]]>
خواطر :
ماخطرتش على بالك يوم تسأل عنى ... وعنيه مجافيها النوم يا مسهرنى...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الواقع والإنسانية

بواسطة: وئام البدعيش  |  بتاريخ: 2013-04-30 ، الوقت: 20:16:32
  • تقييم المقالة:


كثير هو الكلام الّذي يخاطب العقول، والّذي ينقل أو يصوّر الواقع كما هو على حقيقته، بسوداويته، بفرحه، وترحه، وملله إلى عامة الناس. فينقل مشهد صراخ لطفل في المهد، وخفقان قلب شاب تراوده حبيبته بحلم ورديّ, أو طفلة تشحذ، أو مياه تغمر خيام اللّاجئين، أو رائحة تفسخ الموتى، أو امرأة تغازل شاباً، أو رجل يضرب امرأته، أو شاب يسير في الشّارع والشّارع عريض والسّيارات مزدحمة... الخ
كلّ هذا ينقله الأدب من مستنقع الواقع الكدر، فينظّفه وينضجه على نار أفكار هادئة، ثمّ ينفخ عليه بشيء من الفن. وبمقدار هذه النّفخة ينضج الكلام ويصبح فنّاً. وعندما ينتهي، يوضع هذا الأدب ساخناً على الأوراق، ومن ثمّ إلى المطبعة الّتي تزيد من حرارته وأناقته في آن واحد.
ويخرج إلى العامّة الّتي تلوكه بأسنانها وعقولها، وتفهم منه ما تفهم وترمي منه ما ترمي، ليتحول في آخر الأمر إلى أوراق يلفّ بها السّندويش.
"
الأوراق يلف بها السندويش، والأفكار تذهب كأنّها لم تكن"..


ولكن بالمقابل، قليل هو الكلام الّذي يسير بتوازن مع الإنسانيّة المطلقة, والذي يمسّ شغاف القلب ويداعب ما تبقى من روح الإنسانية. ويسبر أغوار النفس، ويهيج الإحساس، وخصوصاً إحساسنا بالذّنب من نزيف إنسانيتنا المستمرّ.
قليل هو الكلام الّذي يأتي بلا عناء، ويذكرنا بالمطلق، مثل حمامة تأتي من بعيد ثمّ تذهب. هي لم تفعل شيئاً ذي فائدة لنا، ولكنّها في قدومها وابتعادها تذكّر النّفس بالحرية.
قليل هو الكلام الّذي يشبه الرّوح، ينساب نسغاً من الكلمات، ليستحمّ في ضوء أبلج في بكرة الصّباح. ويشرب من ينابيع المحبّة وأنهار الإنسانيّة الّتي بدأت تجف مع مرور الزّمن. فإنّ هذا الكلام يرسل وداعة في النّفس وطمأنينة، كما يذكر النّفس بالرّاحة الأبديّة المنشودة والصّفاء المأمول.


صحيح ؟! كما قيل يجب بين كلّ فترة وفترة أن نذكّر الإنسان بإنسانيّته المنهوبة، بنزيفه المستمر، والضّربات الّتي تحوّلنا مع مرور الزّمن إلى أنقاض إنسان. فالضّربات الّتي نتلقّاها كلّ يوم تعيد بنا عجلة التّطور إلى الخلف. فهذه الضّربات الّتي تصيب صميم إنسانيتنا والتي تحيوننا, تجعلنا نتصرّف تصرّفات لا تقبل بتصرفها الحيوانات. يجب علينا بين كل فترة وفترة دقّ ناقوس الخطر من جديد، فقد نزفنا كثيراً من إنسانيتنا، وتخطّينا كلّ الخطوط الحمراء، وأصبحنا نغمس الإنسانية بالحيوانية. وهنا أقصد الإنسانية بالمطلق والحيوانية بالغرائز.


" المأمول, وما نصبح عليه"
 
نقل الواقع من أجل التحفيز ممكن، ولكنّه قد يؤدي إلى نتائج عكسية . فنحن، " بغض النظر " عن نيتنا في تحريض إنسانية الإنسان من أجل التغير، من اجل سبك إنسان جديد، فإنّ هذا النّقل للواقع مع طول المدّة يفعل مفعولاً عكسي, فيزيد من تقبل الناس للسّوداوية و يزيد من إدمانهم وتعوّدهم على هذا الواقع. ويخمد تحفيزه في المستقبل. مثل " مقتل شخص في حادث إرهابي يثير استهجان العالم و مقتل ألاف الأشخاص يومياً يعد إحصاء " . فيصبح الواقع السّوداوي هو القاعدة، والواقع الطّبيعي وتنفيذ شريعة حقوق الإنسان هي الاستثناء.


" مجبر آخاك لا بطل"
نحن كل يوم نخسر شيئاَ من إنسانيتنا ومع مرور الوقت نتقبّل المفاهيم الأدنى، ونتعامل معها. المهم أن لا تسوء الأمور أكثر. وثم تسوء الأمور ونتقبّل الوضع الجديد من أجل ألا تسوء أكثر. وهكذا... فنحن في كل مرّة نتقبّل فيها وضع أسوأ, نكون قد خسرنا شيئاً من إنسانتنا مثل قصة (نمور في اليوم العاشر لزكريا تامر)، "عندما يأتوا بنمر في قفص, ويرغموه على التّدني من نمر إلى قطة ثم إلى حمار, ثم يرغموه على أكل الحشائش وبعد عدّة أيام من الجوع، يقبل على أكل الحشائش مجبراً. لأنه لم يبقَ فيه شيء من النمر " فنحن كل ما تنازلنا خسرنا إنسانتنا، فنخاف أن يأتي يوم, يصبح الإنسان كائناً لا يبقى فيه شيء من الإنسانية.


" لكي نبقى في الموضوع"
أذاً، نقل الواقع كما هو، بغض النّظر عن " نية الناقل "، ونقل كلّ شيء سلبي بقصد التّحفيز إلى الشيء الإيجابي. ممكن أن يفعل مفعول عكسي، ويسبّب عند العامة أو السّواد الأعظم من النّاس, الإدمان والتعوّد على الأمور السّلبية. فيجب علينا أن نسير بخطّين متوازيين. خطّ يعمل على نقل الواقع بواقعه, من أجل التحفيز، وخط ثان ينادي ويذكرنا بنفس الوقت بالإنسانية المطلقة، والجمال الرّوحي. الخط الّذي يجعل النّفس تطلّع إلى المطلق، للتّذكير بإنسانيتنا المنهوبة.

 لأنّ الإنسان ليس مطالباً فقط بالغذاء الجسدي ولكنه مطالب أيضاً بالغذاء الرّوحي ليبقى الإنسان أنساناً..

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق