]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لُعْبَةُ الحظِّ . (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-05-02 ، الوقت: 10:14:26
  • تقييم المقالة:

 

 

ضاقتْ بي سبلُ العيشِ ، واختنقتُ بالأجواءِ الباردة في حياتي ، وكرهتُ ما أنا فيه من حرمانٍ وعوزٍ .

وجعلت الرغبة في الغِنى تسيطرُ على ضميري ، وتلحُّ على نفسي أن أسعى إليه سعيي ، وأن أسلكَ في سبيله طريقَ الحظِّ .

 وغالباً ما تتخايلُ في أعماقي رؤى الأحلام الجميلة ، ومعالم السعادة ، وأنا أُمنِّي نفسي بثروة تهبط عليَّ من السماء ، أو تنشقُّ عنها الأرض .

واحتقرتُ ما أنا فيه من نعمٍ قليلةٍ ، وما يتوفَّرُ بين يديَّ من أسبابِ عيشٍ بسيطٍ ، فتخلَّيْتُ عن نشاطي في العمل ، وواجبي في الجِدِّ والنشاطِ . وفي ليلةٍ هجرتُ بيتي وأولادي ، وهمْتُ على وجهي نَحْو مدينةٍ عملاقةٍ ، تجري فيها الأموالُ أنهاراً ، ويعملُ فيها الناس في الليل ، وليس في النهار ، واقتحمتُ عُلبَ الظلام ، وجرَّبتُ حظي في لعب القمارِ ، وسكرتُ ليالي طويلة بخمْرةِ المَدام ، مع خمرة الأحلام .

وزارتني في يقظتي ومنامي حورياتٌ فاتناتٌ يُحِطْنَ بي في جُزُرٍ ساحراتٍ ، ويطوفُ بي خدمٌ وولدانٌ ، يسهرون جميعاً على خدمتي ، وتلبية طلباتي .

وشيَّدْتُ قصوراً ، وشركاتٍ ، ومصانع ، ومتاجر ، واقتنيتُ أحدث السيارات ، وأغلى الثياب ، وأجود العطور ...

وبداْتُ أستنفذُ ما بين يديَّ من مالٍ ، هربتُ به في تلك الليلة البعيدة ، فشرعْتُ أستدينُ من بعض الأشخاص ، وثقل عليَّ الأمرُ ، فاضطررتُ أن أقوم بأعمالٍ مَهينةٍ ، وأُقدِّمَ خدماتٍ مُقابل طعامي وإيوائي .

وفقدتُ نضارةَ وجهي ، وبدأ الشيبُ يغزو لحيتي وشعري ، والهزالُ يقتاتُ من جلْدي وعظامي . وفي فجْرٍ ، لم يكُنْ في الحُسبان ، ألفيتُ نفسي شريداً في شوارع المدينة العملاقة .

واستبدَّ بي حنينُ غامضٌ إلى بيتي القديم ، وتذكرتُ زوجتي وأولادي ، وتحسرتُ على عملي الماضي ، ففكرتُ أن أعودَ ، وأرى ما صنع الدَّهرُ بالجميع .

وعندما وصلْتُ وجدتُ منزلاً أنيقاً ذا طوابق ثلاثةٍ ، قد قامَ مقامَ منزلي ذي الطابق الأرضي ، ووجدتُ سيارةً من نوع سيارات العائلات ، تركنُ أمام الباب ، وقد نزلتْ منها زوجتي التي لم تغِبْ عنِّي ملامحُها ، وقد حَفَّ بها ثلاثةُ فتيانٍ بدواْ في صحَّةٍ جيدةٍ ، وإشراقٍ ، وسعادةٍ ، خمَّنْتُ أنهم أبنائي الثلاثة ، فاهتزَّ فؤادي هزّاً عنيفاً ، واضطربت أحشائي غاية الإضطراب ، وطفرت من عينيَّ دموعٌ ساخنةٌ .

وفكَّرتْ أن أدْنُوََ منهم ، وأنادي بأسمائهم ، وأرْتمي بين أحضانهم ، غير أنِّي شعرتُ بعجْزٍ في لساني ، وبتخاذُلٍ في عروقي ومفاصلي ، وولَّيْتُ دُبُري ألومُ نفسي أشد اللَّوْمِ ، وأنْعي حظِّي القليل ، أو الكثير !!


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق