]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

defendre le conte populaire marrocain

بواسطة: Miral Zohir  |  بتاريخ: 2011-10-03 ، الوقت: 13:32:29
  • تقييم المقالة:

 

دفاعا عن الحكاية الشعبية المغربية الدكتور محمد فخرالدين

تمهيد

لماذا الدفاع عن الحكاية الشعبية المغربية ؟

أولا لما لحق السرد الشعبي من ضيم لعدم الاهتمام به و إخراجه تعسفا من دائرة الرسمي المشهود له عن طريق المؤسسات بالأدبية و الجمالية ، و لو كان ذلك مبنيا على أراء و استنتاجات علمية لخضعنا له و قبلناه و لكنه مبني على اعتبارات خارج أدبية تحكم على الملفوظ انطلاقا من المتلفظ  لاعتبارات ايديولوجية معروفة ، و إننا لا نفهم لماذا كل هذا التحامل على الأدب و الفنون الشعبية و استثنائها من الدراسات العلمية الجادة و احتشام المؤسسات الجامعية في تبني هذا النوع من الأدب الذي قد يزوغ الروح من جديد في الدرس الأدبي و الثقافي  الذي طغى عليه الاجترار و التكرار أجيالا عديدة لأن الأدب الشعبي جزء من الثقافة و الهوية و التاريخ بالإضافة إلى إمكاناته الجمالية و الفنية ، و بصفة عامة فإنه لا ينقص شيئا في شيء عما سمي بالأدب الفصيح ..

ثانيا لم يتحقق في دراسة التراث الثقافي الوطني التراكم المنشود، فالدراسات التي تناولته على امتداد الوطن محدودة جدا فكان لا بد أن يتجه البعض منا لدراسته  و عيا بأهميته  كجزء من تراثنا الفكري و الحضاري ، و لكونه  من جهة أخرى جزءا من تراث الإنسانية جمعاء ، إنه أساسي  لصياغة الهوية المنغرسة في أعماق التاريخ .

إن الهوية لا تقوم فقط على الثقافة العالمة و لكن تقوم أيضا على الثقافة الشعبية و على الحكاية بشكل مخصوص،  ألم تعتمد فلندا كما تذكر بعض المصادر على مجموعة حكايات الكالافالا في لملمة هويتها و قيام دولتها؟

إننا نحكي بشكل يومي و من هذا الحكي المتواصل الذي نرثه متخللا لأجناس متعددة يتشكل الموروث الثقافي للأمم و يتشكل التاريخ أيضا .

فالحكاية كما هو معلوم تخترق كل الأجناس الأخرى ،  إنها موجودة في كل مكان و في كل زمان  توجد في الأسطورة و الملحمة و في الخرافة و في السيرة و في الكرامة و حتى في القصيدة و في الأغنية و في المواويل الشعبية  و في الرواية و في المسرح و في اللوحة و في الإشهار و في ألعاب الحاسوب ..

و موضوع مثل الحكاية الشعبية المغربية موضوع مترامي الأطراف خفي الملامح  تتناسل قضاياه باستمرار مما جعله قبلة مقاربات متعددة تمتح من حقول معرفية متنوعة مثل علم النفس و علم الاجتماع و التاريخ و النقد الأدبي  ..

 

إن الحكاية الشعبية هي عبارة عن نصوص شفهية      قريبة منا بشكل حميمي ، نصوص لا زالت تعاني في صمت و ترفض أن تنقرض دون أن ننتبه إليها  أليها ..

فكم جدة تموت و تحمل معها إلى مثواها الأخير سردا رائعا كان من الممكن استثماره و الاحتفاظ به للأجيال المقبلة على شكل قصص أو روايات أو   أفلام مصورة أو العاب فيديو  و ما إلى ذلك .

و كم شيخ يخطفه الموت من بين أيدينا  و نحن لم نسمع بعد صوته المليئة بالحكمة و التجربة و لم ندرك بعد ألغاز كلماته و سروده ..

كثيرة هي الأصوات المنبعثة من الماضي و التي لم نستطع أن نختزنها في ذاكرتنا المتعبة ..

هذه السرود التي تموت و هذه الحكايات  التي تفنى اليس علينا مسؤولية الحفاظ عليها لأنها جزء منا و من تاريخنا ..

و لعل الشيء الذي لا شك فيه أن الانتشار السردي للحكاية الشعبية المغربية يتقلص باستمرار بحكم ظروف متعددة  فالناس لم يعودوا يقبلوا على هذا النمط من السرد و المتلقي لم يعد يطلب الاستماع لهذه  الحكايات التي كانت تؤنس ليالينا و تربي أطفالنا و تقوي روابطنا الاجتماعية و الأسرية و تغني مخيلتنا ..

و مع ذلك لا زال الراوي الشعبي يختزن في ذاكرته هذه الحكايات هذه الحكايات كالجمر تحت الرماد الذي قد يخنقه و يأتي عليه بفعل الزمن و الإهمال .

هذا هو الهاجس الذي انطلق من في كتاب ـ دفاعا عن الحكاية الشعبية المغربية ـ و هو يحاول إعادة الاعتبار لهذا المكون التراثي الوطني ، و قد أهملته المؤسسة الجامعية  لما يتيح لنا من إمكانات و طاقات مهمة اذا نحن فكرنا في استثمار سروده  في مجال الرواية و الشعر أو في استثمار صوره و رموزه في   الإشهار و السينما و المسرح و العاب الحاسوب بعيدا عن التوجهات الفولكلورية الظرفية و الموسمية السريعة.

و حتى نحيط بموضوع  مثل الحكاية الشعبية فضلنا التعامل مع نصوص شفهية مأخوذة مباشرة من أفواه الرواة حتى نحافظ على تراثنا و نوفر للدارسين من بعدنا الذين اختاروا السير في هذا الدرب ..

و يرجع الفضل في ذلك إلى  كل الذين سبقونا للاهتمام بالموضوع سواء كانوا عربا أو أجانب  دون أن ننسى أولائك الرواة والراويات الفاضلات اللواتي توفين قبل أن ترى حكاياتهن الجميلة النور  .

و لعل السؤال الذي نعالجه اليوم يمكن اختزاله فيما يلي:هل أدركنا الآن القيمة التي لحكايتنا الشعبية سواء من الناحية الاجتماعية و النفسية و التربوية و التخييلية و الفنية ؟

 هل استطعنا أن ندرك القيمة الحقيقية أم لم نع شيئا في إطار انتظار سياسة ثقافية و تربوية واضحة اتجاه الثرات الشعبي بشكل عام ..

 

قيمة الحكاية الشعبية المغربية

نستخلص مما سبق أن الحكاية الشعبية غنية ببعدها الاجتماعي و النفسي، بالإضافة إلى كونها توفر مجالا خصبا للبحث الميداني هذا بالإضافة إلى قيمتها التربوية و السردية و التخييلية و الرمزية.

فهي مرتبطة بالمجتمع المغربي و بمكوناته المتعددة و خاصة بتاريخ البادية المغربية على الخصوص و هي منفتحة أيضا على الثقافات الأخرى سواء كانت عربية أم وافدة تفاعلت معها عبر العصور لان السرد فيها كما الرمز لا يعرف الحدود مما يوفر مجالا للتعرف على أصول الثقافات الأخرى و إعادة النظر في مسالة الخصوصية و الانفتاح .

و الحكاية الشعبية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالثقافة الشفهية وبمختلف مكوناتها باعتبارها وريثة الأسطورة و ناقلة الاعتقادات الجماعية، و هي تلعب دور المكيف النفسي و الاجتماعي للتوترات النفسية و الاجتماعية فهي عبارة عن حلم جماعي يعبر عن الصراعات اللاشعورية  و الاستيهامات الطفولية .

بالإضافة إلى ما تقوم به من دور تعليمي و تربوي عن طريق تمرير القيم إلى الناشئة فهي تلعب دورا مهما في العلاج النفسي للطفل و إمداده بقدرات يواجه بها الحياة في المستقبل ـ

كما تنفتح الحكاية على الأجناس الفنية الأخرى مما جعلها تخترق كل الأجناس تقريبا و تمتلك شكلا يمكن توظيفه و صهره في أشكال جديدة و معاصرة .

وتتميز الحكاية الشعبية بقيمة سردية متميزة و تحظى بغنى سردي كبير فالبنية السردية فيها تتميز بتنوع كبير مما يجعل أشكال تحققها متعددة حتى يواكب السرد الشعبي التغيرات الاقتصادية و الاجتماعية التي مر بها المجتمع المغربي و تركيبته البشرية فهناك حكايات تتوفر على بنية سردية قديمة يمكن أن نسميها أصلية تتميز بكونها محافظة على كل عناصر الخطاطة السردية القاعدية تتحقق في نمط كعين من الحكايات .

و هي قليلة و سائرة إلى زوال بينما يتفرع عنها حكايات اقل منها قدما بدأت تفقد بعض عناصر الخطاطة القاعدية الأصلية.

و عندما نتأمل المكون السردي في هذه الحكايات نجد أن الحكاية الشعبية المغربية هي ملفوظ سردي غني جدا و متنوع تقدم نماذج تمكن من إنتاج سرود جديدة ، و تعتمد البرامج السردية على التنويع و التركيب و التناسل وتتخذ غالبا شكل برنامج سردي و برنامج سردي مضاد بحيث تتواجه الذوات حول موضوع قيمة واحد ، و نلاحظ أن البنية الأولية للدلالة تحصر المعنى بين حدود دلالية واضحة تمتاز بقدرتها على توليد السرود .

و لا ينبغي ان يفهم من ذلك ان هناك قطيعة بين المكون السردي و الرمزي فالمكون السردي يستثمر الرموز في بنياته كذوات الفعل أو الحالة او كمعارضين و مساعدين على تحقيق الانجاز فتدخل الرموز في علاقات تركيبية جديدة .

اقصد التركيب السردي عوض التركيب الرمزي لكنها تظل محافظة على قيمتها الرمزية  و نلاحظ أن المكونين يتضافران فيما بينهما لخدمة الدلالة العامة للمحكي  التي تعبر عن ذات جمعية ترمي سرديا للاتصال بموضوع الرغبة و رمزيا لتخلص من المخاوف و القلق و العيش في فضاء يتوفر فيه الأمن و الوفرة و الخصب .

هو عبارة عن فضاء فردوسي يحركه صوره و رموزه حنين كوني إلى العيش في ما يشبه الجنة  .

و يحتضن السرد في الحكاية الشعبية المغربية الكثير من الصور و الرموز  التي تتمتع بجمالية ككبيرة فقد كانت تمارس دور اليوطوبيا و تعبر عن التطلعات و الامكانات لاقتراح مجتمع بديل ، فهي تغمر نقص الواقع بالرموز الايجابية  و تعتمد إسقاط الرموز وصور المتخيل الديني على المتخيل الشعبي  جنة /جهنم  ـ حلال /حرام .

و تعتبر الحكاية متحفا للصور و الرموز التي راجت داخل المجتمع المغربي و تراكمت أجيالا عديدة و كونت المتخيل الجمعي ..

كما ينفتح المتخيل على مكونات ثقافية متنوعة يمتح منها رموزه و صوره ، و تحاول بنية المتخيل  في الحكاية الشعبية الجمع بين نظامين متعارضين نظام معتم يعكس الفضاءات المعتمة التي تعكس فضاء جهنميا أسود و يتم تطهير المتخيل منه بواسطة أدوات و رموز التطهير السيف و القنديل و الخاتم السحري و البطل  التي تقوم على تأسيس الفضاءات الفردوسية على أنقاض النظام المعتم ..

و المكون الرمزي ينقل حركة الرموز داخل المتخيل في الحكاية الشعبية المغربية من النظام المعتم إلى النظام المضيء  بواسطة ذوات التطهير الذين هم في نفس الوقت  أبطال الحكاية الشعبية .

من أجل تطهير المتخيل من أشكال الخوف و القلق الموجودة في الواقع التي تتخذ في الحكاية طابعا رمزيا و هذا ما يضفي على الحكاية الشعبية جمالية خاصة تجعلها تبتعد عن المباشرة و تعتمد الإيحاء ..

و يمكن أن نفترض نموذجا لاشتغال الدلالة في النصوص الحكائية تتضافر فيها البنيات لتنتج نصا حكائيا منسجما ، و هذه البنيات هي بشكل تراتبي :

ـ البنيات الدلالية السيميائية .

ـ البنيات السردية .

ـ البنيات الرمزية التخييلية .

و ننتظر الكثير من المؤسسات الجامعية و التربوية لتعيد النظر في تعاملها مع هذه الكنوز من أشكال التراث المغربي  التي هي في  مهب الريح .

  


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق