]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحجرة ذات الجدران الخشبية (القصة كاملة)

بواسطة: ميشيل بولس يعقوب  |  بتاريخ: 2011-09-29 ، الوقت: 07:23:43
  • تقييم المقالة:

                  الحجرة ذات الجدران الخشبية

 

الفصل الاول  ( أشرف حويطة )

 

كنت قد انهيت دراستى للثانوية العامة بمجموع زهيد وجاء التنسيق ليعلن قبولى بأحد تلك المدن الساحلية الصغيرة وهكذا حزمت حقائبى وغادرت مدينتى الصغيرة بجنوب الصعيد راكبا القطار الى المدينة الساحلية لإستئناف دراستى هناك ، وطوال الطريق لم يكن يشغل تفكيرى غير موضوع واحد ‘ وهو كيف يمكن ان اوظف إمكانياتى المالية الضئيلة لسد الحاجات الاساسية من مأكل ومسكن ومواصلات داخلية وغيرها وطبعا كان بند الملابس غير وارد فى الحسبان ، فقط توفى والدى رحمة الله عليه من شهور قليلة ورغم كونه موظف حكومى بالدرجة الاولى إلا ان معاشه كان ضئيل جدا بالنسبة لأم مريضة واثنان شباب بالجامعة انا واخى الاكبر ، ومع ذلك كان لدينا شعور عجيب بأنه قد جاءت اللحظة التى يتحتم علينا فيها النضال بل انه قد جاءت اللحظة التى طالما إشتقت اليها لأثبت لنفسى اننى رجل صلب استطيع تحمل مشاق الحياة وحدى ... هيهات !!

المهم وصلت المدينة الساحلية وبدأت رحلة البحث عن سكن وفوجئت بأن سكن الطلبة مرتفع الاجر جدا وانه لا توجد مدينة جامعية للطلبة وبعد معانات الامرين إضطررت ان استأجر غرفة بأحد الفنادق ذات النجمة الواحدة او بمعنى ادق فندق ( درجة عاشرة ) ومع ذلك كانت تكلفة الغرفة بها مرتفعة جدا ايضا ، فتمكنت من الأتفاق مع صاحب الفندق – وقد كان من اصول بدوية – اتفقت معه على الاقامة فى الغرفة الخشبية الجدران التى تعلو السطح ( غرفة الغسيل ) مقابل اثنين جنيه فى اليوم .

صعدت الى الغرفة لاجدها مصنوعة من الخشب الحبيبى ومطلية باللون الاخضر الزيتى ومما يزيد من كآبتها ان بها لمبة واحدة ذات ضوء اصفر باهت مما يعطيك احساس بأنك فى دورة مياه عمومية على الطريق الصحراوى القاهرة الصعيد – وهذا على احسن تقدير – ولكننى تحملت لانه لابديل .

                                             *********

وفى اليوم التالى فوجئت بصاحب الفندق يأتينى بشاب ملامحه طيبة ويقول لى :

ده زميلك فى المعهد وانا قلت يقعد معاك ويشيل معاك نصف الاجرة .

--- اهلا وسهلا .

وتركنا صاحب الفندق ومضى .

---- اسمك ايه .

---- اسمى اشرف .

---- من فين .

---- من المنيا.

---- اتفضل خش وضب حاجتك .

دخل اشرف الحجرة ونظر اليها بإعجاب وقال : شىء عظيم كويسه أوى .

---- هوه ايه العظيم فيها .

---- يعنى اهى حاجة تقضى والسلام .

واسرع يحل امتعته واخرج الوابو ابو شرائط وجريدة قديمة مصفرة الاوراق وشرع يدقه على الجدار ويخرج ملابسه من الشنطة ويعلقها فوقه ( وانا فى إنبهار).

----- ايه يا اشرف انت روحت المعهد ولا لسه .

---- طبعا روحت ؟!! الدراسة بدأت بقالها اسبوعين .

---- وايه الاخبار والدنيا والنظام هناك .

---- أول يوم روحت فيه يابنى البنات حوطونى حويطه .

---- ايه ايه .. حوطوك حويطه ؟!! يعنى ايه ؟

---- يعنى اتلموا على وقعدوا يرغوا معايا وفى بنت اسمها .....

واخذ فى الكلام بلا إنقطاع وساعتها ايقنت اننى اصبحت املك شريك غرفة ( رغاى جدا ) وعقله فارغ جدا جدا

وقد كان هذا واضح من اهتمامه الكبير بمظهره الرث وثيابه القديمة الموضة والقماش ، كما انه كان يتطلع لوجهه فى المرآة فى اليوم ما يزيد عن السبعة عشر مرة فى اليوم ، وقد زال تعجبى من انبهاره بالغرفة حينما علمت منه انه من قاع ارياف الصعيد ، فقد كانت غرفتنا اشبه بعشة الفراخ .

                

الفصل الثانى ( معهد انتيكه )

 

استيقظت فى ظهر اليوم التالى وفى دماغى سبعة آلاف طبلة فقد كان شريكى الجديد بالغرفة له صوت شخير يشبه صوت كباس الهواء الذى يملؤن به إطارات السيارات ، ولم استطيع النوم فى اول الليل ولكن مع بداية الفجر انهارت مقاومتى وسقطت سهوا فى النوم وقد اقنعت نفسى باننى انام فى القطار ، وعلى هذا استيقظت ظهرا والصداع حليفى ‘ وطبعا لم اجد شريك غرفتى فقد ذهب الى المعهد من الصباح الباكر حتى يلحق بالبنات علشان يحوطوه حويطه ، واغتسلت وارتديت ملابسى واخذت طريقى الى المعهد وانا يملئنى الشوق لإكتشاف اول يوم لى بالجامعة و... التعرف على البنات ايضا فمهما كان انا ولد !!ولم اجرب الاختلاط فى الصعيد من قبل ولكن ..

كل تطلعاتى انهارت بمجرد وصولى الى المعهد فقد إكتشفت اننى انتقلت من مدرستى الثانوية بالصعيد الى مدرسة ثانوية اخرى بتلك المدينة الساحلية ولكنها اصغر بكثير من حيث الحجم ، ومن النظرة الاولى للبنات عرفت ان مفيش بنت فيهم عليها الطلب ‘ ومع اول خطوة لى داخل المعهد فوجئت بطالب اسمر باسم الثغر يحيينى فى ود :

---- اهلا وسهلا نورت المعهد .

---- اهلا بيك .

-----انا اخوك ( عثمان ) فى سنة ثانية وانا رئيس اسرة الزهور ونفسنا تنضم لاسرتنا .

----- عظيم ده شىء يشرفنى .

---- ممكن اخذ اسمك .

---- اسمى ( نور ) .

--- طيب يا حاج نور عايزين منك صورتين علشان نعملك كارنيه .

وهنا حدثت نفسى بأننى ربما انا سأصبح ضحية لعملية نصب فطالما حيعملى كارنيه يبقى اكيد حأدفع فلوس .

---- طيب واشتراك الاسرة كام .

--- ولا مليم احنا مش هنأخذ منك فلوس .

---- يا راجل يعنى حتعملولى الكارنيه لله والوطن .

--- يا عم جرب انت حتخسر ايه .

ومددت يدى فى توجس واخرجت حافظة نقودى التى طوال حياتى لم اضع بها ولا مليم ، دائما فيها البطاقة و طوابع بريد وكام صورة ثم اخرجت له صورتين .

---- طيب بكره تجيلى الكافتريا وتأخذ كارنيهك .

---- الكافتريا ؟!! هى فين الكافتريا دى ؟

---- اهيه.

واشار بأصبعه الى حوالى عشرون كرسى موضوعين امام ثلاجة حاجة ساقعة وغلاية شاى .

---- هيه دى الكافتريا ؟!

--- ايوه .. سلام .

--- سلام .

وتركنى ومضى فقد فاز بعضو جديد لاسرته ‘ وانا صعيدى جديد على الجامعات ولم اكن اعلم بانه بذلك يحاول الحصول على اكبر عدد من الطلبة حتى يستطيع الفوز برئاسة إتحاد الطلبة وهنا يبدأ مرحلة حصد النقود عن طريق الإتحاد وليس عن طريق الكارنيهات .

                                              ********

دخلت الى المعهد وإنزويت فى ركن فى الظل بجوار جدار قاعة المحاضرات واخذت أتامل الطلاب ، ولشدة دهشتى وجدت أشرف رفيق غرفتى بالفعل مع مجموعة كبيرة من البنات ( محوطينه حويطه ) ويضحك ويضحكون عليه هم اكثر ، ولاحظت انه عند الباب الحديدى للمعهد يقف شاب وسيم الطلعة مهتم جدا بشعره ومظهره ، يقف معطى ظهره للباب وامامه يقف شاب اخر عادى الشكل وهو بلغتنا يسمى ( الناضرجى ) عندما يلمح بنت جديدة قادمة ناحية الباب يغمز بعينه للشاب الوسيم ( الصياد) فيصطنع إصتدام عفوى بها ثم يعتذر ويقول لها : انا اسف جدا .. انا هانى الليثى وده وليد الحريرى واحنا طلبه فى سنة تانية .. هوه انت جديدة هنا .. اهلا بيكى ..... وهكذا .

وطبعا كان لازم يحصل التجاوب الولد وسيم والبنت نفسها تتعرف على ولد ، ما هى البنت داخلة الجامعة وعايزة تخرج بعريس قبل ما تخرج بشهادة .

وشاب تانى اسمه ( يحيى ) مربى دقنه ومهذبها زى الفنانين واقف يتكلم مع بنت شكلها مش حلو لكن فاعلة بنفسها الأفاعيل ، نص كيلو بودرة احمر وروج فاقع على وشها وبوت على جيبة جلد ، وعرفت بعدين ان اسمها ( منال ) وكانت شهرتها ( بانجو ) وطبعا ممكن من الشهرة تفهم .

دخلت قاعة المحاضرات ولم تكن هناك اى محاضرة ومع ذلك وجدت الشباب والشابات منتظمين جدا جدا .. مفيش اى مكان فى المدرج فاضى وكله ثنائيات ولد وبنت او بنتين وولد فقد كان عدد البنات بالمعهد ثلاثة اضعاف عدد الولاد .

احسست بإكتئاب من اختلاف صورة المعهد عن ما رسمته له فى مخيلتى وغادرت المعهد عائدا الى غرفتى بالفندق .

                   

الفصل الثالث ( شقاوة عفاريت )

 

دخلت الغرفة وخلعت ملابسى ولأول مرة منذ دخلت الغرفة اكتشف وجود كتابات بقلم جاف على جدرانها الخشبية فأخذت أقراؤها وابتسم الى ان قرأت ما كتبه احد النزلاء الذين القى بهم حظهم العاثر للنزول بهذه الغرفة فى احدى الليالى الممطرة ، وقد كان يصف ما مر به من اهوال وبرد قارص وسقوط المياه عليه من سقف الغرفة ‘ فقلت احدث نفسى : الله ينور ده من ليلة واحدة قال كده فكيف سأقول انا اللى حتعدى على شتوية كاملة فى هذه الغرفة إن شاء الله .، وعقدت العزم على البحث عن سكن اخر قبل دخول الشتاء بثقله .

اصبحت الحياة مع شريك  الغرفة مستحيلة ‘ فهو لا يكف عن الكلام طوال مدة تواجده بالغرفة ‘ ناهيك عن انه اصبح يحدث البنات الذين يقف معهم بالنهار فى المعهد ولا يكتفى بذلك بل يحدثهم ايضا اثناء نومه – اى انه يتحدث طول مدة تواجده بالغرفة سواء أكان مستيقظ او نائم – وفى البداية حاولت ان اقنع نفسى بأنه مسلى كأن عندى راديو ولكن .. الراديو يمكن التحكم به او إغلاقه ولكن هذا الشخص لا يمكن ابدا ، والطامة الكبرى انه يريد منى مشاركته الحديث فى موضوعات لا افقه عنها شىء ولا تستهوينى بالمرة ، وحاولت توضيح موقفى هذا اكثر من مرة ولكن هيهات فقد ذهبت كل محاولاتى ادراج الرياح ، وهنا ... بدأ الجزء الشرير من عقلى فى العمل ‘ فقد كنت الى حد ما مثقف الى جانب قدرا لا بأس به من الذكاء ، ففكرت ان أشرف بما أنه ريفى ومن ارياف الصعيد الجوانى فهو قطعا يؤمن بالعفاريت ‘ واشتعلت الفكرة فى رأسى وبدأت العمل وقمت بالبحث عن زاوية مظلمة فى جدار الغرفة واخذت القلم ودونت بها قصة شاب جاء من القاهرة وقضى ليلته فى هذه الغرفة وقد كانت ليلة كلها رعب وانه رأى عفاريت وانهم ظهروا له وهددوه بأنه لو ازعجهم سيلبسون جسده وأنه يحذر كل من تلقيه الأقدار التعسة على هذه الغرفة من إزعاج هذه الارواح والسلام ختام .‘ ولم انسى انى امسحها قليلا حتى تبدو وكانها كتابة قديمة .

وجلست وانا اتحرق شوقا منتظرا عودة أشرف ، وعند عودته كتمت ضحكاتى ولم ادخل مباشرة فى الموضوع وانتظرت ساعة ثم قلت له : ايه رأيك يا اشرف المرايا اللمبة نورها جاى فيها متيجى ننقلها فى الركن ده هنا.

---- ماشى يا سيدى .

فقمت ابحث عن مسمار ‘ وطبعا المسمار جاهز واخذت ادقه بالجدار ثم تظاهرة باننى رأيت شيئا غريب  وقلت

---- يا ساتر .. ايه ده .

--- خير يا نور .

---- تعالى كده اقرأ .

واخذ أشرف يقرأ بصوت عالى ثم اخذ صوته فى الإنخفاض واصفر وجهه وفى النهاية ضحك ضحكة مهزوزة وقال : تلاقيه كان نايم من غير غطاء .

فرددت عليه وانا مقطب الجبين وعلى وجهى مظاهر الجد

---- معتقدشى ده بيقول انهم ظهروا له وكلموه .. لكن .. يمكن ..

ونظرة الى وجهه ووجدته إزداد شحوبا واصفرارا وفى عينيه نظرة متوسلة لكى اطمئن قلبه الى ان هذا كله كلام فارغ ‘ وكادت ان تفلت منى ضحكة وتفشل الخطة كلها عندما قال :

---- ياعم ده من مصر من العاصمة يعنى ودول معندهمشى عفاريت .

ولم ارد واكتفيت بالصمت لأزيد شكوكه واغلقنا الحديث فى هذا الموضوع ، ولم تكن الخطة تحتاج منى لكى تكتمل إلا ان انتظر بعد إغلاق نور الغرفة بحوالى ساعة واقوم بعمل مؤثرات صوتية فقمت بالنقر على الجدران الخشبية التى بجوا سريرى خبطات خفيفة واخذت فى الانين بصوت مخنوق منخفض ‘ وطبعا أشرف لم يكن قد نام لان الشك كان قد دخل قلبه ، ونادى على بصوت مهزوز : نور .. نور انت صاحى .

وطبعا لم يتلقى جواب فقد كنت امثل دور الذى هو نائم فى جب نوم عميق ، وانتظرت ساعة اخرى وقمت بتكرار نفس العملية ‘ فنادى على مرة اخرى ولكن برعب اكثر  : نور .. يا نور انت صاحى .

وكالعادة لم يتلقى جواب ، وبعد ذلك ذهبت فعلا فى نوم عميق فقد كانت هذه هى اول ليلة انامها بدون صوت شخير اشرف واحلامه التى يتحدث فيها مع البنات .

                                                ***********

وفى الصباح الباكر استيقظت على صوت جلبة عنيفة ففتحت عينى ووجدت ما لم اصدقه للوهلة الاولى ، فقد وجدت اشرف يحزم امتعته ‘ ولم اكن اتخيل انه ضعيف الى هذه الدرجة او يجوز اننى كنت قوى الاقناع ولكن النتيجة واحدة ، سألته فى استغراب ممزوجا بالسخرية :

----- على فين العزم ؟

---- انفد بجلدى يا عمى .

----ليه يابنى .

--- ليلة امباح كانت ليلة سوداء .. قوم لم حاجتك ويله بينا .

---- على فين ؟

---- فى اى داهية بعيد عن هنا .

قلت استكمل حبك الدور عليه وعلى وجهى براءة الاطفال :

---- ليه يا بنى هوه ايه اللى حصل .

---- اللى حصل حصل .. قوم بينا .

---- لا ياعم انا قاعد مش ماشى .

---- براحتك سلاموا عليكم .

وكدت ارقص طربا وهو يصفق الباب ورائه بعنف وودت لو كنت استطيع الزغردة ، وشعرت بالزهو بنفسى وذكائى وكيفية معالجتى للامور ‘ ومع ذلك تعجبت من كمية الخبث والدهاء الفطرى الذى وجدتنى مجهز به ، وتذكرت ساعتها موقف حدث من حوالى سنتين وكان ايضا ينم عن خبثى ودهائى .

كان هذا عندما اشتقت ان ارى حبيبت الثانوى ( جيهان ) وكان معى صديق عمرى ( شاكر ) واحس بضيقى وقال

--- مالك .

--- نفسى اشوف جيهان .

--- طيب ما انت بتشوفها كل يوم .

--- ابوها عرف انها بتقابل شاب وضربها وحبسها فى البيت بقاله اسبوع وكل ما اتصل بالتليفون يرد هوه على .

وبطيبة كبيرة واشفاقا منه على حزن صاحبه المراهق قال :

---- تعالى نروح لها البيت .

---- انت اتجننت ؟!

---- لا ابدا تعالى نخبط على الباب ونسأل عن اى شخص وخلاص ‘ لو هى فتحت اديك شوفتها ولو مش هى اللى فتحت نخرج من الموقف .

---- لا ياعم لحسن ننكشف .

---- ابوها عارف ان انت الشاب اللى بتقابله .

--- لا طبعا وإلا كان راح قال لابويا وكانت تبقى شغلانه .

---- طيب .. تعالى نروح .

واطعت ( شاكر ) فقد كنت محموما بحب ( جيهان ) ومفتونا بوجهها الاسمر ذو العيون العسلية .

                                           **********

صعدنا الى الدور الخامس ورننت جرس الباب وكما توقعت فتح الباب والدها ‘ ولكن الشىء الذى لم اتوقعه ان والدها كان يعرفنى فقد بادرنى قائلا : اهلا يا نور .. كيفك .. وكيف والدك .

----- اهلا بيك يا عمى .

---- خير .

وطبعا لم يكن من الممكن ان نستمر فى حجة ( شاكر ) فلو سألنا عن اى شخص سيلعب الفأر فى صدره ، وهنا اشتغل الجزء الشرير من عقلى ونضجت الكذبة فى اقل من ربع دقيقة .

---- كل سنة وانت طيب يا عمى .. احنا بنجمع اى حاجة علشان الفقراء والغلابة واحنا داخلين على العيد وكل سنة وانت طيب .

---- طيب يابنى كويس .. الله يعينك .. ثانية واحدة .

وترك باب الشقة مفتوح ودلف الى الداخل وهنا شاهدت وجه ( جيهان ) تعلوه إمارات الدهشة والرعب وابتسمت فى حياء ، وما هى إلا لحظة فعلا كما قال ووجدته قد عاد يحمل فى يده بالطو صوف رائحته منفرة واعطاه لى وهو مطرق الرأس وينظر بعينيه الى الارض نظرة من فعل عمل جليل ومحرج من الثناء المنتطر وقال :

---- خد يابنى وكل سنة وانتم طيبين .

مددت يدى المرتعشة واخذت منه البالطو بإشمئزاز لم استطيع ان اخفيه وغمغمت فى خفوت : وانت طيب يا عمى .

وهكذا نزلنا السلم انا وشاكر ونحن نكتم ضحكاتنا وعند وصولنا الى الشارع انفجر شاكر فى الضحك بطريقة هستيرية وقال : ايه يابنى الشيطنة دى؟! .. ولكنك وقعت فى شر اعمالك ارمى البالطو ده لحسن يجيبلك جرب .

---- حقيقى البالطو ده الكلب الاجرب يخاف يلبسه .

فقد كان البالطو قديما جدا جدا تقريبا بالطو روميل على ما اعتقد الى جانب انه كان ذو رائحة تعمى العيون .

واضطرنا انا وشاكر ان نسير به مسافة نصف كيلو ثم نشعل النيران فيه على جانب الطريق، لاننا خشينا إن القيناه ان يراه الرجل فيما بعد  .

---- ها ارتحت يا روميو .

--- طبعا .. متشكر يا وزيرى .

حقا اننى خبيث وشرير منذ طفولتى ،،

 

الفصل الرابع ( الست فاتن صاحبة المفاتن )

 

مرعشرون يوما منذ غادر ( أشرف ) الحجرة الى غير رجعه حتى للسؤال على ‘ بدأت اشعر بالوحدة فبمجرد عودتى للغرفة لا توجد لدى اى وسيلة للتسليه ، فقررت ان اقتصد فى المصروفات واشتريت راديوجيب صغير وبدأت فى استخدامه كأداة تسلية ، وفى امسية احد ايام نهايات فصل الخريف وبدايات دخول الشتاء والهواء قد بدأت تظهر به لسعة برد خفيفة ‘ احسست بحركة على سطح الفندق خارج الغرفة فى ( الروف ) فخرجت لإستطلاع الامر فلم اجد شىء فحدثة نفسى : ربما قطة ، ووجدت نفسى امام دورة المياه الرومانتيكية التى تتوسط سطح الفندق ورغم اننى اخشى دخولها بالنهار فما بالك بالليل إلا ان الاحتياج قاتل ، اخيرا وبعد تفكير ومعاناه قررت الدخول الى دورة المياه ‘ هممت بإنزال سروالى فسمعت حركة عند الشباك فرفعت رأسى ببط وحذر فنظرت ما تجمد له الدم فى عروقى .

فمن النظرة الاولى شاهدت رأس ادمى ينظر الى من الشباك ‘ لم اتبين ملامحه من الوهلة الاولى من حيث كونه رأس لرجل ام سيدة ام مسخ ، ولكن ما اشتعل برأسى من افكار وقتها يتوافق تماما مع ما قرأته من قصص أجاثا كريستى والفريد هتشكوك وفى خمسة ثوانى وضع عقلى إسم لهذه التراجيديا المرعبة ( الموت خلف الحمام ) وبعد نصف دقيقة كاملة تمكنت من التنفس ‘ وبعد ثلاثة ارباع الدقيقة تمكنت من إطلاق صرخة مكتومه ، وهنا تكلم الرأس :

--- إيه مالك ؟! شوفت عفريت ؟

وهنا تذكرت ذلك الوجه ‘ فهو وجه الست ( فاتن ) والتى تعمل (هاوس كيبنك ) بفندقى الفخم وهى إمرأة اقل ما يقال عنها انها غير جميلة وفى العقد الخامس من عمرها ، ولكننى كثيرا ما رأيتها تمسح اروقة الفندق ، واتذكر اننى حين رأيتها أول مرة لفت نظرى فيها شىء غريب جدا وهو انها تمتلك ساقين رائعتين الجمال  لا يتناسبان مع باقى جسدها من حيث الحجم او العمر ‘ فلونهما ابيض مشوب بالحمرة مشدوداتان،  بإختصار تشعر انهما ساقان لشابة فى العشرينات ركبتا بقدرة قادرعلى على جسد إمرأة فى الخمسين .

ابتلعت ريقى بصوت مسموع وبصعوبة تنحنحت وقلت :

---- ايه يا حاجة فى إيه ؟ فى حد يطل على الناس كده فى الحمام ؟!

---- انا افتكرت ان فيه حرامى .

---- حرامى؟!..حرامى إيه ده اللى اول ما ينط على البيت يخش على الحمام على طول ؟! حرامى عنده إسهال؟

---- خلاص انت حتعملى حكاية ؟ قولتلك افتكرتك حرامى .

ثم استدركت فى لهجة حنونة لا تتناسب مع الموقف :

--- انت جاى تدرس هنا .

--- ايوه .

--- ما لكشى حد فى البلد هنا .

--- لا .

--- طيب لو احتجت حاجة .. اى حاجة متتكسفشى .

رددت عليها بتوجس : متشكر يا حاجة .

 ونظرة فى عينى مباشرة وارتجفت شفتاها ومرت بيديها على جسدها وكأنها مانيكان فى احد عروض الازياء الباريسية وقالت :

---- مبلاش حاجة دى بتحسسنى كأن عندى مئة سنة وانا زى ما انت شايف .

إرتبكت جدا وتعلثمت فى الرد واخيرا استطعت إيجاد الكلمات وقلت بإقتضاب :

--- متشكر جدا يا ست فاتن .

ومضت الى اول سلم السطوح تهم بالنزول وعيناى مثبتتان عليها لا تفارقها وكأننى اخشى ان حولت نظرى عنها تعود الى مرة اخرى ، وتعجبت جدا من طريقة مشيها وهى تمشى الهوينه على رأى الشاعر( لا ريث ولا عجل ) وقبل هبوطها إلتفتت ونظرة الى نظرة مثيرة وخرج صوتها عذب غاية فى الرقة وهى تلوح لى بيدها وتقول :

--- باى .

وكأنها بنت من مصر الجديدة ذات سبعة عشر ربيعا على اكثر تقدير ، وهبطت السلم .

وجدت نفسى اغمغم بإرتباك وعيناى تبحلقان فى الفراغ : ماذا تريد هذه العجوز الشمطاء ؟!

                                            ***********

الساعة الثانية عشر ليلا وانا مستلقى على فراشى والراديو يفيض بصوت فيروز الجميل المحبب الى قلبى بأغنية ( اعطنى الناى وغنى ) ، واليوم قد مر ممل واشعر بالكسل وانا تحت الغطاء و... وفجأة سقطت فى النوم والراديو يذيع والنور مضاء .

نقرات خفيفة على باب الغرفة الخشبية اسمعها تأتى من بعيد كما لو كان حلم وكالعادة - اطنش – ورغم ان الباب بدون رتاج ( ترباس ) إلا اننى لم اكن اخشى من حرامى او غيره ايمانا منى بمبدأ ( ايش يأخذ الريح من البلاط ) وعلى هذا لم اكلف نفسى حتى فتح عينى بل سقطت فى نوم اعمق .

 شىء ساخن يداعب قدمى من اسفل ، بدأت اتنبه ، خطرت على بالى فكرة مرعبة ان يكون هذا احد الفئران – جيرانى بالسطوح – وبقفزة واحدة اصبحت واقف على قدمى ثم .. وجدت امامى الست فاتن وهى ترتدى ملابس نوم حمراء زاهية وقد اكتحلت عينيها واتسعت ، وحبات عرق صغيرة عالقة بجبينها ، وشفتها المرتعشة مصطبغه بلون احمر قانى ، وبدون وعى صرخت :

--- ايه يا حاجة في ايه تانى ؟ يادى الليلة السوده

لم اتلقى منها جوابا !! فقط نظرة ثابته ، فخفضت صوتى وقد بدأت اشعر بالخوف وكأننى فتاة على وشك الاغتصاب وقلت بلطف :

--- انتى عايزة ايه يا ست فاتن ؟

--- وبمنتهى الجرأة وببجاحة متناهية وضحكة ماجنة اجابت :

--- عايزة لا مؤاخذة ... عايزة استغفر الله العظيم .

ثارت ثائرتى وثارت الحمية بداخلى وهدر بعروقى الدم الصعيدى و.. و.. ولكننى مازلت خائف ووجدت من الحكمة ان اجاريها حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه فقلت :

--- ماشى بس.. خليها بكره .

همت بالاعتراض ولكننى اسرعت اقول لها وقد ارتسمت على وجهى نظرة مسكنة وقد شارفت على البكاء :

--- اصل انا طول اليوم فى المعهد و.. ومش نايم كويس و.. ومش حينفع النهارده .

وفوجئت بها تقترب منى وتمر بيدها على شعرى فى حنان وتقول فى صوت هادىء لا يخلو من الضيق :

--- خلاص يا حبيبى ..  بكره .

وغادرت الغرفة بنفس المشية ، ولم تنسى عند الباب ان تلتفت لى وتقول نفس الكلمة بالطريقة المعهوده : باى .

لم يغمض لى جفن حتى اشرق الصباح، وكنت طوال الليل الملم اشيائى القليلة المبعثرة فى ارجاء الغرفة ، واستنجد بأولياء الله الصالحين خوفا من عودتها ثانيا، ومع اول خيوط الصباح حملت شنطتى الصغيرة على كتفى ، ودرت بعينى بسرعة مرتيتن فى المكان حتى أتأكد اننى لم انسى شىء ، وكمن يشرع فى الهروب من سجن رهيب كسجن ( الباستيل )  أخذت اهبط السلالم فى خفة وحذر خوفا من اصادف الست فاتن فى احد الاروقة او على السلم ، ووصلت الى نهاية السلم ‘ واخذت امشى مستترا بالحائط الايمن للممر وكأننى اتخفى من وحش غامض يتربص بى ، وخرجت الى الشارع بسرعة ومشيت حوالى خمسون مترا ثم توقفت وتنفست فى عمق وارتياح .

ابتسمت بسخرية وانا ابتعد عن الفندق عندما تذكرت اننى لم انسى ان اكتب على جزء واضح من جدران الغرفة الخشبية ‘ وبخط كبير: " رسالة من احد الضحايا : الى كل من تلقيه اقداره السيئة على النزول بهذه الغرفة ..لا تخشى العفاريت .. ولا تخشى الجن ..ولكن احترس كل الحرص من الست فاتن صاحبة المفاتن . ملحوظة / متنساش تركب ترباس ".

          

                       تمت ، ‘

 

 بقلم / ميشيل بولس

 21/9/2011 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق