]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اعتقال الطائي في سوق السبت

بواسطة: قصي طارق qusay tariq  |  بتاريخ: 2013-05-04 ، الوقت: 18:28:23
  • تقييم المقالة:

 

 

 

 

 

خاطرة الورد

 

 عن السيد اعتقال كلامها عن الورد والسوق والامومة ............
انطلقت نحو سوق السبت متحدية البرد والرذاذ، لعل ألوان الفاكهة والخضروات وما افترش الباعة الأرض من خردة تبعث دفئاً وبهجة في الروح. تندت سلتي الفارغة بينما أجول وسط الباعة محدّثة هذا ومازحة مع تلك حتى بوغتنا بوابل المطر. لا ملاذ سوى مظلات الباعة. اغتسلت الفاكهة والخضرة فأضحت أكثر جاذبية لاقتنائها. امتلأت السلة. 
حثثت الخطى بين ماشية وراكضة أحتمي بين الحين والآخر بسقف أو شجرة عارية لم تستطع حجب الزخات، لم يبق غير ملجأ وحيد.. آه محل الزهور، لأستغل الفرصة وأزور صديقتي بائعة الورد. تجمعنا حكايات عدة عن الورد ومقتنيه إذ صار باستطاعتي تأليف كتاب عن تلك الحكايات التي كنا نُغْنيها بخيالنا الخصب، إلا أنني سأكتفي بحكاية اليوم فقط.
دخلت سيدة بوجه مكفهر وعينين مضببة بالدموع، ابتسمت على مضض وهي تحيينا لأنها تسكن في البناية المجاورة لنا.. طلبت زهرتين من الزنبق الوردي وجورية بيضاء. من يرى وجهها يظن أنها ذاهبة إلى المقبرة. تلك الزهور الباهتة اللون لعيد ميلاد ابنتها الوحيدة وهي في دور النقاهة. 
دخل عجوز في يمناه عكاز وبيسراه المرتجفة وردة اصطناعية صغيرة، راجياً البائعة أن تزينها بأوراق طبيعية كي يضعها كما اعتاد يوم كل أحد على جدار في الكنيسة حُفظ فيه رماد زوجته. لم يثنه المطر والبرد عن ذلك، ربما لأنه كان يعتقد بأن هذا الأحد سيكون آخر أحد.
دخلت سيدة.تلتها أخرى ورجل وووو... حتى فرغ المحل فرُحت أتفرج على الزهور وأحكي خلال ذلك لصديقتي آخر نكتة وأخبار خاصة وعامة حتى وصلتُ عند زهرة الفريزيا وبينما أشم عطرها وقبل أن أقول: الله رائحة حديقتنا بالحلة! دخل شابان، جال أحدهما بطرفه في المكان حتى وقع اختياره على جورية ليست حمراء ولا صفراء ولا وردية، لها لون غريب جدا.. سألته: من سيكون سعيد الحظ؟ لم أسمع الرد بوضوح للوهلة الأولى فقلت له:
ـ لماذا يشتري الشباب عادة جورية لصديقاتهم في الوقت الذي يمكن إهداء زهور أخرى جميلة وغريبة.
رد الشاب بحياء:
ـ هذه الوردة لأمي!
ـ وما هي المناسبة، عيد الاسم أم الميلاد؟
ـ لا، اليوم عيد ميلادي وأحببت أن أهدي لها زهرة .. لأنها جلبتني إلى...
ـ لأنها منحتك الحياة.. أتت بك إلى الدنيا؟
ـ بالضبط.
اندهشت مادحة ذوقه الراقي وسلوكه المتفرد خاصة بعد أن عرفت أنه اليوم أكمل العشرين ربيعاً. 
بدأت أجراس الكنيسة تقرع معلنة الظهيرة. ودعت صديقتي وفي صدري يرفرف شعور غريب مزيج من الفرح والحزن. أسرعت نحو البيت لأن في انتظاري أفواه فاغرة كمناقير الطيور تنتظر من يزقها. 
فكرت في أمهاتنا اللائي لا يعرفن بالضبط تواريخ ميلاد أبنائهن، وهم أنفسهم لا يعرفون في أي شهر ولدوا. هل تذكّر أحد منا أن يهنئ أمه ويكرمها بهدية لأنها حملته تسعة شهور تحت أضلعها ناسين آلام المخاض وتربيتها ورعايتها له في يوم ميلاده؟ أدركت مصدر الفرح والألم: الفرح بسلوك الشاب المجري والألم على شباب العراق وأصواتهم تصدح في سماء العراق مرددين:
" يمة يا يمة! جبتيني للضيم.. شمالچ يا يمة.. ليش يا يمة؟"
ذكرتني حكاية الشاب المجري بقصيدة ترجمتها للشاعر المجري شاندور بتوفي عندما كان في سنه تقريباً عنوانها:
خطة تلاشت في الدخان
طوال الطريق ـ إلى البيت ـ أفكر بذلك
كيف سأنادي على أمي 
التي لم أرها منذ زمن؟
أي كلمة طيبة، حلوة
سأقول لها لأول مرة؟
عندما تشرع ذراعيها
اللتين هزّتا مهدي.
وجاءت إلى خاطري
فكرة أجمل من الأُخرى،
يبدو أن الزمن يتوقف،
في حين كانت العربة تجري
لما دخلت الغرفة الصغيرة
طارت إليّ أمي
وأنا، تعلّقت بشفتيها.. صامتا..
كثمرة على شجرة.

 

 

 


 


المصدر : الفيس بوك الخاص بالسيدة اعتقال الطائي/ اعتقال الطائي

    بودابست 3.2.2013

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق