]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أكبرُ من الحذاءِ !! (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-05-03 ، الوقت: 17:12:36
  • تقييم المقالة:

 

 

لمْ يكن في نِيَّتي ، وأنا أتوجَّهُ إلى المسجد ، أن أُصلِّي ؛ فأنا لا أذكر أني صليتُ إلا مراتٍ قليلةً ، وبأمرٍ من والدي الرَّاحل ، الذي كان يحُضُّني على الصلاة ، وفي أيامِ الجمعة خاصة ... حتى أنني نسيتُ القليل من السُّورِ التي حفظتها في صغري ، عند شيخ الكُتَّاب ، ونسيتُ ألفاظ التَّحِيَّة تماماً .

لم يكن في نيتي أن أصلي ، بدليل أنني لم أتوضأْ خارج المسجد ، ولمْ أقصد الناحية التي يتوضأ فيها الآخرون ، حين دلفتُ إلى المسجد .

بل اخترتُ زاويةً قريبةً عند باب المسجد ، وشرعتُ أرقبُ أقدام الوافدين من المصلين ، و أَركِّزُ ببصري في أحذيتهم ، ونِعالهم ، وأُدقِّق في أنواعها ، وأحجامها ، وألوانها ، وأفرز مثل خبيرٍ بين أجْودِها وأغْلاها ، وبين عاديِّها وأرْخَصها ، وبين ما لا يستحقُّ حتى مجرد النظر ، وبالأحرى الإنتعال .

وكانت نفسي تهفو إلى حذاءٍ يكون جديداً إلى حدٍّ ما ، يناسبُ مقاسي ، ومصنوعاً من الجٍلْدِ الأسود النَّاعمِ ، وبسُيورٍ رقيقةٍ ، ولكنها لولبية ومتينةٌ . ولي في ذلك فلسفة خاصة ، أُبرِّرُ بها إقدامي على هذه الجريرة ؛ فالشخص الذي يملكُ هذا النوع من الأحذية لا بُدَّ أن يكونَ ميْسورَ الحالِ ، ولا يضرُّهُ كثيراً أن يخسر زوْجاً منها ، وهو باستطاعته أن يقتني واحداً غيره .. وإذا كنتُ سأسرق فسأعملُ بالحكمة التي تقول : (إذا سرقت فاسْرِقْ جملاً ، وإذا عشقتََ فاعشقْ قمراً) .. وحتى إذا شاء سوءُ الحظ أن يُفتضح أمري ، فسأدَّعي أنني كنتُ أنْوي أن أنْفُضَ عنه غباراً علِقَ به ، كي يجده صاحبُه نظيفاً ، فالمؤمن مرآة أخيه !!

وأنا أهجسُ داخلي بهذه الخواطر ، وقعَ بصري على قدمين تتوقفان عند عتبة المسجد ، وتنْحني فوقهما أناملٌ دقيقةٌ ، تبدو عليهما آثارُ النِّعمةِ ، تحلُّ خيطيْ فردتيْ الحذاء ، اللتين لمَعتا ببريقِ سوادهما ، فاهتزَّ فؤادي ، ورقصت أصابعُ رجليَّ طرباً ، فقد تبيَّنْتُ أن ذلك الحذاء هو المُنتظرُ ..

وراعني أَنَّ صاحب الحذاء تركَ الفرْدتيْن دون أن يُخَصِّصَ لهما حِرْزاً منيعاً ، والتفتَ خلفه ، إذْ كان هناك كرسيٌّ متحركٌ يقعدُ فيه صبِيٌّ ، تقتربُ ملامحُه من ملامحِه ، فخمَّنْتُ أنهما شقيقان ، فمَدَّ إليه ذراعيه ، وحمله فوق صدره ، وتقدَّم به بين الصفوفِ ، تاركاً ، باطمئنانٍ ، الكُرسيَّ والحذاء معاً ...

هبط قلبي عند قدميَّ ، وشعرتُ بوخزٍ مُؤْلم في صدري ، وكأَنََّ عشراتٍ من الإبر تخترق كل أطرافي . وظللتُ لبرهةٍ من الزمنِ ـ خلْتُها دهراً ـ أُحدِّقُ في الصبيِّ المشلولِ القدمين ، وهو جالسٌ برضاً ، جنْبَ شقيقه صاحب الحذاء ، في انتظار أن يقومَ الإمامُ للصلاة .

نظرتُ إلى قدميَّ ، فرأيتهما مُنكمشتين ، وأحسستُ بخدْرٍ يسْري في عروقهما ، فكرهْتُهما للحظةٍ ، وكرهتُ الأحذية ، وكرهتُ ذاتي ، ودُنيايَ كلَّها .

وما هي إلا دقائق حتى سمعْتُ الإمامََ يجْهرُ بالتكبير ، فتذكرتُ أنني غيرُ متوضِّيءٍ ، فسارعْتُ إلى مكانِ الوضوءِ ، وأنا أشهقُ بالدُّموعِ من شدَّةِ التاَثُّرِ .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • عبد الحميد رميته | 2013-05-08
    شكرا جزيلا لك . قصة رائعة فيه دروس وعبر .

    اللهم غلبنا على أنفسنا وعلى الشيطان .

    اللهم احفظنا ما حيينا من السرقة وأخواتها من الذنوب والمعاصي والآثام .

    الله يرضى عنك ويوفقك لكل خير أخي الكريم والعزيز , آمين .

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق