]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الساعة الرملية

بواسطة: طلال صهيب  |  بتاريخ: 2013-04-30 ، الوقت: 17:12:18
  • تقييم المقالة:

كثيرة هي الأحيان التي أجد نفسي في مساء يومي جالسا من غير مصلحة أو شيء يثير مني الاهتمام والفكر أو حتى الرغبة في تغيير مسار حياتي أو نموذج ترتيب يومياتي ، ولكنني أسعد بها لحظات فهي غالية الثمن ، ليس كوني إنسان خامل يحب الركون و قلة النفع له أو حتى لغيره ، لكنني أجدها لحظات واسعة الأفق تبحر بي في عالم الذكريات تعديني للزمن الجميل الذي مضي بكل ما حمل من أمل وألم ، ولم يترسب منها لدينا غير الجميل الذي ألفنا من فارقونا به .....، قد تبدو مقدمة فارغة المعنى غير قوية ربما لما ألمسه في جدران ذكرياتي الليلة ، بيد أني تعلق في ذهني منذ ليالي ساعة جدي الرملية التي كانت تلازم سريره حينما يكون مستلقيا على ظهره ، كان أغلب يومه سكون وسكوت ، كانت تنبعث في داخلي عند رؤياه حيرة كبيرة تقطعها أسئلة تكاد تعجز عن حلها موسوعة فكري القاصرة ، كنت أجد نفسي تلح أن أبعث فيه نمطا جديدا للحياة ولكنه كان دائما يجيبني بسكوت قاتل ليس من الوحدة التي ألفها ، بل من غبائي المستدام الذي يبعث ريحا غير مألوفة في عبق حياته التي أشك أنه كان يحن إليها ويحزن حين يفتقدها ، كان جل يومه يقلب تلك الساعة من فارغ إلى مملوء ، وليس أهمه أنه فعل ذلك إلا أنه غير زمنا لم يكن ليمضي عنده ربما لو لم تمضي تلك الساعة في حساب حبات الرمل وهي تحسب على عنق الزجاجة مرورا . كنت أجد في نفسي دوما شيئا من تلك الساعة : حيرة ، تساؤل ، وحتى وإن بالغت قلت الأنس ، ولكنه كان دائم الوفاء لها ولم يستطع أن يرى العالم غير من إمتداد بصره عبر زجاج تلك الساعة التي يرى نافذته التي تأتي بعدها كي يحيط العالم ينظرة عابرة وأحسبها في كثير من المرات ساخرة على ما مضى أو ما قد يأتي بعد ما مضى ، كان يرى العالم صغيرا بحجمه من خلال زجاجها ولا يعطيه ذلك دفعا في محبة الصورة الحقيقية لما هو بعد نافذته ، أحسه أحيانا يتهاون في قلب ساعته حين تفرغ من صب رمالها ، وأحسه أحيانا لا يشتهي أن يحسب الزمن هذا ......لأنها لو لم تقلب عطل نفعها وهو بذاك لا يحسب في عمره إلا ما شا من الزمن ، كنت أشتهي دوما أن يقطع حيرتي بكلمات لا أجد لها تأويلا في ذاتي ، ولكنه كان يجد المتعة في أن أبقى متسائلا ممسكا بالتركيز في ساعته وجدول حياته ......غير أنه لم يشف حمقتي في تطفلي على عقله البعيد الأمد في بحر الذكريات والأماني بعودة الزمن الذي ينتمي له هو الساعة،  ويوما أردت أن أسحبه من ذلك المد البعيد للحنين والبقاء في زمن كان يسميه دوما زمن الأحبة وأحيانا زمن الأحلام ، كنت أريده هنا حاضرا في يومي وغدي كما تحضر ساعته فيه كله ، فقلت والقول مني محتشم يا جدي في الدنيا تجدد وتورد وبقاء للحياة فلماذا هذا الركون ، فلتعط قلبك نفسا جديا ينعشه الوجود ، ينمو بنمو الأمل ـ يتجدد بالإخلاص ، فقال يا ولدي هي سلعة قد خلا منها زمانكم فكيف تزرع وأرضها مفقودة ، قلت أنظر العالم من غير ساعتك وأبعث في حياتك زاوية أوسع من نافذتك ، فقال الأمر بيننا رهان إن أنت كسبت قطع حيرتي وهبتك ساعتي وإن أنا وجدت نفسي بعيدا عن دنياكم تركت لي أوقاتي التي أراني لا أثق في حسابها غير ساعتي . فمضى حيث يضع طاقمه الذي ما رأيته يلبسه إلا لإستقبال من يهمه أمرهم ، وتزين بزينة الراحل عن الدنيا من نظرات وتأمل وإبتسامات نثرها في الوجود وأعطى لكل ركن من غرفته زمنا من التامل ، ووقف عند مرآته التي مضى عهد على آخر مرة رأت فيها وجهه ، وظل واقفا طويلا كنت أحسبه إشتاق لرؤية وجهه وذاته ، وما هي إلا هنيهة من الزمن حتى استدار إلي وقال لي إقلب ساعتي فالآن أجد أن زمني تغير ......ولم أفهم كيف قلبها ساعتها رغم أنها لم تكتمل في مد رملها لجارتها ، وخرجنا ساعتها نتواعد والحياة مجددا ، نجد نسمات التجدد في نفوس البشر غير أنه غاب عني عقولها ، نجد المتعة في إبتسامتهم غير أنه غاب عني الصدق فيها ، وكنا نجد منهم النظرة الصافية للقلوب غير أنه غاب عني الاخلاص فيها وكنا نجد التآلف في الأرواح غير أنه غاب عني الوفاء فيها ..... ولم تمضي عليها لحظات حتى قطعها جدي بالعودة لغرفته ، هي رحلة لم تدم طولا لأنني حين أعلنت ما رأيت منها لجدي قلب لي الصفحة في ما غاب عني منها ، وجدت الحيرة عنده حكمة ووجدت السكوت عنده تفكير، ووجدت النظرة التي كان يمد عينيه من خلال زجاج ساعته كانت ثاقبة البعد تعطي الحجم الواقع لحياتنا ، فهي أصغر من أن تكون كبيرة في نفوسنا وصغيرة في عقولنا ، فهي إن كبرت كبرت بمعانيها ومبادئها لا بمظاهرها وحسن كلامها ................................................. ووقف عندها مرة ثانية أمام مرأته وحرك يده اليمنى فرآها تنعكس على مشهدها في مرآته يساره ويساره كان يمينه ، فقال يا بني الدنيا في زمانكم كالمرآة الكل رآها مقلوبة ، ولكنها في زماننا كتلك الساعة نتحكم في وجهتها كما نشاء ، فإن كنا على جادة الصواب حسبنا وقتها ، وإن كان غير ذلك قلبناها لتعطينا زمنا جديدا نقيا صافيا تشع قلوبه أملا وإخلاصا ومحبة ........فأنت هنا تختار ما بين المرآة والساعة .  وتمدد على سريره مجددا ولكنه هذه المرة بلباسه كأنه يستقبل زائرا ، فعلمت أن يستقبل الفراق : فراق النفاق ، فراق الزيف ، فراق كل شيء غير اصلي .
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق