]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حينَ سقطَ السِّياجُ . (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-05-01 ، الوقت: 17:03:04
  • تقييم المقالة:

 

 

قبل أن يموتَ جدِّي ، وصَّى أبي أن يحْرِصَ أن لا ينزعَ السِّياجَ القديم ، الذي يحيطُ بأرضنا ، فهو قد أبْقى عليه كما وجده عند آبائه ، وحافظ عليه مثلما حافظوا عليه ، وكأنه عِرضهم ، وشرفهم .

ومرّت أيَّامٌ ، وجدَّتْ حوادِثٌ ، وسكنَ بجوارِ أرضنا ناسٌ غرباءٌ ، ولكنهم بدوا لطفاء ، واجتماعيين . ولأن أبي رجلٌ طيِّبٌ ، ويحسنُ معاشرة الناس ، ويُحْسنُ بهم الظنَّ ، فقد خالطهم اختلاطاً جميلاً ، ورحَّبَ بهم ترحيباً عريضاً ، وجادََ عليهم باليدِ اليُمْنى واليدِ اليُسْرى .

وكان هؤلاء يحسنون أعمالاً لا يحسنها أبي ، ويقومون بصناعات عجيبةٍ ، اندهش لها أبي . فاستغلوا دهشةَ أبي ، وطيبته ، وطلبوا منه أن يفْسِحَ لهم مكاناً في أرضنا ، فما كان من أبي إلاَّ أن أعطى كلمته بالموافقة ، ودفعتهُ رجولتُهُ ، التي يعتدُّ بها ، أن ينزعَ أمتاراً من السياج .

وبدأ الغرباءُ يدخلون أرضنا في كل وقتٍِ ، ويجلبون إليها آلاتهم ، وأدواتهم ، وعرباتهم ، وينجزون صناعات كثيرةً ومختلفةً ، ويزورهم ناسٌ يشبهونهم ، ولا يشبهوننا . وتغاضى أبي عن الأمر لأيامٍ ، ثم جعلَ صبْرُه ينفذُ ، خاصَّةَ بعد أن اكتشفَ أنَّ أشغالاً تقومُ في الليل ، وبشكلٍ سريعٍ ومُريبٍ .

وفي إحدى النهارات واجهَ أبي سيدهم الكبيرَ ، وقال له بأدبٍ أن يتراجع عن أرضنا ، ويحملَ أشياءهَ إلى أرضه خارج السياج القديم ؛ لأنه يرْغَبُ أن يقوم فيها بأعمالٍ تعودُ بالنفع عليه وعلى أبنائه .

فتلكَّاَ السيدُ ، واعتذر بضيق الوقت ، وبأنه لم ينته بعدُ من بعض الأعمال المُلحَّةِ ، والمهامِّ الضرورية ، وبأنَّ الآلات ثقيلةٌ . وطلب من أبي أن يُمْهلهُ فترةً من الزمن ، يخلِّصُ فيها بعض صفقاته والتزاماته . فأمْهله أبي رُغْماً عنه ، واستسلم للإنتظار ...

وتحوَّلَ الإنتظارُ إلى تذْكيرٍ ، وإلى رجاءٍ ، فإلى شكٍّ ، ثم إلى غضبٍ ، وبرزت المشاكلُ ...

وكان السيدُ قد إغتنى ، وصارَ من أصحاب المال والرجال ، وكان كثيرٌ من السكان يهابونه ويتزلفون إليه ، ويخشون نفوذه وبأسه . وعرض على أبي أن يبيع له أرضه ، ويرحل بمتاعه القليل ، وزاده البسيط ، إلى أرض أخرى ، قد اختارها له . فثارَ أبي ثورته ، وأراد أن يطردَ السيد الغريب بالقوة ، غير أنَّ قوة الآخر كانت أضعافاً مضاعفةً . وعلى غير ما توقَّعَ صارت القضية معروضةً عند أهل الحُكْمِ !!

ومن طبْعِ أهل الحُكْمِ أنْ لا ينظروا في مثل هذه القضايا بسرعةٍ ، وأنْ يجعلوا المتنازعين يروحون ويجيئون ، لوقتٍ طويلٍ ، ويخضعوا لإجراءات مُعقَّدةٍ لا أول لها ولا آخر . فسقط أبي مريضاً ، ولم تُمْهلهُ الصَّدمةُ كثيراً ، ففاضت روحُهُ في ليلَةٍ ، وهو يستعيدُ بندمٍ شديدٍ وصِيَّةَ جدِّي .

وما هو إلا أسبوع خفَّتْ فيه أجواءُ العزاءِ ، حتى فوجئنا بموظَّفٍ من المحكمة ، يقدِّمُ بين أيدينا ورقةً تحملُ إشعاراً بخلُوِّ المكان ، ريثما تصدرُ هيئة القضاءِ حُكْمَها النِّهائيَّ في الأرضِ محلِّ النزاع !!

وفي يومٍ كئيبٍ حملنا أمتعتنا وحوائجنا كلها ، على متْن شاحنةٍ ، وراحت تبتعدُ بنا ، والآلاتُ تهْدرُ بأصواتها الصَّاخبةِ في أرْضنا ، والسيد الغريبُ يُشيِّعنا بنظراتٍ شامِتَةٍ فوْقَ السياجِ المطْروحِ عند قدميه .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق