]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الموت،الحقيقة الغائبة عنا!

بواسطة: د. خالد سرواح  |  بتاريخ: 2013-05-13 ، الوقت: 10:04:59
  • تقييم المقالة:

             "الموت حق"، "سبحان الحي الذي لا يموت"، "كل من عليها فان"، "كل نفس ذائقة الموت"، "لا إله إلا الله"، كلمات وعبارات وآيات ما أطيبها وما أكثرها ذكراً! نرددها مرات ومرات، لا لأننا نعيها أو حتى نقف عند معانيها، بل لأننا جُبلنا على سماعها فوجب علينا تكرارها. نرددها كلما مات ميت ولم يستغرق وعينا بها أكثر من وقت تفوهنا بها. وقد نقولها لنروج بها تجارة أو موقف زائف نزيفه ونغلفه بها. نعم. مَن منا يفهم معنى الموت؟ أبدأ بنفسي وأقول: رغم أن الموت هو أكثر حقيقة مؤكدة في حياتنا، إلا أننا ننكره. نعم ننكره، إذ ليس بالضرورة أن يكون النكران بالقول. نكراننا لحقيقة الموت يتم في تجاهلنا وعدم استعدادنا له وعدم اتعاظنا به لسببٍ بسيط وهو أن الموت يعني "توقف الحياة" وما دمنا نسمع أن فلاناً قد مات، فنحن "نسمع" ومادمنا "نسمع ونعقل" فنحن "أحياء" وبالتالي فإننا نرى "الموت" حقيقة بالنسبة لأولئك الذين يموتون فقط وليس بالنسبة لنا جميعاً. فنحن دائماً ننظر إلى أنفسنا على أننا "مخلدون" ما دمنا أحياء ونرى غيرنا فقط هم الذين يموتون، وكأننا شهود عيان على غيرنا الذين يموتون. متى يدرك المرءُ منا ماهية الموت؟

            نرى ونسمع عن حالات وفيات كثيرة، كل لحظة تقريباً يولد مولود ويموت ميت، ولا نتوقف عندها لأن من يُتوفى ليس بقريبٍ منا ونؤقلم أنفسنا بأن وفاة هذا الشخص أو ذاك أمرُ طبيعي بالنسبة له هو، لأنه أكيد أنهى ما وراءه من مهام وحقق ما أراد في هذه الحياة الدنيا من أهداف وطموحات وكأن ملك الموت يستأذن مَن يأتيه لقبض روحه "أنتهى من عمله أم لا؟". لماذا نعتقد ذلك؟ نعتقد ذلك ولا نتوقع أن الموت يأتينا فُجأةً لنفس الأسباب التي نوهتُ عليها آنفاً. أولها أننا نرى أنفسنا كشهود عيان على أموات كُثر فارقوا هذه الحياة الدنيا وثانيها أن طموحاتنا وآمالنا في تحقيقها في المستقبل قتلت فينا الإيمان بأهم حقيقة في حياتنا وهي الموت. ما أدرانا أن مَن يموت قد أنهى فعل كل ما أراده قبل مماته؟ نفاجئ بالموت لأنه يقطع آمال وطموحات مستمرة.

            أنا لا أعظ ولا أخاطب أحداً بهذه الكلمات سوى نفسي—نفسي الأمارة بالسوء والتي أغرتها الدنيا كأنفس أخرى كثيرة وأنستها الآخرة—إلى أن جاءت الصدمة التي أفاقتني من غفلتي وليتها إفاقة كاملة. نعم. فوفاة خالي أحمد بندق رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً وغفر له، الذي جاءني خبرها منذ سويعات، كانت بمثابة صدمة لي رغم إيماني بأن الموت حق. لكنه إيمان ينقصه إيمان، إيمان لا يتجاوز الإحساس به لحظة التفوه به.  ونظراً لقربه منا وحبنا الشديد له، كانت وفاته أشد صدمة تعرضتُ لها في حياتي وربما ما زاد من حدة هذه الصدمة هو استقبالي لها وأنا وحيد في الغربة بعيداً عن الأهل والوطن. عندما يشتد بي الحزن على فراق خالي (رحمه الله) أقف مع نفسي في محاولة يائسة للتخفيف عنها وأتساءل: "لماذا أنا حزين هكذا؟ أليس الموت حق أم أننا نؤمن به نظرياً ونكفر به عندما يأتينا أو يأتي أحداً عزيزاً لدينا؟" الحزن على خالي سببه أنني اعتدتُ رؤيته ولم تكن هناك مؤشرات أو مقدمات لوفاته—كما تعودنا نحن في عالمنا المادي أن نعيش الشيء ونحسه أولاً ثم نؤمن به ثانياً. الحزن هنا له أسباب مختلفة منها ما هو منطقي ولا يتناقض وتعاليم ديننا الحنيف، كالحزن على فراق من نحب، وقد أقره رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في حزنه على فراق ابنه إبراهيم بقوله "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون" ومنها ما هو نتاج طبيعي ومنطقي لتصرفاتنا نحن وهو حزننا على ألا نلتقي مَن نحب في الآخرة لأن أعمالنا في الدنيا هي التي تحدد مكاننا في الآخرة. ونظراً لاختلاف أعمالنا في الدنيا من شخص إلى شخص، فإن لقاءنا في الآخرة غير مضمون. وقد أقر ذلك يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حينما أوضح لابنه يوسف عليه السلام أن سبب حزنه على غيابه الذي زاد عن ثلاثين سنة هو خوفه من أن تفرق الدنيا بينهما في الآخرة. إذاً سبب حزننا على فراق أحبابنا في الدنيا هو معصيتنا لله التي نخاف أن تفرق بيننا في الآخرة خاصة وأننا نعي قول الله تعالى "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهم" "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان" وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء." فمما لاشك فيه أن الله تعالى قادر على أن يجمعنا بمن نحب في الآخرة شريطة أن نطيعه سبحانه في الدنيا. من ثم، فمشكلتنا هي عدم طاعتنا لله في الدنيا التي أصبحنا نؤثرها بزيفها وعبثها ولهوها وقصر عمرها على الآخرة  الأبدية. اللهم اغفر لخالي وارحمه رحمةً واسعة واجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة... آمين.

 

   

   

 

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق