]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حنيـــن

بواسطة: توفيق الزرقي  |  بتاريخ: 2013-05-20 ، الوقت: 15:56:54
  • تقييم المقالة:

 

تداهمني الذكريات في نكهة الأحلام، فيأخذني قطار الحنين إلى الأيام الخوالي ، إلى طفولتي وشبابي، إلى الزمن الغابر ، إلى تلك الحياة البكر الوديعة الحنون ، إلى ذلك الإطار الجميل، لوحة تتشابك فيها ألوان الزمن ورسوم المكان وطيف الانسان وهمسات ترانيم الصدى وعطر الثرى..... تلف بي الومضات واللقطات ، تبعثرني المشاهد ، تدغدغ وجداني وتهز كياني، تستفزني تارة وتداعبني أحيانا...، في كل محطة أرنو للنزول غير أن القطار يباغتني، في كل مرة يوهمني بالتوقف ثم ينطلق مسرعا ، تتعاقب المشاهد كمن يورٌق كتابا للحصول على عنوان....مثيرة وممتعة هي رحلة الإبحار في أعماق الوجدان وخبايا طيات النسيان كالتوغل في غابات الأمازون، تتراقص فيها مشاهد الذكريات كأشعة الشمس بين الأغصان.... يباغتني قطار الحنين بالتوقف وإذا بي في محطة الطفولة البريئة، إلى بداية الستينات من القرن الماضي ، التي كنت فيها لآ أكاد اميٌز الأشياء وأستوعب ما يدور حولي إلا النزر القليل، يتراءى لي بيتنا العتيق، بناؤه من طوب وسقفه من قصب وقش وطين، هذا بيت جدي وجدتي يتوسط بيت عمي الأكبر وبيتنا الصغير ، بيت أبي، وبجواره بيت عمي الثاني ويغطي ردهة البيوت " البرطال" وتقابله " المعمرة" مأوى بقرات جدي وإلى جانبها " النوالة" أين تعد جدتي كسرة الفطير، ويحيط بها "الحوش" تحيطه ساحة صغيرة بها " القروشي" مبيت شياه جدي وتطل على جنان الزيتون...حياة  بدائية، كل شيء فيها بدائي ، البناء من طوب، والفراش حصير والغطاء من صوف، أواني الطبخ والأكل من طين وعود، والإضاءة بمصباح تقليدي ، حياة بسيطة ، مزرية وتعيسة من الناحية المادية لكنها مفعمة بالبراءة والحب والحنان واللحمة العائلية، حياة سعيدة زادها القناعة والتقوى...هذه قريتي الصغيرة " الدوٌار" التي تضم بضع العائلات المتناثرة بيوتها بين الطوابي وجنان الزيتون لطالما لعبت بين أحضانها ومرحت مع اترابي...هناك نشأت وترعرعت في الريف بين أحضان الطبيعة البكر، كنا نرتع في حقولها ومزارعها ، نأكل ما طاب من أعشابها، تغمرنا بجمالها وبهجتها..... وهذا بيت جدي للأم بالجوار وفيه نشأت كذلك، وقد سبقني إليه عمٌي الأصغر الذي كنت أرى فيه شقيقي الأكبر، بحكم أن جدي هو خاله وأخوالي كانوا خلانه وأترابه.... ، كانت لي حضوة مميزة لدى جدي وجدتي وأخوالي ، لقد كنت حفيدهم الأول، كانوا جميعا يحظنوني ويغمرونني بحنانهم وعطفهم وحبهم الكبير...كنت دائم الحضور خلال ردهات النهار وإن لم أحضر فهم يرسلون في طلبي للغداء أو العشاء...ما أسعدني تلك الأيام..أعيش على ذكراها وكم أشتاق إليها                

أحنٌ إلى كسرة الفطير وكسرة الطابونة بأيدي جدتي ’ إلى زيت الزيتون النضوح ، إلى أجواء شهر رمضان والأعياد ونحن صغار...أحنٌ إلى رائحة شهر رمضان في تلك الأيام الخوالي ، لا زلت اشم عبقها ، كنٌا صغار ...إخوتي و أبناء عمومتي، كنا عائلة واحدة نتشارك البيت والطعام، كان منٌا من يصبح صائما إلى منتصف النهار وبعضنا يعلٌق صيامه عند الظهيرة لينعم بالإفطار مع الكبار، في المساء تنشط الحركة داخل " الحوش" ، هذه جدتي تخبز العجين لإعداد كسرة الطابونة ، وهذه أمي وزوجات أعمامي يتعاونٌ  في إعداد حساء "الشربة" و" البريكة"  وما لذ من طعام ، وهذا جدي يتصفح كتاب القرآن ويتلو منه في همس ما تيسٌر، وهذا عمي يعد السلطة وهذا أبي يعدة القهوة والشاي ، وكلٌ في شأنه  منشغل ، ويأتي وقت الإفطار فنهرع نحن الصغار لنستطلع مغرب الإفطار ونرصد دخان المدفع يسبق صدى طلقاته ، فننطلق عائدين إلى مائدة الإفطار متسابقين متعالية أصواتنا مهللين" مااااغرب ...مغرب...مغرب... فيتحولق السابقون حول مائدة الرجال والباقون إلى مائدة النساء ويخيم الصمت للحظات  إلا من البسملة و قرقعة الأواني...فهذا يروي ضمأه وهذا يسد رمقه ، تبتلٌ العروق ويطفو النور على الوجوه، نور البركة والتقوى وتعم الفرحة ، فرحة الصائم وقد أفطر......كما رمضان المعظم ، كما أعيادنا ، عيدي الفطر والإضحى والمولد النبوي الشريف ، كلها كانت مناسبة للفرح والبهجة والسرور، مناسبات تمسح عنٌا غبار التعاسة والحرمان وتعزز فينا أواصر اللحمة والقرابة بين العائلات والأجوار...هي تلك حياتنا البسيطة ينبوع المحبة الصادقة والقناعة الخالصة والبركة العظيمة....

كان بيتنا لا يخلو يوما من زيارات أصدقاء جدي من أهل القرآن " المدبية" وهم مشايخ تعليم القرآن والقراء ، وفي هذا الإطار كنا نحن الصغار نلقٌن ونتعلم من الأثر السردي، قصص أمجادنا وتاريخ أمتنا وحضارتنا ، بطولات عنترة ابن شداد وكرم حاتم الطائي وسيرة نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، ومآثر سيدنا علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ،وهارون الرشيد وعلماء الإسلام والسلف الصالح وأكثرهم ذكرا الحسن البصري..، عصر العزة والأمجاد....إلى عقود الوهن والضعف والانحطاط الذي أصاب الأمة ووقوعها بين براثن الإستعمار...كان جدي من قدماء المحاربين" كومباطان"  في صفوف الجيش الفرنسي ببلاد " الأندوشين" وقد أصيب بقصور باحدى يديه ورجليه، كانت فرنسا تقتاد أبناء مستعمراتها لتلقي بهم في أتون حربها الاستعمارية ، كان جدي يروي لنا هول الحرب التي عايشها، كيف يتعايشون مع الرعب، مع الحرمان ،مع آلام الشوق للأوطان، مع تناقضاتهم التي تنخر وجدانهم...يقاتلون إلى جانب مستعمري بلدانهم...والحديث ذو شجون ، يتطرق الكرام إلى بطولات أبناء بلدي في مقومة الاستعمار...محمد  الدغباجي ، بشير بن سديرة ، مصباح الجربوع وغيرهم كثر، غير أن الدغباجي يستأثر بجانب هام من البطولات حيث   يتغنون بملحمة المرحوم الدغباجي   مولى العركة المرة... جو خمسة يقصوا في الجره وملك الموت يـــراجي

 

ولحقوا مولى العركة المره المشهور الدغبــــاجي

 

جوّا خمسة يقصوا في الجره وملك الموت معـــاهم

 

راميهم شيطان بشره على تبزيع دمــــاهم

 

فرحوا يحسابوها غره يتباشروا بملـــقاهم

 

وقت إن شبح العين تعرى تكوا الخيل قـــداهم

 

والدغباجي في يده حره يسربيلهم في عشاهم

 

سرجاها خرجت على برا في الملهاد اخـذاهــــم

 

ذوّقهم كيسان المره

 

لا من روّح نــــاجي

 

فزعوا خمسة برباعيهم تيجيـبوا الفــــلاقة

 

مخزن مطماطة ينجيهم لثرنهم بنـــــــداقة

 

الكيلاني يتحلف فيهم بحـــــلالة وطلاقه

 

الدالة الفلاقة يمحيهم في واسع رقـــــراقــه

 

حسبوا يلقوا الشايط ليهم مدوهــــــا يا رفاقــه

 

ضربوا الخمسة وحقوا أيديهم زفوا زف تـــــــلاقي

 

كذب الوسعه يقصر بيهم زي هــــدير الناقه

 

توان يتلاقوا يقسيهم بوسربه شـــلهاقه

 

 

 

في صائفة 1961 إندلعت معركة الجلاء ببنزرت ، كنا صغارا ولكن انشغال الكبار بالأحداث ومتابعة الأخبار عبر المذياع جعلنا نهتم بالحدث ، كنا نهرع إلى الساحات وأعناقنا مشرئبة إلى السماء نحدٌق بأعيننا لعلنا نرى الطائرات...وهذا أكبرنا يشير إلى اتجاه الشمال نحو سماء  بنزرت ، كنا نعتقد أنه بإمكاننا رؤية ما يحدث هناك، وبنزرت تبعد عن ولاية جندوبة أين نقطن ، أميالا عديدة خلال سنة 1962 ، تابعت مع الكبار وقائع محاولة الإنقلاب التي قادها لزهر الشرايطي وهو من كبار المقاومين للاستعمار، حيث تم بث المحاكمة على المذياع ، لم أكن أستوعب أطوارها ولكنها رسخت في ذهني خلال سنة 1963، وبعد أن ضاعت مني سنة كاملة بحكم عدم وجود شغور بمدرسة الجهة، إلتحقت بالمدرسة المحدثة بالملقى ( ملتقى نهري مجردة وملاق)، في سنتي الأولى من التعليم الابتدائي وفي دفعتها الأولى، كنت أتلهف شوقا إلى التعلم وأحرص على المواضبة في متابعة الدروس رغم المناخ القاسي في ذلك الزمان ، برد قارس في الشتاء وحر في الربيع......أذكر أنه في يوم مثلج من  أيام الشتاء وفي الطريق إلى الدرسة وغير بعيد عن الدوٌار ، ومن شدة البرد قفل أترابي عائدين من حيث تينا ، في حين  واصلت بمفردي طريقي في مسلك فلاحي وعر تملأه الأوحال والثلوج علاوة على رشقات زخات المطر التي تلدغ وجهي ، كانت المسافة بعيدة نسبيا بالنسبة لطفل لا يتجاوز عمره سبعة سنوات وهي في الحقيقة لا تتعدى الميلين..ورغم تحاملي على نفسي فقد وصلت في حالة شبه إغماء...يسارع مدير المدرسة ويحملني بين أحضانه إلى منزله بالجوار ويطلب من زوجته العناية بي .....تسرع في تسخين قدر من الماء وتغسل بيديها الكريمتين أطرافي وتسقيني كوب قهوة ساخن بنكهة " السمن" ووضعتني في فراشها ودثٌرتني بغطائها....لن أنسى ما حييت ذاك الرجل الفاضل وزوجته الفاضلة التي ضمتني في حضنها وغمرتني بعطفها وحنانها والتي جسدت بصنيعها إنسانية الإنسان في أبهى نبلها وأرقاها....أسأل الله أن يجزيهما عنٌي خير الجزاء. في سنة 1965 وخلال جولة للزعيم الحبيب بورقيبة ببلاد المشرق العربي ، وعلى إثر خطابه الشهير بأريحا ، الذي دعا فيه الفلسطنيين إلى اعتماد سياسة المراحل في استرجاع الحق المغتصب بالقبول في مرحلة أولى بقرار التقسيم الدولي ثم المطالبة ببقية الحقوق ، غير أن ذلك لقي معارضة واستهجانا من طرف العرب وعلى رأسهم الزعيم جمال عبد الناصر .....ووقعت القطيعة بين الشقيقتين مصر وتونس ورافقتها حملات إعلامية من الجانبين ، كان مصدرها صوت العرب والإذاعة التونسية....وبدى وكأنه صراع على زعامة الأمة بين الرجلين، وفي الحقيقة كانا متكاملين، حيث كان الزعيم الحبيب بورقيبة يطرق باب العقول ليستنهظها بالاستفزاز تارة وبالإثارة أحيانا، في حين كان الزعيم جمال عبد الناصر يدغدغ العواطف ويشحذ الهمم ويذكي فيها روح النخوة والعزة والكرامة.....في تلك الحقبة بدأت أتحسس إستيعاب القضية الفلسطينية ، ولعل بذرة الإنتماء إلى الأمة التي أحملها في جيناتي قد بزغت في كياني...وما إن بدأت في فهم مدلول نكبة 1948 حتى نزلت الطامة الكبرى على العرب المعروفة بنكسة 1967 ، كنا خلال تلك الحرب نسهر على التقاط أمواج الإذاعة المصرية من القاهرة ونتابع خطب الزعيم عبد الناصر التي كانت تتقد بنار الحماسة  لتأجج فينا مشاعر الانمتاء والنخوة...كنا نتابع البيانات العسكرية اول بأول...وحدث المكروه ولحقت بالجيوش العربية هزيمة شنعاء ، وذقنا نحن الصغار طعم مرارتها من دمع عيون الكبار مشفوعة بزفير الألم وآهات الحسرة الممزوجة بالغضب في تلك المحطة ، تميز الوضع الدولي بالحرب الباردة والثورة الكوبية وبروز شخصية البطل الثوري تشي غيفارا ، ومعاناة السود من العنصرية علاوة على أحداث فرنسا خلال سنة 1968       في هذه المحطة، نشأت على القناعة واحترام الكبير وإجلال المؤدب والمعلم ومشائخ العلم وأهله، كما حملت خلالها للمرأة في قلبي مكانة القدسية ،ولعل فضل ذلك يعود إلى تلك المرأة الفاضلة زوجة مدير المدرسة ، التي كلما تذكرتها شعرت بابتسامة الطفل في وجداني.....في تلك المحطة نمت شجيرة الإيمان بالإنتماء إلى الأمة العربية الإسلامية واعتزازي ببلدي تونس التي                                                                                   عايشت بناءها من  طرف رجال بررة بقيادة الزعيم بورقيبة بما حملت تجربتهم من إنجازات  ونجاحات ومن فشل(تجربة التعاضد)                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      .....                                                                     وإلى محطة ثانية مع تحيات المودة  توفيق الزرقي                       


https://www.facebook.com/SocieteCivileVirtuelle


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق