]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

آه كم كانت قيمة فنجان الحليب عظيمة ! :

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2013-05-26 ، الوقت: 16:13:54
  • تقييم المقالة:

 

 

 

 

 آه كم كانت قيمة فنجان الحليب عظيمة ! :

 

خلال فترة السجن التي قضيتُـها فيما بين سبتمبر 85 وجانفي 86 م في 4 سجون جزائرية عُـذِّبت خلالها أكثر بكثير مما عُـذبت خلال فترة السجن الأولى التي استمرت معي لمدة عام ونصف , أي من نوفمبر 82 إلى ماي 84 م , مرت بي أحداث جسام بعضها حلو وبعضها مر , ولكن الكل فيه عبرة وعظة بإذن الله تعالى .

 

ظروف المعتقل الانفرادي في زنزانة خاصة بي كانت سيئة جدا , من حيث الأكل والشرب والفراش والغطاء واللباس , والحاجة إلى الوضوء والغسل والتيمم , وكذا إلى الضوء والهواء , وإلى النوم , وإلى الراحة والهدوء , وكذا الرغبة في البقاء ولو ليوم واحد بدون تعذيب جسدي ونفسي و ...

 

ومن مظاهر معاناتنا في الزنزانة الأكل القليل وغير الصحي والوسخ والأكل بدون ملعقة و ... 

 

ومما مر بي خلال تلك الفترة من أحداث صغيرة ولكن فيها عبرة : فنجان الحليب الذي كنت أشربه كل صباح حوالي الساعة 6.00 صباحا .

 

كان الحارس الجلاد القاسي الغليظ العنيف الفظ ... يأتينا في كل يوم على الساعة السادسة صباحا بفنجان حليب ساجن , فنجان وليس كأسا , أي أن كميته قليلة بالمقارنة مع كمية الحليب العادية التي يشربها أغلبية الناس في بيوتهم في اليوم مرة أو مرتين , سواء كانوا صغارا أو كبارا , رجالا أو نساء . وكان الجو البارد من جهة والجوع والعطش من جهة ثانية , وكذا المعاملة الفظة الغليظة التي كنا نُـعامَـل بها في المعتقل من جهة ثالثة , كل ذلك كان يجعل فنجان الحليب يتحول في نظري إلى كنز من الكنوز الـثميـنـة للغاية والغالية جدا . كنتُ أمسكُ بفنجان الحليب بقوة وأحيطه بيدي الاثنـتين من أجل التدفئة من جهة , ومن جهة أخرى كأنني أخاف أن يطير أو يتبخر الحليب من بين يدي . أشرب الجرعة الصغيرة الواحدة في كل دقيقة تقريبا , وأقسِّم الفنجان إلى حوالي 30 جرعة خلال 30 دقيقة تقريبا . أشرب الجرعة الواحدة وأستمتع بهذا الشرب كل الاستمتاع وكأنني آكل اللحم أو الكبد أو كأنني أشرب العسل المصفى أو ... كنت أشرب الجرعة الواحدة من الحليب الدافئ وكأنني ملِك أو سلطان أو رئيس دولة أو ... كنت أشرب فنجانَ الحليب وأقول في نفسي " أنا في نعمة لو علم بها من سجنني لقاتلني عليها بالسيف " .

 

كنتُ أستمتع وأتلذذ كثيرا بشرب الحليب من هذا الفنجان الصغير , وأتمنى لو يبقى فنجان الحليب عندي لأقسَِمه إلى ألف قسم أو ألف جزء , ولأسـتمتع بالشرب لأطول مدة ممكنة , ولو استمر شربي للحليب ليوم كامل . ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه , ومنه فعندما تصل السادسة والنصف ( أي بعد نصف ساعة من بدء شربي للحليب ) يفتح الحارسُ الجلاد نافذة زنزانتي الصغيرة ليطلب مني فنجان الحليب الفارغ , ويا ويلي إن رفضتُ إعطاءه الفنجان أو طلبتُ وقتا إضافيا لزيادة الاستمتاع بشرب الحليب .

 

وعندئذ وعندئذ فقط انتبهتُ إلى أن شربَ الحليب نعمة عظيمة , وإلى أن الأكل والشرب نعمة عظيمة , وإلى أن الحرية نعمة عظيمة , وإلى أن الإسلامَ أعظمُ النعم وأجلُّـها على الإطلاق , وإلى أن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى , ولكن قل من يشكر الله عليها .

 

يا رب إذا أنعمت علينا فاجعلنا من الشاكرين , وإذا ابتليتنا فاجعلنا من الصابرين , آمين .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق