]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سوريا وَفَلسَفةُ الثُعبان المُقَدَّس

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2011-09-26 ، الوقت: 12:04:09
  • تقييم المقالة:

لِلشابي قَصيدَةٌ رائِعةٌ، بَلَغتْ حَداً مِنْ الشُهرةِ وذيوعِ الصيتِ بحيثُ تَكادُ تَرقى إلى مَصافي المَلحَمة الإنسانيّة، تَماماً كأعجوبَتِهِ – إرادَةُ الحَياة - التي قُدّرَ لَها أنْ تَستَقرّ مُطمَئنّةً في ضَمائِرنا بَعْدَ ما تَشَرَّبَها وَعيُنا المَدرَسيُّ المُبكّر كأوّلِ خَفقَةِ حُريّةٍ في قُلوبِنا الطُفوليّة الشَرِهة، عِنوانُ هذهِ القِطعَة الشِعريّة لافِتٌ للنَظَر, "فَلسَفةُ الثُعبانُ المُقَدَّس".

 القَصيدَةُ ما ورائيّة، حافِلَةٌ بالتَرميزِ السياسي والإيحاءِ العائِمِ على عِلائِقِ السُلطَة وَتجاذُباتُ الحاكِمِ والمَحكوم، وإلّا، فَمِنْ أينَ يَتأتّى للثُعبانِ الخَبيثِ فَلسَفَةٌ فَضلاً عَنْ كونِهِ "مُقَدَّسَاً"؟، لكنَّ الشابي، وبِذكاءٍ لامِع، هَزَأ ضِمناً مِنْ آلِهة الطُغيانِ العَربي، وَسَفّهَ أحلامَها، مُذَكِراً بِحَقيقَةٍ اكتَشَفَها الشَحرورُ اللَديغُ مُتأخِراً وَهوَ في السَكَراتِ، وَتُمَثّلُ ذَروَةَ القَصيدَةِ وحَجَرَ الزاويةِ في العَمَلِ وثيمَتَهُ الرَئيسَة، وهيَ "أنَّ السَلامَ حَقيقةٌ مَكذوبَةٌ.. والعَدْلُ وَهَجُ اللَهيبِ الخابي.. لا عَدلَ إلّا إنْ تَعادَلَتْ القُوى.. وَتَصادَمَ الإرهابُ بالإرهابِ".

خَرَقَ النِظامُ السوريُّ الدَمَويُّ كُلَّ ما تَعارَفتْ عليهِ البَشريّةُ مِنْ مَعاييرَ تَرسُمُ حُدوداً دُنيا لِخارِطَةٍ تُكَبّلُ وَحشيَتَنا بِشيءٍ مِنَ التَعَقُّلِ وَتُخَفّفُ مِنْ غَلواءِ اندِفاعاتِنا البِدائيّة التي لا تَجِدُ عادةً مِنْ مُتَنَفَسٍ لها سوى بالحروب والعُنفِ والتَدمير، مَعاييرَ تُحَدّدُ الصِراعاتِ وَتُقَنّنُ النِزاعات وَتؤَسّسُ لِقواعِد اشتباكٍ نَستَحِقُّ بِها لَقَبَ الكائِنِ المَنطِقي الناطِقِ والمُفَكّرِ ذي اللُبّ والصوابِ والتَرجيح، مَعاييرُ نَلجُمُ بِها ذَلِكَ الظَمأ الهَمَجيّ الدائِمَ للدِماءِ، ظَمَأٌ فَشِلتْ مَدَنيَتُنا المُعاصِرة وهي على أعتابِ فَتحِ المَريخ واستيطانِ المَدار الشَمسيّ في هَزيمَتِهِ وإطفاءِه، فَبَقي يُراوِدُنا عَنْ نَفسِنا وَيَزحَفَ كأيّ كائِنٍ مُخيفٍ مِنْ أعماقِ أعماقِنا.

 ليسَ أبشَعَ مِنْ الحَربِ سِوى حَربٍ تَفتَقِدُ لِحَدّ أدنى مِنْ الأخلاقِ وَشيءٍ مِنَ القيمِ وبعضِ المَبادئ، حَربٍ عَمياءَ بَربَريّةٍ لا تَعتَرِفُ بِغيرِ حَقِها في الاتساعِ والاستمرارِ والديمومَة، وَهي عَينُ الحَربِ التي يُبشّرُ بِها نِظامُ الأسدِ وَيُمارِسُها بِحِرَفيّةٍ مُنقَطِعةِ النَظيرِ وبِمَهارةٍ وإصرارٍ غريبين، حَربُ الأسَدِ لَمْ يَعُدْ يَتَسِعُ لَها قاموسُ الجَرائِمِ أو تَحتَويها لُغَةُ الإدانة، حَربٌ جَديدَةٌ بامتياز وشاهِدٌ آخَرٌ عَلى سِعَةِ الخيالِ البَشَريّ الدَمَوي.

اليومَ لَمْ يَعُد ثَمّةَ غِطاءٌ أخلاقيٌّ أو شَرعيٌّ أو قانونيٌّ البَتّةَ للنِظامِ السوريّ الشبائِحيّ السفّاكِ وَزَبانيّةِ أجهِزَتِهِ القَمعيّةِ وميليشيّاتِهِ المُستأسِدة على الضِعافِ والعُزّلِ والأطفالِ والنِسوَة، وَلتَذهَبْ إلى الجَحيمِ دَعَواتُ التَعَقُّلِ والتَريُّثِ وضَبطِ النَفسِ التي يُطلِقُها وَيُدندِنُ بِها وَيَدُورُ حَولَها وُعّاظُ السوءِ مِنْ عُلماء التَسوّلِ السُلطاني أصحابُ الفَتاوى الجاهِزَةِ لِسَترِ سوءاتِ الحُكوماتِ وَمَنْ لَفَّ لَفَّهُم مِنَ المُغَفّلينَ والسُذّج المُغَرّرِ بِهِم والمخدوعينَ بِشِعار القوميّةِ الأخّاذ وَعناوينِ المُمانَعةِ الرنّانَةِ والمُرجِفينَ المُبشّرينَ بِحربٍ طائِفيّة داخِليّةٍ هيَ في حَقيقَتِها قائِمَةٌ على قَدَمٍ وَساقٍ مُنذُ صادَرَ آلُ الأسَدِ كُلَّ مَنافِذِ التَعبيرِ في الثَمانينياتِ وَتَرَكوا البَلَدَ يَغلي بِصَمتٍ وَيَجْتَرَّ غَضَبَهُ الأخرَسَ.

 وهُم في مُحَصِلَتِهِمُ النِهائية يُمثّلونَ تيّارَ التبريريينَ المُتثائِبينَ المُستَرخينَ في يُخوتِهِم الفارِهَةِ فيما يُمزّقُ الإعصارُ الأسَديُّ الهائِجُ آخِرَ جُزُرَ الحياةِ الحُرّة في شامِنا الأخضَر ويَصبَغُ حِجارَتَها بِدماءِ الشباب المَذبوح، إستئصاليو دِمَشق الطالِعينَ مِنْ أقبية المُنظَمَةِ الأمنيّة وَسَراديبِ الثَقافَة الاستخباريّة يَرفُضونَ أيَّ شَكلٍ مِنْ الحُلولِ يَتَضَمَنُ نوعاً مِنَ الاحتِكامِ لِلمَنطِقِ السَويّ ويُبيحونَ حاضِراتِ المُدُنِ الآمِنَةَ بِقَضِها وَقَضيضِها للقَراصِنةِ والأوباشِ وقُطّاعِ الطُرُقِ وَيُحرِقونَ مِنْ خَلفِهِم آخرَ جُسورِ الحِوارِ وَقَناطيرِ التَفاهُم وَيَدفَعونَ أشدَّ الناسِ صَبراً وحُلماً لامتِشاقِ السِلاحِ وَرَدّ الطَعناتِ المُميتَة.

نِظامُ القَهرِ والعَسفِ والجَريمَةِ المُنَظَّمَةِ في سوريا يَتهاوى، وَقَبضَتَهُ البوليسيّة ترتَخي وَتَضعُف، وإرهابُ الدولَة الذي تُمارِسُهُ زُمَرُ الحَشّاشينَ الموالينَ لإبليسِ دِمَشقَ الَلَعينِ يَتراجَعُ وَيَنتَكِس، الذُعرُ والشِقاقُ والتَخَبُّطُ والارتباكُ يَدُبُّ في جَميعِ مَفاصِلِ النِظامِ وَخُصوصاً أركانِ المؤَسَّسَةِ العَسكَريّة التي يُنظَرُ إليها باستِمرارٍ على أنها صَمّامُ أمانِ الأسَدِ وَجوقَتِهِ مِنَ المُتَمَلّقين والمُتَزلّفين والتَصفيقيّين والمُنتَفِعين والطُفيليّينَ والوصوليّينَ،  فقياداتُ الجيشِ تَخشى مُستَقبلاً غائِماً وَتَحتَسِبُ لِمِساحَةٍ مِنَ الاحتمالات ليسَ أقَلُها تَسَلُّحُ الثورةِ السوريّة – وهوَ المَطلوبَ في هذهِ المَرحَلَةِ بَعدَ تَبَدُّدِ ذَرائِعِ المُتَمَسكينِ بِسِلميّة الثورةِ وطابَعِها المَدَني – وَنُشوبِ حَرَكاتِ تَمرُّدٍ واسِعَةِ النِطاقِ في ثُكناتِ العسكَرِ تَضامُناً مَعَ المُتظاهِرينَ.

 يَعضُدُ ذَلكَ ويأزُرُهُ حُدودٌ سوريّةٌ شِبهُ مَفتوحَةٍ عَلى مِصراعيها مَع دَولَتانِ مُضطرِبتانِ أمنياً وَتُشارِكان سوريا امتداداتٍ ديموغرافيّةً حُدوديّةٍ تَتَماثِلُ في إثنياتِها وانتِماءاتِها الاجتماعيةِ، وثالِثَةٌ تَدعَمُ الثوّار علانيّةً وَلَمْ يَنقَطِع سيلُ تحذيراتِها المُتَكرّرةِ لِنِظامِ دِمَشقَ مِنْ عَواقِبِ الأحداث، مِما يَعني دفقاً هائِلاً للسِلاحِ والذَخائِرِ بَلْ وَحَتّى المقاتِلينَ العابِرينَ للحُدودِ فيما لو قَرّرَ الثوَارُ التَصعيدَ والمواجَهة، كَما لا يُستَبعَدُ تَدَخُّلُ المُجتَمع الدولي للإطاحَةِ بالأسَد مَعَ ما يَعقُبُ ذَلِكَ مِنْ مَخاطِرَ مُحتَمَلَةٍ على تِلكَ القياداتِ نَفسِها قَدْ لا تَستَثني الانتقاماتِ والتَصفياتِ أو تَقديمِ رؤوسِهِم للعَدالةِ بِسَبَبِ مُشارَكَتِهِم في قَمعِ الاحتجاجاتِ بِوَحشيّةِ وَقَسوة.

صَعبٌ أنْ تُقنِعَ ذِئباُ غادِراً بِوِجهَةِ نَظَرِك، تَبقى للذِئابِ رَغباتُها البَريّة الأولى ونبقى في نَظَرِها مَحضَ طرائِدَ طازِجة، يَنبَغي وَبِقوّةٍ استِلهامُ الأنموذَج الليبيّ الفَذّ بإغراقِ نِظامِ الأسَدِ في دِمائِه وَسَقيِهِ مِنْ مُرّ كأسِهِ وإطلاقِ هُجومٍ كاسِحٍ للقَضاء على وَحشِ دِمَشقَ القابِعِ في جُحْرِهِ المعزول، نِظامٌ وُلِدَ بِلا فَمٍ ولا لِسان ولا صوت، ليسَ سِوى الأنيابِ الناتِئةِ والهَمهَماتِ الغامِضة، وَحشٌ تَلَبّسَ بِمَسخٍ شِبهِ بَشَري وانغَمَسَ في نوباتِ جُنونٍ بِلا نِهاية، ولأجلِ غَدٍ بِلا أَسَدٍ غيرَ الذي تَتَفَرّجُ عَلى أسرِهِ الصِغارُ في حَدائِق الحيوان يَنبَغي اقتِلاعُ سُلطَة العُبوديّةِ الموروثة وَتَحطيمِ جُدرانِ الخوفِ المؤبَّدةِ وَشَطبِ لُغَةِ الكراهيّة التي تُمَثِلُها طَبَقةُ الأشباح الدِمشقيّة، فالعدَلُ كُلُّ العَدلِ انْ تَستَقيمَ موازينَ القُوى، وَتَبّاً لِفَلسَفَةِ الثُعبانِ المُقَدَّسَة.

ليث العبدويس – بغداد – alabedwees@yahoo.com   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • Karkouba Tabouza | 2011-09-27
    ajmel makalet krithoum alah anchalah dima fi el kima
  • Wilou Iyo | 2011-09-27
    قد تكون نظرتي للثورة في كل البلاد العربية يشوبها نوع من الرفض، ليس لانها غير مشروعة ولا لانها تسببت في سفك الكثير من دماء الابرياء ، بل لانها جاءت متأخرة بعض الشيء، نحن نتحمل الجزء الاكبر من المسؤولية جراء صمتنا وتعايشنا لسنوات مع الظلم حتى ظن الظلم نفسه انه على حق، فتجذر فينا ولم نعد نستطيع اقتلاعه، ما اصعب ان يتحمل الناس التعسف والقهر والادهى والأمّر ان لا نستطيع ان نحظى بلحظة سلام واحدة الان، ونحن احق بها من اي وقت مضى، كان حريا بنا ان نواكب موجة التحول الديموقراطي مع بدايتها في اواخر الثمانينات، كي لا نكون قد سمحنا بتغلغل وتعشش النظم السلطوية في مجتمعاتنا، انا معك اخي في ان الظلم لا بد له وان يتبدد ذات يوم ، ولم يتبق له من طرق سوى الرد بالمثل، لكن اعلم جيدا ان فشل الدول في التحول الديموقراطي السلمي ستتآكلها الفوضوية وتدخل حالة غير معروفة من العنف بين السلطة والافراد قد يمتد عقودا قبل ان ياتي الاصلاح، وهذا الاخير لا يأتي من قبل المنشقين عن النظم السلطوية لانها ستطبق ما عجز عنه اسيادها السابقون عن فعله او ستطبقه بطرق مموهة كي يبدو مثل الديموقراطية وهو ليس بالديموقراطية في شيء، الاصلاح ياتي عن طريق رغبة سياسية موحدة، وارادة جماعية لرفع الغبن والنهوض بالانظمة العربية نحو الديموقراطية وكما يقال : الديموقراطية ليست قهوة سريع التحضير بل يجب التوجه الى التحول الديموقراطي الذي يعد المسار الوحيد للديموقراطية الحقة,,,,,لا نامل ان نرى سورية تغوص في حمام من الدم والنزاعات العرقية والطائفية او ان نرى تواجد قوات حفظ السلام تعيث فسادا في ارض طيبة ،كل ما نريده ان يتم التحول بسلام حفظا للانفس و حماية لتاريخ سيكتب عن عجز فادح للرؤية
    السياسية المحنكة التي لم تستطع ايجاد بدائل وحلول للازمة.
  • طيف امرأه | 2011-09-26
    واقع مرير , والم كبير.
    الراقي ليث
    في كل حرف لك تواجدت معاجم لغوية كامله ,
    ومن ناحية البيان كنت انت لها بيانا.
    اما المعنى , وما وراء الابعاد ,, فقد كنت كمثل الشابي.
    ولكن بوضوح الشمس لحظة التوسط.
    بحق كلامك مؤثر يثير , ويثور على حكم لا يعرف الا السوط والحرق.
    كلما رايت تلك الجثث وتلك الطرق الهمجية في القتل قلت لنفسي :
    بأي عالم نحن ؟؟,, ام انهم رجال آليون , لا يمتون للآدمية بمشاعر وأحاسيس ؟؟.
    او ربما قد غسلوا أدمغتهم فما عادوا كمثل البشر ؟.

    فليرحمنا الله وينزل الآمن والسلام على شآمنا.
    ويجعل لها حاكما عادلا قائما على أمر الله ولسائر بلاد المسلمين.
    شكرا لك ليث فقد أثرتنا بحرفكم الشامخ كشموخ ارضك وإباءها.
    طيف بتقدير

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق