]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

من المفاهيم المغلوطة: الكلاسيكية

بواسطة: د. خالد سرواح  |  بتاريخ: 2013-05-22 ، الوقت: 06:26:41
  • تقييم المقالة:

                                                           

لقد جُبلنا خطأً على قصر مفهوم الكلاسيكية فى الأدب على الخصائص العامة للآداب والفنون الرومانية واليونانية القديمة أو ما يسمى بنظرية الشعر عند أرسطو بكتابه الشهير "فن الشعر." وهذه مغالطة أو سوء فهم لابد من تصويبه. بدايةً، لا يستطيع كائنُ من كان أن يقلل من قيمة كتاب أرسطو؛ فهو بما لا يدع مجالاً للشك قيمة وانجاز فكرى زاخر بالمعلومات عن الأدب اليونانى القديم. أولئك الذين ينظرون إليه تلك النظرة الشاذة (على أنه مجموعة نظريات ومبادئ يجب على الأدباء اتباعها حتى يتم تصنيفهم ضمن الكتاب الكلاسيكيين) هم الذين يسيؤون إليه. وقد يُفاجئ القارئ الكريم عندما يقرأ هذه السطور بأنه لا علاقة مطلقاً بين كتاب أرسطو فن الشعر والكلاسيكية، كاصطلاح نقدى على الأقل.          بدايةً، أرسطو نفسه لم يدع من قريب أو بعيد بأنه يسن قوانيناً أو مبادئ ليتبعها من يأتى من بعده. كما أنه لم يدر بخلده مطلقاً بأنه بصدد الحديث عن مبادئ أدبية على الآخرين التمسك بها. فكتابه "فن الشعر" كتاب وصفى descriptive ——وليس ارشادى prescriptive  كما يعتقد كثير من النقاد——لِما كُتب فى عصره من فنون مختلفة. فالكتاب فى معظمه يناقش فن المأساة (أو التراجيديا) من خلال التعرض لنماذج من أعمال سوفوكليس ويوربيدس وايسكليس كما يناقش فى أجزاء محدودة منه الشعر الملحمى والملهاه (أو الكوميديا) متعرضاً للإليادة والأوديسا لهومر كنماذج. ما أقصد التأكيد عليه هنا هو أن كتاب أرسطو كتاب نقدى يتعرض لفنون المأساة والملهاه والشعر الملحمى من خلال أعمال كتبت بالفعل وليس مجموعة قوانين يجب تطبيقها عند ابداع أى عمل أدبى. وما شجع النقاد على فهمهم الخاطئ، والمسئ إلى أرسطو فى الوقت نفسه، هو أن كتاب أرسطو هو أول كتاب نقدى من نوعه، وأنه بتناوله للأعمال الفنية المختلفة أطلق مفاهيماً نقدية متنوعة لم تك معروفة من قبل مثل "نقطة الضعف" أو الخطأ الذى يقع فيه البطل المأسوى ويؤدى إلى هلاكه وهو ما يُعرف بالـ hamartiaوالتطهير catharsisوالتحول من السعادة إلى الحزن peripeteia، ...إلخ.           وربما ما يؤكد كلامى السابق ما يقوله مايكل مانجان وهو ناقد حديث يشار إليه بالبنان حيث يقول بكتابه المعروف مقدمة لتراجيديات شكسبير: "عندما نُدرك أن أرسطو لم يك يضع قوانيناً ارشادية لكل العصور ولكنه يحاول وصف المسرحيات التى كتبها معاصروه، فهذا ليس مدهشاً. بينما المدهش هو أنه لا يزال هناك أناسُ يعتقدون بأن وصف أرسطو الذى مضى عليه أكثر من ألفى عام يعتبر بمثابة مجموعة قوانين أبدية على كل التراجيديات التمسك بتلابيبها. فمن غير المناسب تطبيق معايير التراجيديا اليونانية لفترة ما قبل الميلاد على مسرحيات القرن السابع عشر الميلادى مثلاً." وربما جاءت فكتورينا تيجيرا لتؤكد هذا الرأى فى كتابها الأدب والنقد ونظرية الإشارات بقولها: "لم يك، كما لا ينبغى أن يكون، الهدف من كتاب "فن الشعر" لأرسطو نظرية للشعر. فهو يناقش كيف صُنعت الدراما الشعرية. هو كتاب فكرى، وليس نظرية." وربما يلخص كل ذلك ما قاله ألكزاندر بوب من قبل بمقالته "مقدمة لشكسبير" (المنشورة بكتاب نقد شكسبير الذى حرره للنشر نيكول سميث): "حكمُنا على شكسبير بقوانين أرسطو يشبه حكمنا على رجل يعيش ببلد بقوانين بلد آخر." ويقول هربرت جريرسون بمقدمة مقالته "الكلاسيكى والرومانسى: وجهة نظر" بأن "الكلاسيكى والرومانسى لا يعنى الآداب والفنون اليونانية والرومانية ولا حتى العصور الوسطى، ولكن هذان المصطلحان استخدما للدلالة على خصائص معينة مميزة ليس فقط لفترات فنية وأدبية ولكن أيضاً لصور فردية."            وما يؤكد عدم وجود علاقة بين الكلاسيكية classicism  وأرسطو وبالتالى بينها وبين كتابه فن الشعر Poetics هو أن الأولى لم تُعرف ككلمة ومن ثم كمفهوم أو اصطلاح نقدى إلا فى القرن الثانى الميلادى حينما أشار يولوس جيليوسAulus Gellius  (وهو مؤلف رومانى ينتمى للقرن الثانى الميلادى) إلى "classicus...scriptor, not proletarius” وهو هنا يميز بين الكاتب الذى يكتب للطبقة الراقية وذلك الذى يكتب للعامة. من هنا يبقى السؤال: ما هى السمات العامة للكلاسيكية إن لم تكن مستَمدة من كتاب أرسطو كما سبق التأكيد؟           إذا ما قمنا بدراسة نقدية شاملة من القرن الثانى الميلادى حيث ميلاد الكلاسيكية كمصطلح حتى يومنا هذا، لوجدنا أن أبرز سمات الكلاسيكية التى يؤكد عليها أساطين النقد الأدبى (ومن أبرزهم ت. إ. هيوم وإيرفنج بابت ودومينيك سيكريتان وج. أ. ك. تومسون وهربرت ريد وجاك بارزان ومايكل مولينو وت. س. إليوت وازرا باوند ورينيه ويليك) تتمحور حول ثلاث سمات رئيسة. أولى هذه السمات هى الواقعيـــــــة، بمعنى أننا إن شئنا الحكم على عمل أدبى من منظور كلاسيكى نظرنا إلى أى مدى يعكس هذا العمل واقع العصر الذى كتب فيه؛ فإن كان العمل صادقاً فى تصوير واقع عصره تجسدت به إحدى خصائص الكلاسيكية. وثانى هذه الخصائص هى مكانة العمل الأدبى من التـــــراث؛ بمعنى آخر، إلى أى مدى تأثر هذا العمل بالتراث الأدبى السابق له وإلى أى مدى يؤثر هو فيما لحق به من أعمال. وأما ثالث هذه الخصائص هى العقلانيـة ووضوح الفكــر بالعمل الأدبى محل الدراسة. وقد حدد الفيلسوف الفرنسى الشهير رينيه ديكارت (وهو بصدد الحديث عن المنطق والوضوح كأساس بنيت عليه الكلاسيكية الفرنسية) قوانين أربعة للفكر الواضح إذا اتبعها المؤلف فى عمله أمكننا الحكم على عمله هذا بالعقلانية ووضوح الفكر وبالتالى امتثاله لواحدة من أهم خصائص الكلاسيكية. هذه القوانين هى قانون البينة ويعنى عدم تصديق أى شئ حتى يتم التأكد من ذلك وقانون التحليل الذى يقضى بتحليل أو تقسيم الهدف إلى مكونات عديدة قدر المستطاع حتى يسهل الوصول إليه وقانون التخليق الذى يعنى الانتقال من البسيط إلى المعقد وأخيراًقانون الضبط ويُقصد به المراجعة الدقيقة لتجنب اسقاط شئ.            من هنا كان الوقوف على مفهوم الكلاسيكية المغلوط وتصويبه خطوة لابد منها حتى لا نستمر فى انسياقنا وراء ما قاله الآخرون وكأن ما قالوه قرآناً لا يقبل الأخذ والرد.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق