]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المؤسسات القضائية

بواسطة: مأمون العمري  |  بتاريخ: 2013-05-16 ، الوقت: 16:19:28
  • تقييم المقالة:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   المؤسسات القضائية

 

أ.د.محمد صالح بلعفير

 

 

 

اعداد الطالب مأمون قائد خالد المخلافي

 

 

 

 

 

 

من المسلم به أن الطبائع البشرية لا تخلو من الحدة والصرامة، وأن الإنسان عدواني بطبعه، يميل إلى ما في يد غيره، نظراً لأنانية وشحّه، يقول الله تعالى ]وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ([.[1] ])، ويقول جل وعلا: ]وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً[[2]])، وعلى ذلك فإن البشر منذ أن عرفوا التجمع البشري، ومنذ أن بدأ كل منهم يعتمد على الآخرين في تبادل وسائل العيش، بدأ كل منهم ينظر إلى ما في يد غيره، طمعا في التملك أو الاستبداد أو الاستعباد، منذ هذه اللحظة كان لا بد من وجود مَن ينظر في هذه الظُّلامات، ويفصل فيها، فيبين ما للإنسان وما عليه، ويعيد الحقوق إلى أهلها، فبدأت نواة أنظمة التقاضي تظهر في التجمعات البشرية على شكل أعراف لها هيبتها واحترامها، ويقوم عليها من يُهاب جانبه في هذه التجمعات.

ولم يكن العرب في الجاهلية بدعاً من هذه الأمم، حيث كان لهم نظامهم القضائي الخاص بهم، الذي كان يُستمد من عادات وتقاليد كل قبيلة على حدة؛ حيث كان زعيم القبيلة هو الذي يتولى منصب القضاء، ويفصل بين الخصومات الحادثة بين أفراد قبيلته، وينظر في جميع نزاعاتهم، لما يتميّز به من الهيبة، واستحقاق الطاعة، لذا فإنه إذا قضى في مسألة فلا يُردّ قضاؤه([[3] ]).

ونظراً لأهمية هذا الأمر، فقد جاءت جميع التشريعات السماوية بالأحكام التي تبين حقوق الناس وواجباتهم، وتبين الحدود التي ينبغي على كل أحد ان يلتزمها عند قيامه باستخدام حقه، فلا يعتدي على حقوق غيره بذلك، كما جاءت لتبين الزواجر والروادع التي تعمل على منع الاعتداء على حقوق الآخرين، وذلك ببيان العقوبات المفروضة على هذه الاعتداءات.

وقد تميزت الحضارة الإسلامية على غيرها من الحضارات الأخرى، أنها جاءت بمجموعة من الأنظمة القائمة على قيم تستمدُّ تعاليمها من رب العالمين؛ فلا تتغير ولا تتبدل ولا تخضع للأهواء؛ لذلك فإن البشرية قبل وجود الحضارة الإسلامية لم تعش فى هذه الحالة من الصفاء النفسي والروحي، التي أضفتها الحضارة الإسلامية على العالم؛ ولذلك كانت هذه القيم بمثابة الإطار الجذاب الذى انبهرت به الإنسانية، من خلال رؤيتها للتطبيق الفعلي لحضارتنا العريقة.

وأكثر ما تميزت به المؤسسة القضائية الإسلامية أنها جعلت العدل غايتها في التعامل مع كل مَنْ يقف أمام مؤسساتها، ولكن لم تكن مؤسسة القضاء وحدها التي تمتعت بهذا المبدأ، بقدر ما تمتعت به الأمة الإسلامية كلها؛ إذ كان الحرص على العدل وتطبيقه مبدأً أساسيًا في بناء الحضارة الإسلامية.

وقد قام الأنبياء أنفسهم بالفصل بين الناس، وتولي مَهمة القضاء بين أقوامهم، وفي هذا يقول الله تعالى: ]يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ([4]])، ثم خاطب نبينا محمداً rبقوله: ]وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ[([ [5]]).

وبعد هذا سوف نتحدث ولو يجاز عن التقسيمات الرئيسية لهذه المؤسسة والتي كان لها الحق في تفسير القوانين في المدينة الاسلامية مركزين على القاضي باعتباره هو المحور الاساسي في هذه المؤسسة وكيف تطور القضاء وانفصل كلياً في اخر المطاف لتصبح مؤسسة منفصله بذاتها

وسأبدأ بالحديث عن الوالي او العامل الذي باشر هذه المهمة في ولايته والذي يعتبر احد اركان هذه المؤسسة القضائية لكونه المسؤول الاول في ولايته

الوالي

لقد كان القضاء فريضة محكمة، وعبادة قائمة مشروعة، تولاه أول من تولاه في الإسلام رسول الله، صلى الله عليه وعلى آلة وسلم، أول قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، كما يتضح ذلك من خلال بنود المعاهدة التي عقدها ــ عليه وعلى آلة الصلاة والسلام ــ بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، وبين من يساكنون بالمدينة من اليهود والمشركين، فقد جاء فيها: «وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار، يخاف فساده، فإن مرده إلى الله ــ عزو جل ــ وإلى محمد رسول الله».([6])

لقد كانت رقعة المدينة ــ التي تستظل بالسلطة السياسية والقضائية لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ضيقة، وقضايا الأمة بسيطة قليلة، ولذلك لم يكن للمسلمين قاض غير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في بادئ الأمر.

ولما بدأت رقعة الإسلام تتسع أخذ، عليه الصلاة والسلام، يعهد إلى بعض الولاة بأمر القضاء ضمن ولايتهم، وتارة يعهد إلى بعض أصحابه ببعض الأمور والأعمال، ومنها القضاء.

وكان الوالي هو حاكم المدينة والمفتش شخصيا على اسوار المدينة واحيائها ومعاقبة الخارجين على القانون وفاعلين الشر [7] وكان يعاون الوالي رجال الشرطة في عمله [8]

وبالإضافة الى مهام الحماية للمدينة كان الوالي يقوم بحراسة قوافل الحج اثنا مرورها عبر الولاية متجه الى مكة [9]

وكان الوالي يباشر ايضاً بعض المهمات القضائية المتعلقة في قضايا الجرائم  وتوقيع الاحكام بالسجن وفي قضايا القتل [10]

اضافه الى ذلك إمامة الناس في الصلاة، والقضاء بينهم بالحقِّ، وتقْسيم الغنائم والعُشُور، وجَمْع الزكاة والجِزْية والخَرَاج[11]

القاضي

امتاز الإسلام بنظام قضائي مستقل، اكتسب صفاته وخصائصه من خصائص التشريع الذي انبثق عنه، وقد تطور هذا النظام في بداية الإسلام تطوراً سريعاً جداً، نظراً لسرعة انتشار الإسلام، والتطور السريع للأحداث في بداية عهد الناس به([12])، فقد تولى رسول الله في بداية الأمر منصب القضاء بنفسه، وكان يجمع بينه وبين منصب رئاسة الدولة ووظيفة النبوة ـ أي التشريع ـ فهو الذي ينظر في أمور الناس على اختلافها باعتباره رئيساً للدولة، وهو الذي يقضي بين الناس باعتباره قاضياً، وهو الذي يبلغهم تشريع ربهم باعتبار نزول الوحي عليه.

وكان من الطبيعي أن يتولى الرسول هذه المناصب الثلاثة، حيث التشريع الإسلامي ما يزال في طور الوحي، فكان النبي هو المتلقي الوحيد عن ربه عز وجل، ثم هو بعد ذلك المبلغ لما أوحي إليه، ولم يكن بالإمكان في ذلك الوقت أن يتولى غيره القضاء، لأن مصادر التشريع التي يستند إليها هذا القضاء، وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس، لم تكن اكتملت بعد، فكان الرسول يجتهد في أقضيته بناء على ما لديه من هذه المصادر. ورغم كون النبي يتولى هذه المناصب الثلاثة: الرئاسة والقضاء والتشريع، إلا أنه كان يمارس كل واحد منها دون أي خلط أو دمج، ودون أن تتأثر إحداها جراء ممارسته للأخرى، وفي هذا يقول الإمام القرافي في الفرق الثالث والثلاثين من فروقه، وهو الفرق بين تصرفه بالقضاء، وبين تصرفه بالفتوى (التبليغ) وبين تصرفه بالإمامة العظمى (سلطة التنفيذ): ” اعلم أن رسول الله هو الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم … ثم تصرفاته بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة، فكل ما قاله أو فعله على سبيل التبليغ، كان ذلك حكماً عاماً ([13]) إلى يوم القيامة، فإن كان مأموراً به أقدم عليه كل أحد بنفسه، وكذلك المباح، وإن كان منهياً عنه، اجتنبه كل أحد بنفسه، وكل ما تصرف فيه عليه السلام بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام، اقتداء به عليه السلام، ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك، وما تصرف فيه بوصف القضاء، لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به ؛ لأن السبب الذي لأجله تصرف فيه بوصف القضاء يقتضي ذلك”([14]).

ولما فتح الله دولة الإسلام، واتسعت رقعتها، ما كان بإمكان النبي أن يفصل بين المتخاصمين في كل نواحي الدولة، لعسر هذا الأمر، وتعذره عليه ، فقام بإرسال القضاة إلى ما بعُد عنه من أقاليم الدولة، حيث أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن، وكذلك بعث علياً بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ قاضياً عليها، كما أرسل عتّاب بن أُسيد قاضياً على مكة( [15]).

وكان سنة الخلفاء الراشدين بعد النبي كذلك، حيث كانوا يباشرون القضاء بأنفسهم، لعظيم شأنه، وخطورة أمره، فتولاه أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وتولاه من بعده عمر ابن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ونظراً للاتساع الشديد الذي حدث للدولة الإسلامية في ذلك الوقت، ونظراً لاشتغال عمر بأمور الدولة المترامية الأطراف، فقد ولى أبا الدرداء ليعاونه في النظر في قضاء المدينة، وجعل على سائر الأقاليم الأخرى من يقوم بهذه المهمة مثل: القاضي شُريح الذي ولاه على البصرة، وأبي موسى الأشعري، الذي ولاه قضاء الكوفة، وكذلك فقد كتب إلى والي الشام أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل يطلب منه تولية القضاة على نواحي بلاد الشام([16])، وعلى ذلك يكون عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول من فصل القضاء عملياً عن السلطة الإدارية، كما كان أول من أوجد السجون في الإسلام، حيث كان الحبس قبل ذلك عبارة عن ملازمة صاحب الحق للجاني في المسجد أو في مكان آخر حتى يتم الفصل في خصومتهما، وكذلك كان عمر هو أول من وضع أسس القضاء التي أخذ بها القضاة من بعده، ( [17]).

هذا، وكان من ثمار اتساع الدولة الإسلامية، وازدياد أعداد الذين يدخلون في الإسلام، كثرة القضايا التي تُعرض على القضاء، مما أدى إلى تأخر النظر فيها، فلجأ الناس إلى من يقوم بالتحكيم بينهم بعيداً عن القضاة ودور المحاكم، حتى يتمّ لهم أمر القضاء في خلافاتهم بطريقة أسرع، وكذلك فإن رغبة كثير من الناس في حسم خلافاتهم في أضيق صورة، قد أدى إلى ما

يُعرف اليوم (بالتحكيم) فنشأ هذا النظام ليكون فرعاً من فروع نظام القضاء في الإسلام.

ثم إن انشغال القضاة في النظر في القضايا المعروضة عليهم في مجالسهم، منعهم من القيام بمراقبة الأسواق، وتفقد أحوال الناس في الأماكن العامة، من أجل أمرهم بالمعروف

ونهيهم عن المنكر، لذلك فقد نشأ نظام جديد أيضاً تفرع عن نظام القضاء، وهذا هو ما سُمي بنظام (الحسبة).

الحسبة

نشأت وظيفة الحسبة إلى جانب وظيفة القاضي؛ نتيجة تضخُّم ظروف الحياة في الخلافة الإسلامية، وهي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين، يُعَيِّنُ لذلك مَنْ يراه أهلاً له، فيتعيَّن فَرْضُه عليه بحُكْمِ الولاية، وإن كان على غيره من فروض الكفاية [18]، قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْـخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ )[19]

وفي تطوُّرها فقد تَعَدَّتِ الحسبة هذا المعنى الديني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى واجبات عملية مادِّيَّة تتَّفق مع المصالح العامَّة للمسلمين؛ فقد تناولت أمورًا اجتماعية متعدِّدة؛ مثل: المحافظة على النظافة في الطرق، والرأفة بالحيوان بأن لا يُحَمَّل ما لا يطيق، ورعاية الصحَّة بتغطية الروايا، ومنع معلِّمِي الصبيان من ضرب الأطفال ضربًا مبرحًا، ومراقبة الحانات وشاربي الخمر، وتبرُّج النساء،[20] وبعبارة عامَّة كل ما يَتَعَلَّق بالمجتمع وأخلاقه، والظهور فيه بالمظهر اللائق، كما تناولت أمورًا اقتصادية؛ وذلك لتضخُّم المدن الإسلامية بأرباب الحرف والتجارات، فكان عمل المحتسب الأساسي منع الغش في الصناعة والمعاملات، وبخاصة الإشراف على الموازين والمكاييل وصحَّتها ونسبها[21]

ولم تعرف الأمم والحضارات السابقة وكذا اللاحقة هذه الوظيفة في مجتمعاتها وأعرافها، والحق أن هذه الوظيفة في غاية الأهمية؛ لأنها تمثِّل المراقبة الأخلاقية على الشعوب، فمن المعلوم أن الحضارة الإسلامية اهتمت بعاملين مهمين؛ فالأول: العامل المادي. والثاني: العامل الروحي، ومن ثَمَّ كانت وظيفة الحسبة بمنزلة التطبيق الرائع لأخلاقيات الإسلام وأوامره السلوكية.[22]

ولما قلّ الوازع الديني عند الحكام والأمراء وكبار الموظفين في الدولة، وبدأ كل واحد من هؤلاء في استغلال منصبه في ظلم الناس والاعتداء عليهم، فقد أحوج ذلك إلى من تكون له الجرأة والهيبة ليقوم بمقاضاة هؤلاء الناس ومحاسبتهم، فوجد نظام جديد تابع هو الآخر لنظام القضاء، عرف باسم (ولاية المظالم).

 

ولاية المظالم

بسبب تضخُّم ظروف الحياة فى الخلافة الإسلامية، ظهرت وظيفة (نظر المظالم) إلى جانب وظيفة القاضي، وقد تطوَّرَتْ حتى أصبحت منصبًا قضائيّا مهمًّا، يعنى مَنْع الظلمِ عن الرعية، ولَمَّا كان القاضي يعجز عن النظر فيه؛ لتناوله جهاز الحُكْمِ، فإن الذى كان ينظر فيه هو الخليفة، أو مَنْ ينوب عنه من كبار رجال الدولة.[23]

مما لا شكَّ فيه أن أول من طَبَّق النظر في المظالم، هو النبي ، لكنه لم يكن بشكله الذي كان عليه في الخلافة الأموية بعد ذلك، وكان ذلك طبيعيًّا؛ إذ لم يكن في عهد الرسول   ما يستدعي وجود ولاية المظالم إلا في حالات قليلة جدًّا،

في عصر الخلفاء الراشدينفقد أعلن خليفة رسول الله  أبو بكر  عن عزمه للقيام بقضاء المظالم؛ لرفع الظلم، وإقامة العدل والحق، وكان ذلك في أول خطبة خطبها ، فقال: " أمَّا بعد؛ أيها الناس، فإنِّي قد وُلِّيت عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني؛ وإن أسأت فقوِّموني؛ الصدق أمانةٌ، والكذب خيانةٌ، والضَّعيف فيكم قويٌّ عندي حتى أريحعليه حقَّه إن شاء الله، والقويُّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذ الحقَّ منه.[24]

وبدأ قضاء المظالم يأخذ في التدرج منذ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ، فقد كان يجمع ولاته وأمراءه كل عام في موسم الحج، ويستمع إلى شكاوى الناس، ويقتصُّ من المسيء من هؤلاء الولاة والأمراء، بل أقر عمر  مبدأ مهمًّا في محاسبة الولاة والعمال، هذا المبدأ هو ما نسميه اليوم "إساءة استعمال النفوذ"، وقد ظهر جليًّا مع والي مصر عمرو بن العاص  وأحد أبنائه، الذي لطم مصريًّا سبقه في عدْوٍ كان بينهما.[25]

وفي عهد الخلافة الأمويةكان عبد الملك بن مروان أشهر من جلس لهذه الولاية، ويجب أن نوضِّح أن ولاية المظالم، تتطلب علمًا بالأحكام الشرعية، وقدرة على الاجتهاد مع النصوص، وهذا يعني أن هذه الولاية تحتاج إلى فقيه عالم؛ ولذلك كان الخلفاء في الحضارة الإسلامية الذين يقومون بولاية المظالم على علم راسخ بمسائل الفقه والفروع، وكان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان من أوائل الخلفاء الأمويين الذين جلسوا لولاية المظالم، ولم يكن هؤلاء الخلفاء القائمون بولاية المظالم يُفْتُون بغير علم، أو يُنزلون العقوبة بغير استيعاب للقضايا، ثم الحكم فيها.[26]

وأما في العصر العباسي، فقد تَطَوَّر النظر في المظالم حتى أخذ شكلاً ناضجًا جدًّا في منتصف القرن الخامس الهجري، فأصبح للمظالم ديوان مستقلٌّ، أي ما يُعادل وزارة مختصَّة في زماننا الآن،

لقد كانت الحضارة الإسلامية تُعنى بجميع الأفراد، ولم تُفرِّق المؤسسة القضائية الإسلامية بين الرعايا على أساس الدين أو الجنس أو المكانة الاجتماعية، كما كان عند الرومان والفرس، أو حتى عند العرب أنفسهم قبل الإسلام، وكون خليفة المسلمين يخضع لقرار المؤسسة القضائية، ويُنفِّذ هذا القرار لرجل من عامة المسلمين- قد لا يكون صاحب منصب أو قبيلة تسانده، أو مال يتزلَّف به - لَيُؤَكِّد على رقي الحضارة الإسلامية، ويُعمِّق عندنا أن هذه الحضارة كانت تحترم مواطنيها، وتقف بجوار الضعيف والمظلوم منهم.[27]

ومن هنا، فإن الحسبة وولاية المظالم كلها أنظمة مساندة لنظام القضاء في الإسلام، كان الغرض منها تحقيق العدل في عامة الناس، وفي كل نواحي حياتهم.

هذا، وقد استُحدث في زمن الدولة العباسية منصب قاضي القضاة، وكان أول من تولى هذا المنصب هو أبو يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة ـ رحمهما الله ـ وكان من اختصاصاته تعيين القضاة، وعزلهم، ومراقبة أقضيتهم، وهذا المنصب يقابله اليوم منصب وزير العدل[28]

إن مما أدرك الناس قيمته وأثره في واقعهم ومجتمعاتهم عبر العصور المتعاقبة ، وعرفوا حاجتهم له واضطرارهم إليه ، إقامة العدل بينهم وإشاعته في عموم شؤونهم ، حتى أصبح استمساك الأمم بهذا الأمر عنوان سعادتها وسمة قوتها وسيادتها ، وهو الأصل والأساس في وضع النظم والتشريعات الحاكمة لجميع أحوالهم في معاملاتهم وتفاعلات حياتهم ، ولما كانت العدالة بهذه المنزلة شرفاً ورفعة واحتياجاً جُعلت في نظر النظار من أهم الوظائف المنوطة بمنصب الإمامة العظمى والسياسة العليا للأمة ، تحقيقاً لمصالحها ، ودرءً للمفاسد عنها ، لنبذ كل ما من شأنه الإخلال بنظامها من الشقاق والنزاع والمخاصمة

1- محمد الزحيلي: تاريخ القضاء في الإسلام،

2- مقال في الانترنت بعنوان القضاء وتطورة للكاتب راغب السرجاني

3- المدينه الاسلامية

4- ناصر الطريفي/ القضاء في عهد عمر رضي الله عنه

5- محمود عرنوس: تاريخ القضاء في الإسلام،  

6- الكاساني: بدائع الصنائع،

7- وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته،

8- ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر

9-  الماوردي: الأحكام السلطانية

10- وعبد المنعم ماجد: تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى

11- مقال بعنوان الحسبة في النظام الإسلامي.. تاريخها وأهميتها تاليف ، الدكتور راغب السرجاني الانترنت http://islamstory.com/ar/

12- مقال بعنوان نشأة ديوان المظالم وتطوره ، السبت, 17 سبتمبر 2011 10:43 ، راغب السرجانى الانترنت http://islamstory.com

13- ابن هشام: السيرة النبوية

 

[1]ـ سورة النساء، من الآية 128.

[2]سورة الفجر، الآية 20.

[3]ـ محمد الزحيلي: تاريخ القضاء في الإسلام، ص31.

[4]ـ سورة ص، من الآية 26.

[5]ـ سورة المائدة، من الآية 48.

[6]مقال في الانترنت بعنوان اقضاء وتطورة للكاتب راغب السرجاني

[7]المدينه الاسلامية ص45

[8]المدينه الاسلامية نفس الصفحة

[9]- نفس المصدر ص46

[10]المصدر نفسه والصفحة

[11]انظر:ناصر الطريفي/ القضاء في عهد عمر رضي الله عنه 1/90، 96،

[12]محمود عرنوس: تاريخ القضاء في الإسلام، ص6.

[13]ـ الثقلين: الإنس والجن.

[14]ـ الكاساني: بدائع الصنائع، 7/2، ابن قدامة: المغني، 11/379.

[15]الكاساني: بدائع الصنائع، 7/2،

[16]ـ ابن خلدون: المقدمة، ص220،

[17]ـ وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 6/740.

[18] ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 1/225.

[19]آل عمران: 104

[20]- وابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 1/225

[21] الماوردي: الأحكام السلطانية ص 211 وما بعدها، وابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 1/225، وعبد المنعم ماجد: تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى ص 57.

[22]-مقال بعنوان الحسبة في النظام الإسلامي.. تاريخها وأهميتها تاليف ، الدكتور راغب السرجاني الانترنت http://islamstory.com/ar/

[23]-  مقال بعنوان نشأة ديوان المظالم وتطوره، السبت, 17 سبتمبر 2011 10:43 ، راغب السرجانىالانترنت http://islamstory.com

[24]ابن هشام: السيرة النبوية 6/82.

[25]-ديوان المظالم في العصور الوسط ، الدكتور راغب السرجاني ، الانترنت ، موقع http://islamstory.com/ar/

[26]المرجع نفسة

[27]المرجع نفسه

[28]الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، 6/741.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق