]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الرقية بال " Télécommande ":

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2013-05-03 ، الوقت: 10:47:16
  • تقييم المقالة:

بسم الله

 

عبد الحميد رميته , الجزائر

 

الرقية بال " Télécommande  "

 

من تناقضات بعض الناس في تعاملهم مع الرقية الشرعية أنهم في نفس الوقت الذي يبالغون فيه في تعظيمها وربط كل شيء تقريبا بها ويجعلون السحر والعين والجن سببا في أغلبية مشاكلهم في الحياة اليومية , وكذا سببا في أمراضهم العضوية والنفسية والعصبية (!) , قلتُ : في نفس هذا الوقت نجد هؤلاء الناس يستهينون بأمر الرقية الشرعية ويُصغِّرون ويُـقللون من شأنها .

ومن علامات استهانتهم بأمر الرقية الشرعية في مقابل الطب العضوي أو النفسي العصبي :

             1- أنهم – من أجل العلاج الطبي- يمكن أن يتنقلوا عند طبيب ولو لمئات الكيلومترات أو لأكثر من ألف كيلومترا , ولو لمرات ومرات , كما يمكنهم أن يبذلوا الكثير من الجهد والوقت والمال في سبيل ذلك بدون أن يملوا أو يشتكوا , ولكن إذا طلب الواحدُ منهم رقية شرعية لنفسه أو لأهله يمكن أن يستثقل ولو التنقلَ لكيلومتر واحد أو أقل , كما يمكن أن يستثقل بذلَ ولو القليل من الجهد والوقت ولا أقول القليل من المال . ولذلك فلقد صادفتُ خلال سنوات وسنوات الكثير الكثير من الناس الذين طلبوني من أجل الرقية الشرعية , ولكنني عندما أوجِّـه الواحدَ منهم إلى راق آخر ( لأنني مشغولٌ ) يسكن في نفس مدينة ميلة وفقط على مسافة تساوي تقريبا 1 كيلومتر أو أقل , أجد المريضَ يستثقل ذلك كثيرا . ونفس الشيء يحدث معي عندما يأتيني المريضُ بدون موعد وأكون مشغولا في ذلك الوقت فأطلب منه أن يرجع إلي في الغد أو بعد الغد على الساعة "كذا " فيستثقل المريضُ ذلك بدعوى أن ذلك كثيرٌ عليه , أي كثيرٌ عليه أن يذهب إلى بيته ثم يرجع إلي لأرقيه في الغد أو بعد الغد . مع أن هذا يحدثُ مع الأطباء , ويحدث كثيرا جدا ولكن الناس يعتبرونه أمرا عاديا تماما , إلا أنهم مع الرقية الشرعية يعتبرون ذلك كثيرا عليهم !!!.

         2-أنهم مع الطيب (عضوي أو نفسي عصبي ) يذهبون أو يأخذون المريض إليه ليراه حيثُ يتحدث معه ويفحصه ويقوم بالإجراءات الضرورية ليعرف حقيقة المرض ثم ليعطي الدواء المناسب وليقدم النصائح والتوجيهات المناسبة , وهذا كله أمر عادي تماما . ولا يمكن أن نجد شخصا مثلا يذهب عند الطبيب ويقول له

" يا حكيم لي أخ تركته في البيت يعاني من أوجاع في بطنه وعنده مشكل في صدره وله ضعف في قلبه و..., فاعطني يا طبيب وصفة طبية لأشتري له الدواء , ولا داعي لأن آتيك به . (!!!) . لا يمكن أن يحدث هذا , وإن فرضنا أنه حدث بالفعل , فإنه يمكننا أن نشك عندئذ بأن عند هذا الشخص خلل ما في تفكيره , ثم من جهة أخرى لا يمكن للطبيب أن يسيتجيب لهذا الشخص ويعطيه الوصفة الطبية , بل سيصر الطبيبُ – وله كل الحق في ذلك - على أن يرى المريض ويتحدث إليه ويفحصه و ... قبل أن يعطيه الدواء المناسب . قلتُ : من تناقضات بعض الناس في علاقتهم بالرقية الشرعية أنهم يستهينون بها ولا يعطونها ما تستحق من أهمية ومكانة ومنزلة . ومنه فإننا نجد بعضهم تعودوا على أن يطلبوا الرقية للمريض بدون إحضار المريض , ومنه فإنني صادفتُ خلال حوالي 23 سنة من عمري , صادفت أكثر من 1000 شخصا ( نعم أكثر من ألف شخصا , وبدون أية مبالغة ) يعطيني الواحد منهم إناء به ماء أو زيتا أو عسلا ويطلب مني أن أقرأ عليه قرآنا , وذلك لعلاج سحر أو جن أو عين . يفعل ذلك معي وأنا لا أعرف من المصاب ؟! ولا أعرف عنه شيئا : رجلا أو امرأة , صغيرا أو كبيرا ؟! , كما لا أعرف شيئا عما يشتكي منه المريض ( إن فرضنا بأنه مريض بالفعل ) , ولا أعرف - إن فرضنا بأن هناك إصابة فعلية – هل تحتاج الإصابة لطبيب أم لراقي شرعي ؟!.

وأذكر هنا أن زوجتي والكثير من أصدقائي وجيراني وأقاربي وزملائي وأصهاري ومعارفي وبعض أولادي وبناتي يطلبون مني – في هذه الأحوال - أن أقرأ للناس ولا أسألهم شيئا ماداموا لا يريدون مني أن أسألهم : لا أطلب معرفة حقيقة الإصابة وحقيقة المريض , ولا أطلب رؤية المريض والتحدث إليه والسماع منه و... ولكنني في الغالب أرفض هذا الطلب وأُصر على معرفة المرض والمريض وعلى رؤية المريض والسماع منه والتحدث إليه  . وأنا أقول دوما للناس الذين يطلبون مني الرقية الشرعية بدون رؤية المريض والتحاور معه وبدون معرفة أي شيء عنه , أقول لهم جادا ومازحا في نفس الوقت " هذا الذي تطلبونه مني يا ناس ليس رقية شرعية عادية , وإنما هي رقية بجهاز التحكم عن بعد أو رقية بالTélécommande  " !!!. هي رقية شرعية جائزة ومباحة بكل تأكيد , ولكنها خلافُ الأولى وفائدتُـها قليلةٌ جدا غالبا .

وأذكر بالمناسبة أن امرأة أرسلت إلي منذ أيام ( 2008 م )  5 لترات ماء في كيس مع بعض الأولاد , وعندما فتحتُ الكيس وجدتُ ورقة مع الماء مكتوبا عليها جملة مختصرة ومقتضبة " أريد بهذا الماء رقية من السحر " , فقرأتُ لها في الماء وأرسلـتُـه إليها – تلبية لرغبتها – ولكن بعد أن كتبتُ لها على نفس ورقتها :

* " ما هو الدليل على وجود السحر ؟ " . * " الرقية من بعيد هي رقية بجهاز التحكم عن بعد , وهي منعدمة الفائدة أو إن فائدتها محدودة جدا ".

هذا مع وجوب التنبيه إلى جملة ملاحظات أرى هنا أنها أساسية وهامة لها صلة وثيقة بهذا الموضوع :

أولا : إعطاء طبيب عضوي أو نفسي عصبي , إعطاؤه لدواء خاص بشخص إعطاؤه لشخص آخر صحيح أو مصاب بمرض آخر يمكن جدا أن يضر , ولا يفعل هذا عادة طبيبٌ من أطباء الدنيا , أي ليس هناك طبيب يعطي دواء مريض لشخص آخر صحيح أو مصاب بمرض آخر . إن في ذلك من الخطورة ما فيه . وأما الرقية الشرعية في زيت أو ماء أو عسل أو ... لشخص معين , ثم إعطاء هذا الماء المرقي أو الزيت أو العسل أو ... لشخص آخر مريض بمرض آخر أو إعطاؤه لصحيح غير مريض , هذا أمر لا يمكن بإذن الله أن يضر أحدا , لأن الرقية قرآن وحديث ودعاء ورجاء , ويستحيل أن يضر ذلك شخصا صحيحا أو مريضا . مستحيل ومليون مستحيل .

وهذا فارق أساسي بين دواء الطبيب والرقية الشرعية .

ثانيا: إعطاء الطبيب دواء لمريض بدون أن يراه ويفحصه ويتحدث إليه و ... قد تكون له خطورته الكبيرة أو الصغيرة  , وأما الرقية الشرعية لشخص بدون إحضاره فلا يمكن أن تضر , حتى ولو كان نفعها قليلا كما أكدتُ على ذلك وما زلتُ أؤكدُ باستمرار .

ثالثا : إذا كان المرضُ الذي يعاني منه المريضُ يُصيبُ البدنَ فقط أو جزءا من أجزائه ولم ينفع الطب في علاجه

( مثل ألم في رأس أو في معدة أو في رجل أو في يد .. ) , ولا علاقة له بالنفس , فإن الرقية وحدها كافية بإذن الله في العلاج حتى ولو لم يبذل المريض جهدا مع نفسه من أجل التغلب على ما يُعاني منه , وحتى ولو لم يقدم له الراقي أية نصيحة أو توجيه , بل حتى ولو لم يره الراقي أصلا بل قرأ له من بعيد وطلب منه أن يدهن مكان الإصابة مثلا بالزيت المرقي وأن يشرب الماء المرقي أو الزيت أو العسل المرقي أو .... وأما إن كان المرض الذي يعاني منه المريضُ يصيبُ البدنَ والنفس معا أو يصيب النفس فقط – كما هو الشأن في كثير من الحالات التي يطلب فيها الناسُ الرقية الشرعية لأنفسهم أو لأحد من ذويهم ( مثل الخلعة والقلق والوسواس والخوف وغير ذلك ) فإن رؤية الراقي للمريض تصبح ضرورية كما أن معرفة حقيقة الإصابة تصبح مهمة كما أن الحديث مع المريض يصبح نافعا جدا بإذن الله تعالى . وأما الرقية الشرعية من بعيد ( في حالة الأمراض الكثيرة التي لها صلة بالنفس ) بدون معرفة المريض ولا حقيقة إصابته ولا رؤيته ولا الحديث معه ولا السماع منه ولا تقديم النصائح والتوجيهات المناسبة له , أي الرقية بال " Télécommande  "كما أسميها أنا فإن نفعها إما معدوم أو أنه قليل جدا .

واستهانة الناس بأمر الرقية الشرعية وقبولهم لأن تكون هذه الرقية من بعيد هو – في رأيي - سبب من الأسباب التي شجعت الكثير من الرقاة الجاهلين والكاذبين والسارقين خاصة عندنا في الجزائر على زيادة سرقة أموال الناس وأكلها بالباطل . إن هذه الرقية الشرعية من بعيد ساعدتهم على جني الأموال الطائلة مع بذل الجهد اليسير والوقت القليل فقط . ومنه تجد مئات الرقاة عندنا في الجزائر يقرأون القرآن في كمية كبيرة جدا من الماء ( بحيث تنقص جدا فائدة القراءة إذا تمت في كمية كبيرة من الماء ) ثم تعبأ بها قارورات أو زجاجات صغيرة , وإذا جاء أهل المريض أو جاء من يشتكي من شيء مهما كان أو جاء من يطلب أمرا معينا عن طريق الرقية الشرعية من بعيد أعطاه الراقي " قرعة ماء " وأخذ المبلغ الكبير من المال في مقابل ذلك . وطبعا فإن الراقي يحاول باستمرار أن يقنع الناس - زورا وبهتانا- بأن العلاج بهذه الطريقة ( أي من بعيد ) هو أمر طبيعي ومفيد ونافع وطيب , كما يؤكد لهم أن هذه الكمية من الماء المرقي ستحل لهم مشاكل الدنيا كلها سواء كانت أمراضا عضوية أو نفسية أو عصبية أو كانت متعلقة بقضاء وقدر أو كانت لها صلة بالدراسة أو العمل أو الزواج أو التجارة أو ... أو من أجل حفظ المال والسيارة والدار و... يكذب عليهم الراقي ليسرق أموالهم , يفعل ذلك وعند الناس – للأسف الشديد – الكثير من القابلية لهذا الكذب ولهذه السرقة .

والله وحده أعلم , وهو وحده كذلك الشافي من كل داء .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق