني بنفسه،و طلب مني أن أعفيه من تنظيف حمامات المسبح(الطواليط)مبديًا بأن ذلك سيسبّبُ له حرجا بين أبناء عمومته و عائلته الموسّعة هنا بالسعودية و هناك باليمن لو علموا بالسر،إذ أن قبيلتهم تحتقر من يمارس بعض الأعمال كالحلاقة و أعمال المجاري(الواد الحارّ).. أبديت له أحترامي لــ"عْلُومْ القبايل وعاداتها"مادامت تمسّ قيمة الإنسان و وجدانه،و دبّرت له فكرة بديلة،و ذلك بأن يتولي أحد الهنود مهمة الحمامات و يكتفي هو بالمسبح و الأرضية و الطاولات و الحديقة..                                        شكرني وسألني عن جنسيتي التي حيرته.قلت له إنني مغربي.لم يعرف موقع بلاد المغرب على الخريطة.فاجأني بأنه يجهل الكثير من البلدان.حاولت أن أبسّط المسألة.ذكرت له إسبانيا و فرنسا والبرتغال.قال لي بأنه يسمع عنهم،يجيدون لعب كرة القدم..قلت له بأننا جيران لهم..ودّعني،ثمّ ذهب و لم يعد إلا بعد ثلاثة أيام للسلام علي و إخباري بأنه عمل لدى فندق اليمامة المجاور،و أكّد علي بأن أزوره هناك..                                       

عاد بشير لمزاولة عمله برفقتي.كان مسرورا برفض جميع العُمّال العمل في المسبح مِمّا جعل الإدارة تعترف بكفاءته و اِجتهاده،فزادته مائتي ريالٍ علاوة على راتبه..                                                                     ذات مساء،طلب منه أحد مرتادي المسبح أن يجلُب إليه بعض الطلبات من خارج الفندق(ماءٌ وعصير فواكه وبطاطس شيبس وعلبتي مارلبورو أحمر).عرفت ذلك بعدما جاءني بشير مهرولا.لم يفهم من الرجل شيئًا لسرعة كلامه.أخذتُ ورقة و قلمًا.ذهبت إليه.اِستفسرت منه ما طلب.كتبت كلّ شيءٍ.أعطيت الورقة لبشير الذي اِنطلق قاصدًا أقرب بقّالة،و رجع بعد نصف ساعة تقريبًا حاملاً الطلبات وكان من بينها"شابورة"ـ خبز محمّص قاسٍ يعشق بشير أكله مع الشاي الأحمر في صباح كلّ يومٍ ـ لم تكن الشابورة من ضمن الطلبات.اِنزعج الرّجل من وجودها،و أعطاها لبشير خاصمًا قيمتها من المبلغ المتّفق عليه،و بدل أن يضع بشير في جيبه عشرة ريالات.تقلّص المبلغ إلى خمسةٍ..                                                                                   جعل بِشْ بِشْ يتحسّر على خيبته.قلت له:"خيرها ف غيرها" هذا جزاء من يصلّي مرة واحدة فقط كلّ أسبوع.كان كلّ يوم جمعة يستحمّ و يلبس أرقى ما لديه من هندام و يذهب للاِصطفاف مع حشود الناس في المسجد.يتلقّى خلال تلك الساعة خطبة عربية فصيحة،و كما يذهب إلى المسجد يعود منه مثل "سطل مقرقب"،إذ لا يفهم شيئًا ممّا يقال..                                               ذكر لي ذات مرّة أنهُ واحدٌ من أسرة فقيرة عدد أفرادها يفوق العشرين.لا أحد يعمل.أغلبهم تلاميذ.و الجميع في حاجة إلى مساعدته المالية.لا يكتفي بعمل واحد فقط.يبدأ في الصباح و ينهي عمله بعد العصر.يغادر الفندق،و يذهب إلى مطبخ مجاور لمساعدة العمال في أمور النّظافة و التلميع حتّى منتصف الليل،و يتقاضى على ذلك دخلا ماليا لابأس به في آخر الشهر..                كان سعيدًا بمساعدة أبنائه الأربعة على التمدرس لكي يعوّض الأميّة التي عاش فيها و عاشت فيه منذ نعومة أظافره بسبب الظروف التي نشأ فيها،حيث كان التعليم آنذاك في باكستان رجسًا من عمل الشيطان يجب اِجتنابه،فحُرِمَ ملايين الناس من التمدرس،و اِمتهنوا الأشغال الشّاقّة المؤبّدة بحكم قيادة ميكيافيلية لا تقيم وزنا للثروة البشرية،و تحت جحيم تلك الظروف،نشأ بِشْ بِشْ و أمثاله لايفقهون شيئًا،و نظرتهم للدنيا والحياة لا تعدو أن تكون بحثًا عن السعادة لأفراد أسرتهم يدفعون مقابلها راحتهم و جزءًا كبيرًا من أعمارهم.

في مساء يوم جمعة،جاء إلى المسبح باكستاني بلحيته الطويلة المهمَلة.كان برفقته ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين التاسعة و الحادية عشر.أشفقت على أمّهم التي لم يرحمها صاحبنا،فاِضطرّها لأن تضع ثلاثة أبناء تباعٍا بلا راحة بيولوجية"فاكس بولد" اِقتداءًا بوصيّة واجب الطاعة على التناسل و التكاثر لنتباهى بين سائر الأمم بكثرة عددنا يوم اللقاء الموعود..              كانوا يلبسون لباسًا كاملا.طلبت منهم أن يخلعوا "الفانيلاّت"و يكتفوا بالسراويل(الشورتات).لم يقبلوا.أخبرني والدهم بمعلومة جديدة مما يعتقد.قال لي إنّ من مخالفة السّـُـنّـةِ أن نفعل ذلك.قال ذلك باِعتداد و فخر.لم أُطِلْ حديثي معه.بل قدّرت له موقفه ـ الذي لا يقبل حولهُ الجدل ـ  و أوليت له ظهري هو و صغاره و تركتهم في الماء يسبحون..          جلست في مكاني.جاء بشير و هو يبتسم.أخبرني بأنّ الرّجل من جماعة طالبان باكستان.عقولهم متحجّرة.يتزوّجون و ينجبون قنابل بشريّة.يربّون أبناءهم على العنف و تفجير من سوّلت له نفسه أن يمارس حريته وحياته المشروعة بدعوى أنه مخالف لما جاء به الدّين الحنيف.يُلبِسون صغارهم أحزمة ناسفة.يرسلونهم إلى الملاهي حيث يلعب الأطفال.و يحوّلون سعادة الأسر و المجتمع إلى حطام و جحيم.يوهمون أنفسهم بأنّ من مات مجاهدًا بتلك الطريقة فله الجنّة و الحور العين و فاكهةً و أبّا.. يحكي لي بشير أحداثا إجرامية بإسم الدّين.يضحك و يتعجّب من تلك العقول و كيفية تفكيرها.لا أتمالك نفسي من الضحك كذلك و هو يصف لي تلك السيناريوهات المأساوية بأسلوبه البهلواني و بلغة عربية مشوبة بلكنة بيشاورية مثيرة للضحك.اِكتشفت عبقريّته التي يتمتّع بها ـ رغم أمّيّته ـ من خلال أسلوبه الموضوعيّ الذي يصف به معشر الإرهابيين.ذكّرني منظره العامّ و هو يتكلّم ببعض الأمازيغيين الذين أعرفهم ـ شخصيا ـ بالمغرب(الشّلوح).يواصل الحديث عن الإرهاب و حوادثه و هو يضحك.أضحك معه.لو رآنا أحد من بعيد لظنّ أنّه يحكي نكتًا.هل صحيح أنّ شرّ البليّة ما يُضحك؟..يالها من مغالطة منطقية غريبة!                                                                                 ذات مساء،زارني مبارك.ناديت بشير.عرفتهما ببعضهما.قال له:أنت هندي؟ اِبتسم بشير وقال باِستحياءٍ:ما فيه! أنا باكستاني.أخبرت مبارك بأنّ "بِشْ بِشْ" شخصيّة مميّزة.لا يقرأ ولا يكتب.حتّى الساعة المرقّمة لا يتقن اِستعمالها.يحبّ ذات العقارب التي يفهمها.رأسه مليء بالأسرار بعضها خطير و بعضها مسلٍّ وحكايات واقعية شهدها في الفندق قرأت مثلها في بعض الروايات..

اِشتكى لي ذات مرّة بأنّه يعاني من اضطرابات صحية لا يستطيع البوح بها لأحد غيري.تكلّم في الموضوع بمشاعر الأسف و الحسرة.صار يسافر إلى بلده و يقضي أغلب أيام العطلة بين بيته و عيادة الطبيب، وصحة بدنه صارت ترزح تحت وضعٍ لا يبشّرُ بخير،إذ فقد حاسّة الرّغبة في الأكل،فصار يشعر بدوخة في رأسه تنتابه من وقت لآخر و مغص خفيف في بطنه و وهن في عموم جسمه. سألني عن السّبَبِ والحلّ.أفدته بأنّه لا يهتمُّ بالتّغذية.حُـبُّهُ لتناول الشابورة في الصّباح مع الشاي الأحمر كعدمهما،ونشوقه للسّـُـعُوطِ باِسْتِمْرارٍ ـ على الرّيق ـ و السّهر الزّائد مع الأفلام الهندية الكذّابة كلّ ليلة. كل سبب ساهم باِمتيازٍ في تحطّيم مصانع جسمه و بنيته،ناهيك عن همّ المسؤولية التي يحملُ منذ وعى بوجوده حتّى صار"جلدة على عظم" فضلا عن طول ساعات العمل و الوجبة الحزينة التي يقدّمُها له الفندق كلّ يوم و كأنها "نشيد وطني" لا يتبدّل مع تبدُّل الأوضاع وتغيّـُـرِ الظّروف خيرًا كانت أو شرًا.وهن جسمه حتى صار شيخا قبل الأوان و ضَمُرَت ملامحه،و لربّما طال النّقص و الضمور أشياء أخرى لا يعلمها إلا هو،فالتّطوّر يكون إمّا بالسلبِ أو الإيجاب.فبئس حياة الكادحين المأجورين أينما حلّوا و اِرتحلوا. و نعم عدالة التّطوّرالتي تُغيّبُ أقوامًا و تَنْتُجُ آخرين لكيلا تضيق الأرض بالوافدين إليها من حيث لا يدري أحد..بيش بيش يا بيش بيش..المزاج ميا لميا و الراتب ألف و ميا..

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق