]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

علاقة الرواية بالايدلوجيا . قراءة فى معنى الايدلوجيا

بواسطة: ميلود عبدالله الحوتى  |  بتاريخ: 2011-09-29 ، الوقت: 23:19:31
  • تقييم المقالة:

أن تعرف الامر ، أن تكون على علم به ، وأن تعلمه أن تعرفه ، فلكل منا معارفه او لنقل ان كل منا يزعم انه يعرف امورا كثيرة ، بيد ان مضامين مانزعم معرفته قد تختلف من شخص لاخر، المسائل الخلافية ان هى الا حجج على نتائج يعارض بعضها بعضا 
مصادر المعرفة ذاتها متعددة ، تختلف باختلاف مصادرها وباختلاف السلطات التى تنتجها , سلطة دينية ، سلطة علمية , سلطة عشائرية .......الخ كلها تنتج معارف ونحن نستقيها ونستلهم افكارا منها وننتج ابداعات تدور حولها هذه المعارف المتعددة .. 
الخبرة الشخصية وحدها لاتكفى لان تشكل مصدرا معرفيا ، الاعتداد بها وحدها مخاطرة ومجازفة لانها لاتخضع لاى نوع من انواع الضبط والتحقق … ولانها تعتمد فى اغلب الوقت على طريقة الخطأ والصواب في الوصول الى المعرفة .. فهى تستنزف منا وقتا وجهدا غير مبرر احياناً .. 
رغم ان كلنا يحمل افكارا وكلنا يتعلق بقيم ويثمنها . ورغم ان كلنا يحمل قيما قبلية، حتى الذين ينكرون ذلك ويدعون التحرر منها فهم يمتلكون مجموعة من المعارف والافكار .. نحن فى العادة لاننظر الى الآخر الا من خلال مانحمل من تصورات وافكارا مسبقة ، ترتبط نفسيا بنا، نرتاح لها اكثر، ومن الطبيعي أن ننتمى اكثر للذين يحملون افكارا مشابهة لتلك التى نعتنقها ،، الافكار تحدد مسبقا اختياراتنا ، وتسهم فى توصيف سلوكياتنا تجاه الآخر ، وبدون تلك الافكار نكون بلا قيادة او توجيه وبدون نظام ، ولانملك بناء تصورات للعالم الذي نريده 
لهذا فان الايدلوجيا تشكل الوعاء الذى يحمل دوافعنا ، ويشكل مواقفنا ، وترسم لنا قيمنا السياسية ، وتساعدنا على تكوين احكاما معيارية .. لانها هى ذاتها جزء من حياتنا ، قد نفتقد بعضا من اهميتها كعنصر من عناصر الصراع ، لكنها قائمة وتحتفظ بجزء من الاهمية ،، فالقضية ترتيب اولويات في مساراتنا وتوجهاتنا 
هذه المقدمة تجرنا للولوج فى عالم الايدلوجيا للتعرف عليها ، ليس لانها مصطلح حديث نسبيا ، بل لانها مرتبطة بالسلبية فى فكرنا ورؤيتنا للآخر ،، ان تكون منتميا ايدلوجيا ، يعنى انك محسوب ومصنف مسبقا على النظام السياسي فى بلدك وهى تهمة فى نظر الاخر ،، 
الايدلوجيا مصطلح حديث حداثة الثورة الفرنسية ذاتها التى غيرت كل شئ المفاهيم والرؤى وافكارنا . الايدلوجيا تترجم لغويا " علم الافكار " واصطلاحيا منظومة من الافكارالمرتبطة بالحركة .. الافكار ذاتها ستبقى مجرد تعميمات وتفسيرات لظواهر . لكن الادلوجة كما يسميها د. عبدالله العروى هى افكار مرتبطة بالحركة لتشكل مايسمى بحالة الوعى او مايمكن ان نسميه فعل التوعية والتثقيف والتحريض وغيرها من مصطلحات تستخدمها الحركات السياسية عندما تتبنى رؤي وفلسفا ت وتعميمات … 
ارتباط الايدلوجيا على مدى مراحل متباينة ومختلفة من التاريخ المعاصر بوضعية سلبية له مبرراته . نابليون مثلا ، اتخذ موقفا معارضا من المثقفين المنتقدين لسياسته الاستبدادية ، لان الايدلوجيا من خلال وظيفتها النقدية لتلك الاوضاع ستسهم فى الاطاحة به من خلال تشكيل حالة للوعى وقراءة للواقع الاستبدادي التى يمارسها ،، هذه الممارسة التوعوية التى يطرحها المثقفين وسط الجماهير والتى تسعى للتخلص من حال الاستبداد مثلت طرحاً أيدلوجيا ً محارباً لسياسية نابليون ألاستبدادية .
ماركس وانجلز اعتبرا الايدلوجيا تشكل حالة من الوعى الزائف الذى تمارسه القلة المسيطرة على باقى الطبقات فى المجتمع وتشرع لوجودها الاقطاعى وسيطرتها على موارد المجتمع .. ولهذا ارتبطت عند منظرى الماركسية بالتزييف والخداع .. رغم ان اللاحقين من الماركسين قد استخدموا المصطلح ذاته بداءً من لينين الى التوسير الى جورج لوكاش فى نقدهم للمجتمع الراسمالى ودعوا الى قيام ايدلوجيا للبروليتارية والايدلوجيا الشيوعية ،، 
كثيراً من مثقفينا العرب بكافة اطيافهم ونشأتهم الفكرية من اقصى اليسار الى الى اقصى اليمين من الماركسيين العرب الى شيوخ الدين ، ارتبطت الايدلوجيا عندهم بالممارسة السلطوية من خلال التخصيص الالزامى للقيم التى تتبناها الانظمة السياسية . وبالتالى ترسخت فى اذهان الكثير منهم رؤية سلبية تجاه الايدلوجيا لانها مورست من خلال توظيف الانظمة السياسية الشمولية التى عرفتها المنطقة العربية ، ولان الممارسة القهرية لتلك الانظمة شكلت حالة من الرفض تجاه كل ما ينشاء منها فقط دون التفكر والتدبر في أصولها وأرثها الحضارى … 
يجب الانفهم ان الايدلوجيا ليست مجرد منظومة افكار يطرحها نظام قائم ، اى انها ليست بالضرورة انها تلك الافكار التى يعتنقها التكوين السائد اوالحاكم ، يجب ان نميز بين تلك التى تعتنقها التكوينات والانظمة السياسية ، وبين تلك التى يعتنقها الافراد الذين يحسون بالقهر والاستعباد فى ظل النظام الاجتماعى والسياسى القائم … 
الايدلوجيا غير السائدة يمكنها ايضا ان تصبح ذات عوامل فاعلة فى حركة تقوم داخل النظام الاجتماعى 
والسيا سي القائم .. 
الايدلوجيات تصوغ العالم وفقا لتصوراتها وقناعاتها من خلال حركات سياسية تتبنى هذه الافكار ، فهى لاتسعى الى تبرير الوضع الراهن والحفاظ عليه فقط ، بل اكثر من ذلك فدورها قد يجعل منها محركاً للدفع بأقامة تنظيم جديد يتصف فى العادة بالشمولية فهى ترى هدفها فى توزيع جديد لعلاقات السلطة والقوى السياسية .
فى هذا الاطار تتداخل المفاهيم وهو ما يمكن تسميته باشكالية الطرح المفاهيمى التى نعانينها لسبب بسيط هو عجز اللغة الانسانية عن مجاراة التطورات الحاصلة فى السلوك الانسانى والاجتماعى عامة .. فكثيرا مانعجز عن تفسير الاشياء المحيطة بنا . فنلجاء الى الغيب للتبرير والاسقاط عن ماعجزنا عن فهمه 
نحن لانسمى الاشياء بمسمياتها خوفاً ،، وعجزا فى حالات كثيرة .. 
مثلا ،، الفلسفة السياسية تتعامل مع عالم من القيم من خلال التامل والتفكير، والفيلسوف السياسي يعتمد اساسا على الاستناج فى رؤيته المستمدة من قيم اخلاقية لايمكن اعطاؤها طابعا امبريقيا .
والنظرية السياسية مجموعة من الفرضيا ت المرتبطة و التى تستعرض متغيرين او اكثر تستهدف تفسيرا منطقيا ومستنيرا لظواهر سياسية .. 
لكنها هذه الفلسفات والنظريات ، لاتشكل فى مجملها ايدلوجيا ولايمكن ان نطلق عليها ايدلوجيا الا ا ذا ارتبطت بالحركة التى تمارس حركة الوعى فى المجتمع.. 
الايدلوجيا لاتعرف المبادئ العلمية كالموضوعية أو اعادة النظر والتقييم ، الايدلوجيا تقدم تفسيرا شاملا وجامعا ،وعادة ما تسعى الى ممارسة تاثيراتها عن طريق الشعارات ومخاطبة العواطف وليست عن طريق الاسباب والعقلانية .. الايدلوجيات تضع نفسها فوق العلم وتقدم حقائق زاعمة بها اقصى درجات اليقين ومؤكدة ان حقائقها على اهمية بالغة بالنسبة لحياتهم فهى تزود معتنقيها بتوجيه اجمالى ثابت فى الحياة وتنقل سلوكهم ضمانة الاطمئنان .. من خلال المعايير والتسميات والتوجيهات التى تقدمها لطريقة رسم معالم الحياة 
انها ليست نتاجا للعلم بل هى نتاج للايمان .. ولهذا فهى تقوم بوظائف هامة تتمثل فى التعبئة وتحريك الجماهير والتاثير على سلوكياتهم وتصرفاتهم .. 
الافكار لاتصبح مجرد تجريدات نظرية بل تصبح فاعلا لانها مرتبطة دوما بالتنظيم 
انها تركز على مناشدة العاطفة لاالعقل تتضمن درجات من الفكر والقيم تترواح بين الافكار المعقدة جدا الى الشعارات والرموز البسيطة تعبر عنها فى مناسبات من خلال الاتصال الجماهيري .. ولانها من خلال وظائفها التى تمارسها فهى تسعى لتشكيل وتحقيق الهوية والتعبير عنها .
عالم الايدلوجيا هو بالفعل عالم الافكار والمشاعر معاً ،وتأثرهما يمتد الى العقل الواعي والعقل الباطن معا ، وهي لاتكتسب كامل فاعليتها مالم تسبتطن ومالم تتمكن من الغرائز والدوافع اللاشعورية لكى تمكنها من أجراء العمليات الواعية والمنظمة عقليا ..
التطور الذي تعلق بطبيعة الايدلوجيا ووظائفها ومدى استقلالها عن الظروف المادية المختلفة ، يتأثر بطريقة غير مباشرة بعدد من العوامل منها ، الاستمرارية الداخلية في تطورات الايدلوجية ، والدور الشخصى للايدلوجيين الافراد ، والتاثير المتبادل للاشكال المختلفة ..
أنها تأثيرات تتضمن مخططا للتغيير الاجتماعى ، انماطاً من القناعات السياسية التى تبرر رؤى معيارية في الحياة السياسية .. هذه الرؤى عادة ماتتضمن مواقف محددة حول طبيعة الانسان وعلاقاته الافقية بالجماهير والرأسية بالسلطة . 
فاعلية الايدلوجيا تتركز فى مدى قدرتها على أقناع الناس بها . الايدلوجيا كما أسلفنا منظومة من الافكار والقيم والمعتقدات والتى لو كانت مطروحة من قبل أصحابها للسعى للحفاظ على الوضع الاجتماعي القائم فهى بالتالي ستكون أيدلوجيا محافظة .. فى قراءة لبعض ألاعمال السردية يمكن أن نقول أنه يميز بعضها عن الطرح السائد هو تجاوزها فى احيان كثيرة مفهوم الايدلوجيا السائدة ،، لتشكل مايمكن ان نقول عنه حالة اليوتوبيا .
والتى هى ايضا منظومة من الافكار والقيم التى تسعى نحو المستقبل والتى تتضمن فى الغالب نقدا للاوضاع السائدة وفى الغالب تكون هذه الاعمال السردية ثورية تزدرئ الواقع .. هذه اليوتوبيا فى الغالب تسعى الى الازدراء من الواقع ، أنها أحلام تلهم العقل الجمعى لجماعات المعارضة تهدف الى تغيير المجتمع برمته .. 
كل الافكار فى الاصل كانت يوتويبا وبفعل التطور المجتمعي أصبحت ايدلوجيا لان كل منظومة فكرية تتضمن الى حد كبير جدا يوتوبيا ... اليوتوبيا تصورات وافكار تتخطى الواقع السائد فى الاغلب ..
وبالعودة الى تاريخ الايدلوجيا تتكشف لنا الصلة بينها وبين الادب بشكل عام والعمل السردى بشكل خاص وبعبارة أدق بين الايدلوجيا والعمل الروائى ، لانه عمل لايمكن له ان يتنصل من مهمته الانسانية والحضارية ويتعالى على الواقع ،، وحتى عندما تطرح الرواية فى اطارها الحالم فاما انها تحمل ايدلوجيا او انها تقدم يوتويبا لمجتمع افتراضى حالم تعبر عن حالة الوعى لفكر وفلسفة وفرضيات تحاول مجتمعة من خلال ملكة السرد ان تشكل حالة من الوعى للمجتمع وبالتالى وعيا للجميع .. 
العمل السردى مثلا محور ندوتنا هذه هو ممارسة وتطبيق لعمل الايدلوجيا ، بل هو آلية من آلياتها ، فهو يلعب نفس دور الطوطم والتابو فى القبائل البدوية ، تمارس ألايدلوجيا دورها فى الوعى من خلال هذه ألاعمال ألابداعية ، انها تتوجه الى التاثير فى المجتمع ، وتعمل على تغيير العديد من المفاهيم السائدة من خلال رؤيتها الايدلوجية أوتثيبت رؤى وأفكار سائدة تستهدف الايدلوجيا القائمة الحفاظ عليها ،، خاصة أن جل مايتناوله المبدعيين فى اعمالهم يتناول قضايا مجتمعية ومشاكل مزمنة أجتماعية ،والتى بمجرد ان تتحول هذه الاعما ل السردية مثلا الى الدراما والسينما تزداد فاعلية توعيتها من خلال وسائل الاتصال الجماهيرى لنجدها تشكل حالة الوعى والتى هى من أهم وظائف الايدلوجيا .... هذه هى علاقة الايدلوجيا بالرواية .. أنها احد أدوات التوعية التى تستخدمها الايدلوجيا .. 

المراجع :ــــ
1ــ جورج طرابيشي ، الايدلوجيا والماركسية ( بيروت . دار الطليعة . 1971)
2ـ عبدالله العروي ، مفهوم الايدلوجيا ( بيروت . دار الفكر . 1988
 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق