]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بعض النسيان خير

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2013-05-07 ، الوقت: 11:40:30
  • تقييم المقالة:

بسم الله

 

عبد الحميد رميته , الجزائر

 

 بعضُ النسيان خيرٌ:

هذا كلامٌ ينطبق على مصائب الدنيا وهمومها التي لولا نسياننا لها لعشنا حياتنا الدنيا وكأننا أمواتٌ . من رحمة الله بنا أننا ننسى أنه مات لنا عزيزٌ مثلُ أب أو أم أو أخ أو أخت أو زوج أو زوجة أو... وإلا , أي لو بقينا نتذكرُ موتَ العزيزِ الذي ماتَ لتوقفنا عن الأكل والشرب والنوم والدخول والخروج والبيع والشراء ومعاشرة النساء والدراسة والعمل وطلب العلم والترفيه و... وعندئذ يتوفانا اللهُ بعد أيام فقط من موتِ من مات لنا , ثم خلال أسابيع أو شهور أو... تتوقف الحياة والعياذ بالله تعالى .

في صبيحة ( قبيل الساعة الثامنة ) يوم من الأيام الأخيرة من شهر جانفي 1989 م اتصل بي طبيبٌ من مستشفى مدينة سكيكدة ليخبرني بأن أمي ماتت منذ ساعتين داخل المستشفى. ماتت وحدها للأسف الشديد

( بسبب ضعف في الكلى )  , لأن المسؤولين عن المستشفى منعوا خالتي – قبل ذلك بيوم - من المبيت مع أمي في المستشفى لتعتني بها .

اتصلتُ بأهلي في القل ثم التقينا أنا وإياهم في سكيكدة لنأخذ الأم لنغسلها ونكفنها ونصلي عليها في "بني زيد" , ثم ندفنها بعد ذلك بجانب أبي بـ" كاف الشفرة" على بعد 1.5 كلم من بني زيد .

وعندما أخذناها من المستشفى في السيارة نحو " بني زيد" كان أحد إخوتي في الجزء الأمامي من السيارة , وأنا كنتُ مع أمي في الخلف .

وكنتُ طيلة الرحلة من سكيكدة إلى بني زيد , كنتُ وحدي مع أمي : أنزع الغطاء باستمرار عن رأسها وأقبلها وأبكي بالدموع الغزيرة [ والحمد لله , لقد كنتُ عزيزا على أمي , وماتت وهي راضية عني كما كان حالي مع أبي قبل وعند موته , قبل موت أمي بعامين ]. أُغطي وجهَها ثم أكشفُه لأُقبله وأبكي من جديد . بقي حالي كذلك حتى وصلتُ عند أهلي في بني زيد حيث كانوا بانتظاري أنا وأخي " الطاهر". كنتُ أبكي وأقول لنفسي" ما قيمة الحياة الدنيا بعد أمي ؟!. يا عبد الحميد بطنُ الأرض أولى لك من ظهرها بعد وفاة أمك ؟!.

يا عبد الحميد لا فائدة – بعد اليوم – من الأكل أو الشرب أو العمل أو النوم أو الرياضة أو الكتابة أو القراءة أو الترفيه أو معاشرة النساء أو ...

يا عبد الحميد إن كنتَ تحبُّ أمك فمُت أنتَ بموتها ولا تعشْ بعد موتها يوما واحدا...!!!".

كنتُ أخاطبُ نفسي هكذا , ولكنني بعد أيام قليلة نسيتُ , ويستحبُّ أن أنسى .

يستحسنُ أن أنسى قليلا حتى أستطيع أن أُعمر الحياةَ الدنيا التي خلقني الله لأكون خليفة له عليها .

لقد ماتَ والدا أمي , وعاشتْ أمي وأكلتْ وشربت ودخلت وخرجت وباعت واشترت ونامت واستيقظت وتزوجت وولدت و...

وهكذا تموتُ أمي ولكنني أبقى أنا وأعيش وآكل وأشرب وأدخل وأخرج وأنام وأستيقظ وأعمل وأطلب العلم وأبيع وأشتري وأتزوج وأربي أولادا , ثم أموتُ أنا ويعيش أولادي بإذن الله , وهكذا... هي الحياة.

إذن بعضُ النسيانِ للموتِ خيرٌ , ولكن ليس كلُّ النسيان خيرا .

إن النسيانَ المحمودَ هو الذي يساعدنا على العمل لدنيانا وكأننا نعيش أبدا , ولكن لا يجوز أن ننسى الموتَ تماما , حتى نبقى دوما نعمل لآخرتنا وكأننا نموتُ غدا.            

اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة آمين .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق