]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصة لم تكتمل

بواسطة: خالد مرخوص  |  بتاريخ: 2013-05-29 ، الوقت: 12:11:21
  • تقييم المقالة:
قصة لم تكتمل

حطّت بها الطائرة في مطار الملك خالد الدولي بالرياض.نزلت مع جُمُوعِ المسافرين وآذانها لا تسعفها في سماع أيّ شيء سوى غمغمات صوتية سبّبها الضغطُ الذي تشهده الطائرات عند النزول كما عند الإقلاع..            ختمت جوازها بمكتب شرطة المطار.أخذت حقائبها و توجّهت إلى مقرّ اِستقبال"الشغّالات" حيث ينتظرن كُفَلاءَهُنّ.على رأس كلّ ساعة ينادي الموظّفُ على واحدة منهنّ ليستلمها كفيلها الذي ستعمل لديه في البيت تربي أبناءه و تطعمهم و تسهر على تنظيفهم و مراقبتهم..                  

طال اِنتظارها.ملّت الجلوس و وجوه الحاضرات.كلهُنّ من دول آسيا الفقيرة.قامات قصيرة و أجسام نحيلة و ملامح بئيسة و نفوس مليئة بالإصرار على العيش دون اِكتراث.يشعر مُحَاوِرُهُنّ بأنّ السّذاجة و الغفلة تركا العالم كلّهُ و تركّزا في هذا الصنف من النّساء الطامحات إلى لقمة العيش و جزءٍ من المال يسعفهنّ في إنجاز شيءٍ في أوطانهنّ بعد دفع سنوات من أعمارهنّ كرِهانٍ في العمل ببيوت الأغنياء..                                                                     

التّميّز منحة قدرية جميلة تـُـسْعِدُ كلّ إنسانٍ إن حظيَ بها،ولكن صاحبتنا لم تسعد بتميّزها عن جليساتها البالغ عددهنّ قرابة الثلاثين لاِنشغال عقلها و وجدانها بتجهّمِ الأجواء من حولِها.قامَتـُـها المتوسطة و جمالـُـها.وجهها الطفولي "بايبي فايس".حداثـُـة سنّها.نعومة شعرها و بياضُ بشرتها،ناهيك عن فطنتها و سرعة بديهتها الواضحة في بريق عينيها البريئتين..كلّ ذلك جعل جميع الحاضرات يثبّتن نظرهن فيها و كأنها كائن فضائي نزل لتوه من كوكب سحيق.أحسّت بضيق من نظرات خادمات البيوت الآسيويات،و لم تهنأْ إلاّ عندما ناداها الموظّف لكي تنصرف مع وكيل كفيلتها الأميرة..                                               

اِستقلّت السيّارة و قد أخذت الحيرة منها كلّ مأخذ.اِعتراها ندمٌ شديد على قرار السّفر للعمل في بلاد مختلفة تماما عمّا عهِدَته خلال سنين عمرها بموطنها الأصليّ.تغيّرَ قرارها على نقيض ما كان عليه قبل ساعات من وصولها.أتت الصّدمة على وجدانها من القواعد فحطّمته.تأدْلـَـجَتْ بسرعة و كأنّها كانت مخلوقا فتحوّلت إلى مخلوق آخر.غيّرت رأيها عكسًا و على خطّ مستقيم و بذلت جُهدًا جبّارًا في تحمّلِ هول الصّدمة.تمنّت لو عادت من حينها في أقرب رحلة إلى نقطة إقلاع الطائرة لتعود إلى حضن أسرتها الدافيء،ولكن هيهات لعقدٍ موقّع يمنعها من رؤية والدها و أخواتها الثلاث لسنتين كاملتين أن يُسعِفَ و يعفو!                                                                        

كلمها السائق(الوكيل)مُخبِرًا إياها بالوصول إلى القصر الذي ستباشر فيه عملها،و لا دخول و لا خروج و لا حركة و لا سكون إلاّ بإذن الأميرة صاحبة السموّ وواجبة الطاعة..

كانت بُشْرى في اِستقبالها.سألتها عن إسمها و مكان قدومها.أجابتها  بأن إسمها كريمة و قادمة من الدار البيضاء للعمل لدى الأميرة في المطبخ و مراسيم الولائم.رحّبت بها بشرى التي قدمت من مكناس منذ ثلاث سنوات.كانتا سعيدتين ببعضهما لكونهما مغربيتين من بين طائفة الخادمات الآسيويات في القصر.يتحدّثان و يأنسان ببعضهما و لا تخفي الواحدة عن الأخرى سرّا مهما بلغت خصوصيّتهُ.صارتا أكثر من أختين خلال أقلّ من أسبوع ..                                                                              

ذات مساء،تلقّت كريمة مكالمة هاتفية من الذي دخل حياتها و قلبها بلا اِستئذان،سلّم عليها.ذكّرها بوالدها الذي تجمعه به صداقة قديمة في"الزّيرو كاط"،و نقل إليها أخبارا سارّة عن أخواتها الصغيرات اللواتي رآهُنّ قبل يوم من إقلاع الطائرة التي نقلته بالقرب من مكان إقامتها..                                                   

أسهب في الكلام معها إسهابًا ممتِعًا.سألته عن المصدر الذي حصل منه على رقم هاتفها.فاجأها بأن والدها هو الذي أعطاه إياه و تمنّى لهما أن ينسجا آصرة طيبة مآلها إلى زواج و عشرة و أولاد..                         

رحّبت ـ مبدئيا ـ بالموضوع ما دام والدها كان سببا في تلك العلاقة،وبدأت أحلامها تكبُرُ كلّ يوم.تحوّلت في خلال شهر واحد إلى متيّمةٍ مجنونة بحبّه.كل ليلة تتلقّى منه مكالمة مطوّلة وشيّقة.سَحَرَهَا بأسلوبه و طريقة كلامه و نـُـكَتِهِ و تفاصيل نشاطاته خلال اليوم و الليلة.اِعترفت له بأنّها لم تصادف مثله في حياتها.بل حتّى أحلامُها لم تـُـسْعِفْها في متعة كالتي وجدتها معه..                                                                   

في كلّ ليلة يوافيها بالجديد عبر الأثير.تعوّدت على صوته و تنقلاته بين المواضيع بكلّ سلاسة و سحر و تمكين.صارت شغوفة به حدّ الجنون،تمنّتْ رؤيته لتـُــوَازِن ملامحه و هيئته بالصّورة التي رسمتها عنه في مخيّلَتِها من خلال صوته.اِعتبرته هديّة من السّماء في زمن جار عليها و حرمها حنان أمّها التي تخلّت عنها مُودِعَةً إياها بين يدي والدها ـ و هي في القماط ـ  بعد الطلاق..                                                  اِعتبرت نفسها أكثر الفتيات حظّا في العالم بهذا الفارس الذي اِقتحم قلبها و وجدانها بلا مشورة و أعاد لها حقّها في العدالة الدنيوية التي اِفتقدتها منذ ولادتها..                                                                      كانت أمورُها في العمل تسير على أحسن حال.وجود بُشرى معها في النوم و اليقظة وفّر عليها الكثير من شؤون العمل و صعوباته حتّى صارت مُلِمّةً بكلّ كبيرة و صغيرة داخل مطبخ القصر و خارجه.ذكاؤها و اِجتهادها جعلاها تتفوّق على كل الخادمات القديمات و الحديثات،فكلّفتها الأميرة"الأرملة" بالإشراف على إدارة مطبخ القصر ممّا زادها اِرتياحا حيث صارت تحضُرُ و تنصرف متى شاءت بلا رقيب،ناهيك عن السعادة التي أمْسَتْ في اِزدياد كلّما اِتّصل بها"حبيب القلب". تلوّنت الأشياء من حولها حتى فقدت الشعور بالغربة.صارت مبتهجة في الغداة و العشيّ،و ما همّها إلاّ أن تـُـطْوَى عنها الأيّامُ و الشهورُ لتسافر بعد الحجّ  وتَبُثّ سعادتها لوالدها و أخواتها الصغيرات اللواتي تمنّت أن يشاركنها أيّامها و لياليها المليئة بالمفاجآت و الطالع الحسن في العمل و الحبّ و الزواج المُحتَمَلِ..                                                                          

ذات مساءٍ،أنهت واجباتها.تناولت عشاءها كعادتها و صعدت إلى غرفتها.ذكّرتها بُشرى بأنّ علاقتها به قد أكملت شهرًا كاملا.أرادت أن تزفّ إليه الخبر معلنة له أوّل اِحتفال لذكرى علاقتهما الوردية.اِتصلت به هاتفيا،فإذا بالمكالمة عصية عن المرور،جاءت عبارةُ عدمِ وجودِ الرقمِ بالخدمة كالفاجعة على قلبها." تأبطت شرا"و هي حديثة عهد بالعشق و"التّيه".لم تتنبّه إلى عبارة"مؤقّتا".. تاه عقلها و تاه معه قلبها و كافّة جوارحها بين الاِحتمالات الأشِرةِ.طار النّوم من جفونها و روحها و من كلّ شبر من جسدها في تلك الليلة.تحوّلت إلى فيلسوفة في وضع الاِحتمالات.اِشتكت لبُشرى "الحادث".جعلت رفيقة دربها تهوّنُ عليها و تعيد لها صوابها بإرشاداتِ و فرضياتِ حُسْنِ الطالـِع و النّيّة..بدأت"تقرأ اللطيف". بسملت و حوقلت و اِبتهلت على حالها وحال حبّها المهدّدِ بالتّميّعِ و هو في المهد ما يزال.حاولت أن تهدّيء من روعها قليلا.نجحت بشكلٍ نسبيّ في ذلك،و ما اِنفكّت الأزمة أن اِتّجه مؤَشّرُها إلى اِرتفاع بعد إعادة محاولة الاِتّصال"المنفصل مؤقّتا"..                                         عادت بُشرى لطَمْأنَتِهَا و التّهوين عليها.فعادت إلى رشدها مرّة أخرى.تأمّلت أخطاءها معه.عصفت بذاكرتها و عصرتها وجعلت تستحضر شريط ثلاثين حلقة عاطفية و ما أسفرت عنه من زلات العشق و"التّواصل عبر الأثير" فلم تظفر بفكرة واحدة تدعم هلاوسها.اِضطرابها و شكوكها في خسرانه كانا أقوى من حكمة بُشرى و مواساتها لها حتى كشّرت الأخيرة عن أنيابها و فقدت صوابها في إرشاد رفيقتها،وأخيرا نامت و تركتها تموج و تروج في دوّامة أفكارها الواهمة..                   بدأت تتساءل:تـُـرَى ماذا أصابه؟كيف له أن يقطع الشعرة الوحيدة التي تربطني به؟أم أنّه "شاف شي شوفة أخرى"؟أم أنّني لست من الصنف الذي يُغريه بمواصلة وشائج العشق و التواصل المؤبّدين؟أم أنّ أحد الحُسّاد أراد أن يكسر قنطرة العلاقة بيني و بينه فدبّر لنا مكيدة؟!                                                                                  

قضت الليلة كلها تتأمّل بعينيها سقف الغرفة على أنغام شخير بشرى الطفوليّ. ظلّت مُسَهّدة حتى الصّباح تناجي السماء و تدعو بأن تكون مخطِئة فيما شغل وجدانها من اِحتمالات بائسة خلال الليل و الصّباح حتى تبيّن لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.شعرت بشبه إغماءة.أسندت رأسها على المخدّة.بدأ لون السقف يتلاشى تدريجيا في عينيها حتى اِختفى ثمّ غطّت في نومٍ عميقٍ بلا وعي...                                                                   

ظلّت نائمة حتى العصر.اِستيقظت،فوجدت بُشرى و قد قامت بكلّ ما يجب القيام به من تحضيرات المطبخ بمساعدة الخادمات الأخريات،شكرتها على إعفائها من المساعدة و قدّرت لها حسن تصرّفها،و اِستأذنت في الاِنصراف لبعض الوقت لكي تتّصل بفتى أحلامها التّائه.ضغطت على رقم هاتفه من هاتفها،فكانت الأمور إيجابية.ضجّت الفرحة الكبرى في صدرها و زالت الغصّة التي اِستوطنت وجدانها منذ الليلة الماضية.ردّ بأسلوبه الطبيعي المعتاد.لاحظ تغيّر لهجتها.كان كلامها معه كدرس في الأخلاق تلقيه معلّمة على تلميذها الصغير.لم يتفاعل معها،بل قدّر مشاعرها المهتزة و سوء فهمها،فأوضح لها سبب تعطّل هاتفه في الليلة الماضية،حيث كان في سهرة مع بعض الأصدقاء،و فجأة اِنطفأ هاتفه بسبب شحنة الكهرباء المتدنية،و لم يجد شاحنًا يعبّيء به بطارية هاتفه،وحتى رقم هاتفها لا يحفظه تماما لكي يكلّمها من هاتفٍ آخر..

سرعان ما قدّرت ظروفه،فاعتذرت له بأسلوب جميل حرّك في داخله مشاعر التسامح مع فتاة أحبّته من قلبها كما أحبّها. ذكر لها بمزح ومكر بأنّه سيعيد الكرّة كلّما اِشتاق إلى كلامها العذب الجميل الذي لا يَصْدُرُ منها إلا بعد فترات الحزّات و التّقصير.نبّهته ألاّ يكرر الخطأ،و أكّدت عليه بأن يهتمّ بشحن هاتفه كلّ يومٍ مادام على علاقة بها.هز رأسه أكثر من مرة تعبيرا عن الموافقة على نقدها له وهو المعترف بعبقرية جنس النساء و كمالهن عقلا و دينا منذ وعى بوجوده..و بعدما أكملا محادثهما الهاتفية،أغلق هاتفه وغفا غفوة القيلولة على عادته كل يوم.بدأ يحلم برحلة قطار طويلة توالت فيها المحطات و توالت معها الصعوبات،إلا أن إصراره على مواصلة الرحلة كان أكبر و أقوى مادامت ساقية الحياة تدور و تدور دون توقف..

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق