]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حد الردة (دلالة النص وإشكالية التطبيق)

بواسطة: نادر العريقي  |  بتاريخ: 2011-10-04 ، الوقت: 14:57:03
  • تقييم المقالة:

كتابة  المدرب / نادر محمد العريقي

ماجستير قانون جامعة أسيوط 

nadder22@yahoo.com

كنا على مأدبة غداء دعانا إليها , ودار بيننا حوار شيق في قضايا سياسية وثقافية ودينية , كانت إجاباتنا واضحة ومحددة أقنعت صديقنا المسيحي , حتى فاجأنا بسؤال , حاولنا التهرب منه بذكاء , إلا أنه كان يريد منا إجابة واضحة ومحددة كما عودناه , فكان يعيد علينا السؤال مرارا (هل تسمحون لنا أن نقيم في بلادكم مدرسة تبشيرية ؟ أم ستقيمون حد الردة على كل من يتنصر ؟ ما كان أسهل أن نجيب (من بدل دينه فاقتلوه) , إلا إن زيارتنا لكثير من المراكز الإسلامية الموجودة في بلاد هذا السائل وهي تمارس وظيفة التبشير بالديانة الإسلامية , وإعلان كثير من المسيحيين دخولهم في الإسلام دون خوف , في ظل حرية الاعتقاد التي يرعاها القانون الأمريكي , كل هذا جعلنا نفكر كثيراً قبل أن نجيب ونسأل أنفسنا. من المقصود بحد الردة في نصوص الشريعة ؟ وهل من مصلحة الإسلام تطبيق هذا الحد في ظل الظروف الراهنة؟

من المقصود بحد الردة في نصوص الشريعة ؟ 
ما يتبناه كثيرا من علماء الشريعة , بل هو الرأي السائد في زماننا, أن المقصود بحد الردة كل من فارق دينة ويستند القائلون به إلى حديث النبي(ص) (من بدل دينه فاقتلوه) وهو حديث ورد في الصحيح, إلا أن المعارضين لذلك يرفضون ظاهر هذا الحديث لمصادمته لعشرات الآيات المكية والمدنية التي تكفل حرية الاعتقاد , ومنها قوله تعالى( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) , وحملوا هذا الحديث على الردة السياسية (الخروج المسلح) على سلطان الدولة العادلة المنتخبة من الأمة, واستندوا في هذا الفهم إلى حديث آخر ورد في الصحيح وهو قوله (ص) {لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ...وذكر منها (التارك لدينه المفارق للجماعة)} وعبارة (المفارق للجماعة) تعني الخروج المسلح وهي تفسر عبارة (التارك لدينه) فيكون المعنى كالتالي (التارك لدينه أعني المفارق للجماعة) وفي رواية أخرى (التارك لدينه والمفارق للجماعة) بواو العطف أي من جمع بين الوصفين وهما(ترك الإسلام,ومفارقة جماعة المسلمين) وهذا أعظم من الأول الذي اكتفى (بالخروج عن الجماعة)وظل(متمسكاً بدينه) . ولعل حمل حد الردة على الردة السياسية(الخروج المسلح ) , دون الردة الدينية (ترك الإسلام فقط) , هو الذي جعل بعض العلماء كسفيان الثوري وإبراهيم النخعي يرون أن المرتد (التارك لدينه فقط مع لزومه للجماعة) لايقتل بل يسجن حتى يتوب وهو ماروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 
ومن الملاحظ أن الرأي الثاني هو الذي يجعل حديث (من بدل دينه فاقتلوه) يتلاءم مع دلالة آيات القرآن (لاإكراه في الدين) (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) ويتلاءم مع الأحاديث الأخرى الواردة في حد الردة , وهو الموافق لضوابط فهم النصوص , وذلك(بأن يفهم نص الحديث في ضوء نصوص القرآن),(وفي ضوء السنة النبوية),(وفي ضوء مقاصد الشريعة) (وبما لا يتعارض مع الأحاديث الأخرى الواردة في نفس الموضوع). ولا ننس أن ننبه في ختام هذا الفقرة أن ننبه القارئ إلى بعض العلماء يرى أن عقوبة الردة عقوبة تعزيرية متروكة للأمام والبعض يرى أنها لا تقام إلا على المرتد الداعية إلى بدعته فقط وهو رأي شيخنا القرضاوي في كتابه ملامح المجتمع المسلم 

هل من مصلحة الإسلام تطبيق حد الردة في الظروف الراهنة؟
بعد أن انتهينا من مناقشة السؤال الأول وهو ما يتعلق ( بفقه الاستنباط أو فقه دلالة النص) نجيب على السؤال الثاني وهو كالآتي: على فرض أن الرأي الراجح هو قتل المرتد سواء كنت ردته دينية أم سياسية فهل هناك إمكانية لتطبيق حد الردة في ظل الواقع الذي نعيشه ؟ , وهذا ما يسمى ب(فقه التنزيل) أعني تنزيل الحكم على الواقع,إذ من المهم أن نراعي في تنزيل الحكم أن يحقق المقاصد التي قصد إليها المشرع , من تحقيق المصالح ودرء المفاسد , فإذا كان تطبيق هذا الحكم سيؤدي إلى عكس مقصود الشارع في زمن من الأزمان أو في حال من الأحوال,أو سيؤدي إلى تفويت مصالح هي أولى منه بالحفاظ عليها ,فإن إيقاف الحكم ,حتى يتهئ المناخ المناسب لتطبيقه هو الأولى , وهذا ما فعله سيدنا رسول الله (ص) عندما منع من إقامة الحدود في الحرب خشية أن يلحق الجاني بجيش المشركين فيكون عوناً لهم على المسلمين فلا يؤدي الحكم مقصوده في ردع الجاني بل يدفعه إلى جرم أعظم في ميزان الشرع وهو موالاة أعداء الله, وهذا مانريد أن نناقشه في حد الردة على فرض كونه الرأي الراجح , وهنا أذكر للباحثين بعض الإشكاليات الناتجة أو قد تنتج عن تطبيق حد الردة في ظل الواقع المعاصر الذي يعيشه المسلمين اليوم وهي:-
• الحملة الإعلامية الشرسة على مبادئ الإسلام, وتشويه صورته أمام شعوب العالم واتهامه بأنه يقف ضد حرية الاعتقاد,ولاشك أن الإعلام صار له دور فاعل ومؤثر في صنع وتغيير قناعات الشعوب وفي إظهار الحق بصورة الباطل والباطل بصورة الحق وهذا ما جعل النبي (ص) يقول لعمر بن الخطاب عندما طلب منه قتل عبد الله بن أبي في غزوة المريسيع لأنه أشعل فتنة كادت تؤدي إلى حرب ضروس تزهق فيه الأرواح (يا عمر أتريد أن يقول الناس أن محمداً يقتل أصحابه) فقتل رجل في مكانة عبد الله بن أبي وإن كان يستحق القتل قد تكون فرصة لأعداء الله أن يشيعوا عن محمد (ص) بأنه يقتل كبار أصحابه من أجل أن يوسع سلطاته ويستبد بالأمر , ويكون في ذلك صداً لكثير من روؤس القبائل من الدخول في الإسلام ,والذين بإسلامهم تتبعهم أقوامهم , كل هذا ألاهتمام النبوي بدور الإعلام في زمن كانت وسائله بدائية , فكيف في زماننا الذي صار الإعلام يستخدم كل وسائل التأثير وفنون العرض ويصل إلى ملايين من الناس , إضافة إلى سيطرة غير المسلمين على هذا الوسيلة الجبارة في ظل غيبوبة من القرار والإعلام العربي.
• ما قد تتعرض له الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج ,من تضييق على أنشطة الدعاة ,الذي صار لهم تواجد قوي وفاعل في البلاد الأوروبية وفي أمريكا ,وكان من ثماره الإقبال المتزايد على الإسلام وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي أشاعها عنه الحاقدون , فاستمرار القول بتطبيق حد الردة قد يؤدي في ظل الدور الإعلامي المعادي إلى منع تلك الأنشطة , بذريعة أن المسلم لا يؤمن بحرية الاعتقاد , ففي حين تسمح كل الأديان لغير المسلم بأن يعتنق الإسلام يواجه المسلم هذا التسامح بالإعدام لكل من أراد اعتناق تلك الأديان , وإيقاف تطبيق الحد من أجل تحقيق مصلحة (تكثير سواد المسلمين) (والتعريف بمبادئ الإسلام) في تلك البلاد كان له اعتبار في سياسة النبي(ص) عندما رضي في الحديبية بأن يضع في بنود الصلح (ومن جاء إلى قريش من محمد لا يردوه) (ومن جاء إلى محمد من قريش يرده إليهم ) فأي إجحاف في بنود هذا الصلح الذي يعاقب فيه الملتحق بالمسلمين ولا يعاقب فيه الملتحق بالمشركين ,إلا أنه ورغم ذلك سماه القرآن فتحا ًلأن فيها دخول آلاف مؤلفة في الإسلام لا يضرها أنفار قلة ارتدوا لا ردهم الله.
• الصراع المذهبي والطائفي الحاد , والذي اختلط فيه الحق بالهوى , والدين بالسياسة , وأدى إلى تكفير كل طائفة أو مذهب للطائفة الأخرى وأبرز مثال على ذلك ما يجري اليوم على الساحة الدينية بين المتطرفين من تياري السنة والشيعة(فمن الذي يقام عليه حد الردة)؟!
• سيطرة السلطة السياسة على السلطة الدينية والقضائية والتوظيف السياسي للدين بما يخدم مصالح الساسة المتنفذين , فيوصف بالردة ويتهم بفساد العقيدة كل من خرج عن طاعة السلطة السياسة, حتى ولو كان خروجه للمطالبة بحقوقه المشروعة, ولو بطريقة سلمية.
• جهل كثير من المسلمين بأصول دينهم , خاصة الذين نشأوا في ظل الأنظمة اليسارية والعلمانية الملحدة , والتي استخدمت كل الوسائل في عزل المسلمين عن تاريخهم وثقافتهم وهويتهم الإسلامية,ولغتهم العربية, فما الحكم في حق هؤلاء هل نعرفهم حدود الله أم نقيمها عليهم؟! 
• اتساع دائرة الثوابت,أوبا لأصح ما أضيف إلى الثوابت مما لم يكن في عصر التنزيل , فكون بعض الآراء شاعت وسادت في حقبة من حقب التاريخ ,أو في كتب التراث , جعل منها أصلاً من أصول الدين, وركناً من أركانه, وألبست ثوب الإجماع الذي صار سلاحاً وحجة, لكل من أراد أن يغلق باب الاجتهاد في مسألة من المسائل, ومن خالف الإجماع كفر ,وليس ببعد ما جرى من جدل حول قضية (دية المرأة) من اتهام الذين نادوا بالمساواة من أنهم أصحاب دعوى علمانية وأمريكية لأنهم يريدون هدم ثوابت الأمة, وكذلك ما قاله أحد علماء الأزهر من أن تعظيم الصحابة رضي الله عنهم هو الركن السادس من أركان الإسلام وهو أمر لم يقل به أحد مع تقديرنا وإجلالنا لهم . 
• اختلاف التيارات الإسلامية الموجودة على الساحة, حول تحديد كثير من القضايا الشرعية, هل هي من أصول الدين أم من فروعه؟ وكل تيار يجعل ولاءه للأخرين قائماً على أساس الالتزام بهذه القناعات التي يتبناها وهي في رأيه من ثوابت وأصول الدين ومن الأمثلة على ذلك (قضية الديمقراطية) والتي تعتبرها بعض التيارات الإسلامية كفر لأنها منتج غربي, وهي في رأيهم مناقضة للشورى في حين أن بعض تيارات الصحوة ,تعتبرها من أفضل الوسائل والآليات لتحقيق مبدأ الشورى , ومثل ذلك قضية (عقد المعاهدات والأحلاف السياسية بين التيار الإسلامي ,والتيارات العلمانية واليسارية)
• الخوف كذلك من تحول كثير من المثقفين المسلمين من دعاة ,يقيمون الدلائل والبراهين على صحة هذه العقيدة وشرح محاسنها وأثرها على الفرد والجماعة وتفوقها على الأديان والشرائع الأخرى إلى قضاة يصدرون أحكام التكفير والردة على الناس وهذا ما وقع فيه الكثير من أبناء الصحوة , فلم يقيموا حداً , ولم يحفظوا ديناً.
• إمكانية تطبيق حد الردة على الأنظمة التي تحكم بغير شرع الله , بل وتقنن للدعارة وتحمي وتشجع تجارة الخمور , أم أن حد الردة لا يطبق إلا على الذين لا سلطان لهم يحميهم فنكون ممن قال عنهم(ص) (كان إذا سرق فيهم القوي تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد).

هذه الإشكاليات وغيرها, والتي تقف عائقاً أمام تطبيق حكم الردة, في ضوء الواقع الذي نعيشه, هي التي يجب أن يتجه إليها نظر الباحثين حتى يحقق الحكم المصلحة التي شرع من أجلها.
وأخيراً/ نوجه نظر الباحثين إلى أنه لابد من إعادة دراسة حكم الردة من ناحيتين :-
الأولى/ وهي مفهوم النص أعني حديث( من بدل دينه فاقتلوه) وهل المقصود الردة الدينية (الخروج من الإسلام) أم الردة السياسية (الخروج المسلح)على أن تكون دراسة هذا الحديث في ضوء دلالة القرآن , والسنة النبوية عموماً , والأحاديث الواردة في قضية الردة على وجه الخصوص , وبما لا يتعارض مع مقاصد الشريعة , وقواعد الإسلام العامة.
الثانية/ وهي إمكانية تطبيق حد الردة , في ضوء الواقع المعاصر , والظروف الراهنة التي نعيشها وما تعانيه الأمة من نكبات وهزائم إقتصادية وسياسية وعسكرية فهل لنا أن نعيد النظر في تطبيق الحد كما فعل سيدنا عمر رضي الله عنه , وبما يجنب الإسلام والمسلمين الإشكاليات والمفاسد التي ذكرناها آنفاً, والتي قد تكون أولى باجتنابها في ميزان الشرع من مفسدة إيقاف حد الردة, فإن الشارع جاء(لجلب المصالح وتكثيرها , ودرء المفاسد وتقليلها) (وتغتفر المفاسد الصغرى في درء المفاسد الكبرى ) (ودفع الضرر العام مقدم على دفع الضرر الخاص) . وليضع الباحث في حسابه أهمية معرفة الواقع ودوره وتأثيره في تغيير الفتوى (فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والأشخاص ) كما قرر ذلك ابن القيم في إعلام الموقعين. ويقول الأمام الجويني (والنظر في المآلات معتبر شرعا) وهو ما قرره الأصوليون.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق