]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مسائل الغيب ومسائل الشهادة

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2013-04-30 ، الوقت: 21:47:05
  • تقييم المقالة:

بسم الله


عبد الحميد رميته , الجزائر


مسائل الغيب ليست كمسائل الشهادة :



1- هذه معقولة المعنى وتلك غير معقولة المعنى :
مسائل الشهادة كالفيزياء والكيمياء والطب والعلوم الطبيعية والفلاحة و... معقولة المعنى , ويجوز أن تؤخذ من مسلم أو من كافر , والأصل فيها الابتكار والابتداع , والدليل عليها التجربة الحسية الملموسة .
وأما مسائل الغيب كالقبر والجنة والنار والجن والملائكة و ... والنفس والروح والقلب والشيطان والهوى و... وكذلك العلوم الإنسانية كالفلسفة وعلم الإجتماع والحقوق وعلم النفس وعلم التربية والاقتصاد والسياسة و... غير معقولة المعنى , ولا يجوز أن تؤخذ إلا من مسلم مؤمن , والأصل فيها الاتباع والتقليد لا الابتداع والابتكار , ولا دليل لنا عليها إلا الوحي أو الكتاب والسنة فقط .

2- فرق بين ما تعلق بعلم الغيب وبعلم الشهادة :

أما ما تعلق بعلم الغيب فالمطلوب البحث فيه اليوم وغدا وبعد غد , والمطلوب التقصي والمبالغة في البحث , والمطلوب الابتداع والابتكار , لأنه بسهولة يمكننا أن نصل في علم الشهادة إلى يقينيات , ولأن ما نصل إليه من قوانين وقواعد وأصول و...نستفيد منه الكثير دينا ودنيا . وأما ما تعلق بعالم الغيب فالمطلوب فيه - في نظري - أن نكتفي بما ورد في الكتاب والسنة ( أنظر إلى مفاسد علم الكلام الذي خاض في كثير من مسائل العقيدة التي لم يتحدث عنها الله ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة والتي ليس فيها ولا لها أية فائدة عملية ..) ما استطعنا , لأننا لن نصل من خلال هذه الدراسات إلى حقائق أبدا , ولأن المسائل الخلافية والنظريات الظنية التي يمكن أن نصل إليها لن نستفيد منها لا من قريب ولا من بعيد .

3- قرأتُ كثيرا ثم تحسرتُ كثيرا! :

أنا قرأت أكثر من 100 كتابا أيام زمان كلها متعلقة بالنفس والقلب والروح والعقل والهوى والشيطان : لابن تيمية ولابن القيم ولأبي حامد الغزالي ولابن حزم وللشاطبي ولأبي زهرة ولابن رشد ولغيرهم خلال حوالي عام واحد , وفي النهاية تحسرتُ كثيرا ( وقلتُ لنفسي : واحسرتاه على العمر الذي ولى في قراءة ودراسة هذه المسائل ) للوقت الذي ضيعتُه في قراءة مثل هذه المسائل التي إن صلُحت للعلماء فإنني أرى أنها لا تصلحُ لنا نحن البسطاء من المسلمين . هي لا تصلحُ لأننا نجد أنفسنا أمام كم هائل من الأقوال , ونجد أن كل واحد من العلماء يدعي بأنه على صواب , والصواب الله وحده يعلمه , ثم نجد أننا نقرأ مواضيع لا نستفيد منها عمليا من أجل زيادة طاعتنا لله أومن أجل تقوية إيماننا بالله , أومن أجل زيادة قربنا من الله أو من أجل رفع درجتنا عند الله أو من أجل رفع معنوياتنا أو ...

4- بين علم النفس وعلم الكلام :

فرق كبير بين أن أدرسَ علم النفس من وجهة نظر إسلامية ( قرأتُ أكثر من 100 كتابا في علم النفس بالعربية وبالفرنسية , واستفدتُ منها كثيرا كما استفدت كثيرا كذلك من مخالطتي للأطباء الاختصاصيين في الأمراض النفسية والعصبية وكذا من ممارستي للرقية الشرعية لأكثر من 22 سنة ) .
قلتُ : فرق كبير بين دراسة علم النفس من وجهة نظر إسلامية , الذي هو علم مفيدٌ ونافع وممتع وجيد ومهم لأغلبية الناس بمن فيهم الآباء والأمهات والمعلمين والأساتذة والمربين والأطباء والرقاة و... وبين إضاعة الوقت في القراءة عن النفس والروح والعقل والقلب والهوى والشيطان والعلاقة بينها وبين بعضها البعض وعن أيها أخطر وعن محل كل منها وعن ...

5- عمر الواحد منا محدود :

والوقتُ هو الحياةُ , وكلُّ واحد منا سيسأل عن عمره فيمَ أفناه ؟ وعن علمه ماذا عمل به ؟. ومنه فإنني عندما أرى وأجد أمامي أحد خيارين :
الأول : أن أدرس العقيدة والآداب والأخلاق والسيرة والتفسير والفقه و...والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والتعليم و...وأن أهتم بدراسة ما تعلق بمجال تخصصي (أنا في العلوم الفيزيائية وأنت في ...وهو في ...وهي في ...و...) وأن أدرس ....أن أدرس كلَّ ذلك أصولا وفروعا حتى أعرفَ المسائلَ الأصولية التي لا خلاف فيها والتي يجب علي أن أتعصبَ لها وأن أتشددَ فيها وأن لا أتسامح حيالها وأن ...وحتى أعرفَ المسائلَ الفرعية الخلافية الظنية التي لا يجوز التعصبُ أو التشدد أو التزمتُ فيها بل المطلوبُ فيها سعةُ الصدر مع المخالفِ وحسنُ الظنِّ و...
الثاني: أن أدرسَ التفاصيلَ الفرعية في العقيدة والتي هي محل خلاف بين علماءِ أهل السنة والجماعة , أو أن أبحثَ عن الأدلة العلمية على مسائل غيبية مثل القبر والميزان والصراط والحساب يوم القيامة والجنة والنار و...أو أن أبحثَ عن خلافات في العقيدة بيننا وبين فرق اعتقادية ضالة ومنحرفة لم يبق لها وجودٌ لأنها اندثرت من زمان , أو أن أهتمَّ بدراسة العلاقة بين النفس والروح والعقل والقلب والهوى والشيطان و...
إذا وجدتُ نفسي بين هذين الخيارين ( ولا ننسى أن عمرَنا محدودٌ وان الوقتَ هو الحياةُ ) , فإنني لن أتردد ولو للحظة من الزمان , وسأختار قضاءَ وقتي وإفناءَ عمري مع الدراسات الأولى لا الثانية .
نعم إن قدر شخصٌ على دراسة الكل فلا بأس عليه ولا حرج عليه بإذن الله , ولكن من النادر أن يجدَ الواحدُ منا الوقتَ الكافي لكل هذا , ويمكنُ أن أقولَ بأن هذا مستحيلٌ إلا أن يكونَ عمرُ الشخصِ مثلَ عمرِ سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام .
عندنا مثلا طلبةٌ في الجامعة الإسلامية هنا في الجزائر أو في غيرها إذا اهتموا بالدراسات والبحوث والنظريات المتعلقة بالنفس والروح وغيرهما , فإنني أجدُ لهم أكثرَ من عذر . وأما بالنسبة لغيرِ المتخصصين في الدراسات الإسلامية مثلي ومثلك أيها القارئ الكريم , فإنني لا أميلُ أبدا إلى الاهتمامِ بتلك الدراسات وأنا أعتبر ذلك مضيعة للوقت وللجهد وربما للمال كذلك .

6- كثرة الاهتمام بهذه الدراسات تُـقـسي القلب مع الوقت :

أنا أعتقد أن كثرةَ الاهتمام – وأؤكد على كلمة كثرة - بالدراسات المتعلقة بمسائل غيبية , ( فضلا عن أنها غالبا خلافية ولا نعرفُ الصوابَ فيها , وفضلا عن أنه ليست لها فائدة عملية ) تُقَسي القلبَ مع الوقتِ , خاصة إن لم يُصاحبها اهتمامٌ كافي بالتربية الروحية مثل النوافل من الصلاة والصيام ومثل الذكر والدعاء ومثل قراءة القرآن ومثل زيارة المقبرة ومثل محاسبة النفس ومثل ... وأنا أعرف شبابا عندنا في بعض المناطق في الجزائر , هم أبطالٌ في نقل أقوال العلماء في النفس والروح والقلب والعقل و...مما ليست لهُ أية فائدة عملية , ثم تجدهم جاهلين لأبسط مسائل الفقه في الصلاة والصيام , وتجدهم ضعافا جدا في مجال تخصصهم الدراسي , وتجدهم بعيدين كلَّ البعد عن التعامل مع الناس بما يمليه عليهم الأدبُ والخلق الإسلامي , وتجدهم قساة في التعامل مع أقرب الناس إليهم من إخوة وأخوات وأب وأم , وتجدهم يعانون ( بشهادة أهاليهم ) في الكثير من الأحيان من القلق والوسواس والخوف والخلعة و... وكلُّ هذا نتجَ في نظري عن اهتمامهم الزائد بدراسة علم ظني - ليست فيه فائدة عملية ويُقسي القلب - على حساب علوم أخرى تُعرِّفُ بالدين وتُـقرِّب من الله وتزيدُ من الأجر وتُسعد الإنسانَ وتُرقِّـق القلبَ وترفعُ المعنوياتِ وتُـقوي الإيمانَ و...

7- هذا النقاش يُذكرني بحوار:

تم منذ حوالي 3 شهور بين أخوين كريمين هنا في الجزائر. أحدُهما يؤكد على أن عدوه الأساسي هو النفس الأمارة بالسوء , وكان يُـقدمُ على صحة دعواه أدلة من أقوال بعض العلماء , وأما الآخر فكان يؤكد على أن عدوه الأكبر هو الشيطان وكان هو الآخر يستدل على صحة ما يقول بأقوال علماء آخرين . واحتد النقاشُ بينهما فقلتُ لهما مهدئا " على رسلكما لن يستفيد الدينُ ولن يستفيد أيُّ مسلم من حدة النقاش بينكما , ولن يُـقدم أحدكما دليلا قطعيا على صحة ما يقول , ولن يستطيعَ أيٌّ منكما أن يُـقدم لنا ولو فائدة عملية بسيطة يمكن أن نأخذها من هذا الحوار. على رسلكما ! إن المطلوبَ من كلِّ واحد منا حتى يحبَّـه اللهُ ويرضى عنه أن يتخذَ الشيطانَ عدوا وأن يتغلبَ على هواه وأن يرفعَ نفسه على درجة الرضى والاطمئنان أو على الأقل إلى درجة النفس اللوامة , ثم لا علينا بعد ذلك من بقية النقاش والحوار.
قولا لي بالله عليكما ما الذي يستفيدُ منه أيُّ واحد منا إن عرفنا أين موضع النفس من البدن أو لم نعرف ذلك ؟ ما علاقة النفس بالروح ؟ أيهما أهم ؟ ما علاقة النفس بالهوى والشيطان ؟ ما علاقة النفس بالعقل ؟ ما علاقة النفس بالقلب ؟ إلى آخر هذه الأسئلة . قولا لي بالله عليكما أية فائدة سيجنيها المؤمنُ من خلال هذه الدراسات أو البحوث أو من وراء أي نقاش في هذه المسائل أو من هذه الخصومة بينكما ؟ . هداني الله وإياكما لكل خير آمين ".
والله أعلى وأعلم . وفقنا الله جميعا لخيري الدنيا والآخرة .
نسأل الله أن يُعلمنا ما ينفعنا وأن يَنفعنا بما يُعلمنا وأن يزيدنا علما , آمين .


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق