]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لقد قدمتم لي درسا لن أنساه بإذن الله في حياتي أبدا :

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2013-05-19 ، الوقت: 08:28:30
  • تقييم المقالة:
بسم الله
عبد الحميد رميته , ميلة
لقد قدمتم لي درسا لن أنساه بإذن الله في حياتي أبدا :
في عام 1980 م كنت أدرس تلاميذ عسكريين في مدرسة أشبال الثورة العسكرية بمدينة ... , كنت أدرسهم مادة العلوم الفيزيائية .
كنت أدرس هؤلاء التلاميذ , وكان ضمن هؤلاء التلاميذ تلميذ اسمه " عبد الحليم " كان تلميذا رائعا ( الله يبارك فيه , ما شاء الله عليه , لا قوة إلا بالله ) أدبا وحياء وخلقا واجتهادا و ... وحتى جمالا ( جمال الرجال لا النساء ) .
وبدون أي قصد مني بطبيعة الحال وقع حب هذا التلميذ في قلبي , وهو بطبيعة الحال حب الأب لابنه أو حب الأستاذ لتلميذه , إلا أنه كان حبا مبالغا فيه قليلا كما سنرى بعد قليل .
وأنا من عادتي ومما أنا مقتنع به كل الاقتناع أن الحب محله القلب , وأما تعامل الأستاذ مع التلاميذ فيجب أن يحكمه العدل ثم العدل , بمعنى أنني يجب أن أعدل كل العدل بين التلاميذ في المعاملة أو في تقديم الدروس أو في الفروض والامتحانات أو ... وأما حبي للتلميذ فيبقى أمرا بيني وبين نفسي أو بيني وبين التلميذ , ولكن خارج مجال الدراسة . هذا هو مقتضى العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض , وهو ما أوصانا به ديننا ونبينا , وهو ما كنت أنا مقتنعا به كل الاقتناع , وما كنتُ أحاول أن أطبقه على نفسي في تعاملي مع التلاميذ ما استطعتُ إلى ذلك سبيلا . وفي يوم من الأيام كلفتُ التلاميذَ بأداء واجب فيزيائي في المنـزل , فقام به أغلبية تلاميذ القسم وتخلف عنه 7 تلاميذ لم يؤدوا الواجب تكاسلا وتهاونا ليس إلا , أي أنهم لم يقدموا ما طلبته أنا منهم بدون أي عذر ضعيف أو قوي . أخرجتُ التلاميذَ إلى السبورة , أي أمام جميع تلاميذ القسم , وسألتهم فلما لم أجد لهم عذرا ضربـتهم .
ملاحظات :
1- أنا أضرب التلاميذ مرة واحدة خلال كل 4 أو 5 سنوات , وذلك منذ بدأت التعليم وحتى الآن , أي خلال أكثر من 30 سنة .
2- فرق كبير بين تلاميذ زمان وتلاميذ هذا الزمان . أما أيام زمان فكنتُ أضرب التلميذ فلا يرفع رأسه ولا يده أبدا في وجهي , بل يستسلم كل الاستسلام للضرب ثم يستسمجني بعد ذلك بساعات أو أيام ويعدني بأنه لن يكرر بعد ذلك خطأه أو خطيئته . وأما تلاميذ اليوم فإننا – نحن الأساتذة - أصبح الواحدُ منا يحسب ألف حساب قبل أن يفكر في ضرب التلميذ , لأن التلميذ ربما سيقاوم أو سيضربُ الأستاذَ .
3- أيام زمان كان الأستاذُ يضرب التلميذ , وإذا سمع ولي التلميذ بذلك ضرب ابنه مرة ثانية . وأما اليوم فإن الولي يمكن أن يأتي إلى المؤسسة ليحتج على الأستاذ " لماذا ضربت ابني ؟!" , وربما أسمعَ الوليُّ الأستاذَ ما لا يحب أن يسمع , وربما ضرب الوليُّ الأستاذَ !!!. ولم لا , فـنحن في زمان يكاد يصبح فيه الحليم حيرانا ؟!.
ثم أقول : ضربتُ 6 تلاميذ ثم وصلتُ إلى التلميذ الأخير الذي تمنيتُ أن يكون أي تلميذ آخر إلا أن يكون تلميذا معينا , ولكن للأسف الشديد كان هذا التلميذ هو التلميذ الأحب إلي الذي إسمه " عبد الحليم " . قلتُ له " ماذا دهاك يا عبد الحليم , لماذا لم تؤد واجبك ؟!" , فسكت وأطرق برأسه واحمر وجهه خجلا يزيد من جمال وجهه الرجولي . ووقفتُ أنا متسمرا في مكاني لأكثر من دقيقة : لا أدري ما أفعله ؟! . العقل والعدل يطلبان مني أن أضربه كما ضربت زملاءه , وأما العاطفة تقول لي " لا تضربه .هذا تلميذ رائع جدا ومؤدب للغاية ومجتهد كفاية , وأنت تحبه يا عبد الحميد , ومنه فلا يليق بك أن تضربه أبدا . كيف تضرب من تحبه كثيرا وجدا وللغاية ؟! ".
وقع الصراع عندي بين العقل والعاطفة ولكن العاطفة هي التي تغلبت للأسف . قلتُ للـتلميذ " إرجع إلى مكانك وإياك أن تعيد الخطأ مرة أخرى , وإلا عاقبتك كما عاقبتُ زملاءك قبل قليل " . رجع التلميذ إلى مكانه وعاد معه زملاؤه الستة .
ذهب زمان وجاء زمان , ومرت الأيام والأسابيع والشهور , ثم وصلت نهاية السنة الدراسية . وكعادتي مع التلاميذ في أغلب سنوات تدريسي , أنا أخصص للقسم الواحد ساعة أو ساعتين في نهاية السنة الدراسية من أجل تقديم نصائح وتوجيهات دينية ودنيوية , وكذا من أجل أكل " طمينة " , وكذا من أجل تقديم جائزة لأحسن تلميذ , وأخيرا من أجل التسامح مع التلاميذ وطلب تسامحهم مع بعضهم البعض . وقبل نهاية الحصة قلتُ للتلاميذ " أنا مسامحكم جميعا دنيا وآخرة , حفظكم الله ورعاكم جميعا ووفقكم الله لكل خير , وأنا في المقابل أطلبُ منكم أن تسامحون على أي خطأ ارتكبته معكم أو مع واحد منكم في يوم من الأيام . وإن رأى أحدكم أنه لن يسامحني على خطأ ارتكبته إلا بعد أن أطلب السماح منه أمام كل تلاميذ القسم فلا مانع عندي في ذلك أبدا , المهم أن تنبهوني وأن تقنعوني بأنني أخطأتُ بالفعل في حقكم أو في حق أي واحد منكم . أتمنى أن نفترق في هذه الأيام ولا أحد منا يحمل للآخر في قلبه غلا أو حقدا أو غشا . التقينا في بداية السنة إخوة ونفترق في هذه الأيام إخوة كذلك بإذن الله .
عندئذ رفع تلميذٌ من نهاية القسم أصبعه وطلبني بالإشارة , فذهبت عنده فقال لي " يا أستاذ أتمنى أن تسمح لي من أجل أن أنبهك إلى ما نراه خطأ ارتكبته في حقنا – بعض تلاميذ القسم - في يوم من الأيام " . قلتُ له " وما ذاك ؟!" . قال " يمكن يا أستاذ أن أصعد على السبورة لأتكلم من هناك ؟!" , قلتُ له " تفضل " , فخرج وتحدث أمام القسم كله فقال " أنا يا أستاذ أتحدث الآن لا باسمي الخاص , ولكن باسم أغلب تلاميذ القسم ". ثم سكت هنيهة وأراد أن يواصل وهو متردد . قلت " قل ما شئت ولا تتحفظ , وكن على يقين أنني قابل منك كل ما تقول ما دمت ستقول الحق . إننا نحب أنفسنا , ولكن الحق بإذن الله أحب إلينا من أنفسنا " . قال " يا أستاذ أتذكر يوم ضربتَ مجموعة من التلاميذ , لأنهم تكاسلوا عن تأدية واجب منزلي ؟!" , قلت " نعم أنا أذكر ذلك جيدا " , قال " ضربتَ يومئذ 6 تلاميذ ولكنك لم تضرب السابع , مع أنه ارتكب نفس المخالفة . لقد غلبتك يا أستاذ عاطفتك في ذلك الوقت ولم تعمل بمقتضى العدل والعقل . يا أستاذ ما رأينا منك خلال السنة الدراسية إلا كل خير وبركة وإحسان , وأغلبيتنا نقول ونحن معتزون بما نقول بأنك بحق وعن جدارة واستحقاق أب عزيز جدا لكل واحد منا , ولكنك يا أستاذ في ذلك اليوم ضعفتَ فأعفيتَ من الضرب من لا يليق بك أن تعفيه . هذا على الأقل هو رأينا , والرأي في النهاية إليك أنتَ بعد أن تسمعَ منا " .
تسمرتُ في مكاني وتمنيتُ لو أن الأرض ابتلعتني ولكنني تماسكت ورفعت رأسي وقلتُ للتلميذ ولجميع تلاميذ القسم " وأنا أعترفُ بخطئي كل الاعتراف " . ناديتُ في الحين التلميذَ عبد الحليم " اصعد إلى السبورة " , فصعد التلميذ إلى السبورة ووقف أمامي وكله حياء وأدب وخلق وخجل . سألتُ التلميذَ المتكلم " ما رأيك . هل تأذن أن أضربه الآن كما ضربتُ الستة في يوم من الأيام ؟! . أنا أعتبر مجرد سكوتك إذنا لي بالضرب , وأما إن كنت ترفض أن أضربه فلا بد أن أسمع منك اعتراضا شفويا ".
وصدقوا إخواني إذا قلتُ لكم بأن التلميذ ما سكت وما تردد ولو لحظة واحدة في الجواب , بل قال لي بلهجة الواثق من نفسه والحازم والجاد والمتحدث باسم زملائه بحق , قال " لا يا أستاذ أبدا لن نوافقك على ضرب زميلنا عبد الحليم . أنتَ تحبه ونحن نحبه كذلك مثلك أو ربما أكثر منك , ولكننا فقط أردنا أن ننبهك إلى خطآ ارتكبته نتمنى أن لا ترتكبه مرة أخرى مع غيرنا , لأننا نحب لك أن تكون ما حييتَ قدوة طيبة لمن تعلمهم من أولادك وتلاميذك ". كدتُ أبكي من الفرح لحسنِ ما سمعتُ من التلميذ , ولمحبة التلاميذ لبعضهم البعض , ولكوني وجدتُ من ينصحني ويوجهني من أبنائي التلاميذ , فقلتُ للتلميذ " وأنا أعترف أمامكم الآن بأنكم قدمتم لي درسا في العدل وفي العاطفة التي لا يجوز تحكيمها إلا بشرط أن لا تناقض عدلا وعقلا , لقد قدمتم لي درسا لن أنساه بإذن الله ما حييتُ " . والله وحده أعلم بالصواب .

« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق