]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ماذا لو كنتَ مكاني وفُـرض عليك أن تسمحَ بالغشِّ ؟!

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2013-04-28 ، الوقت: 12:35:33
  • تقييم المقالة:

 

بسم الله

عبد الحميد رميته , الجزائر

 

ماذا لو كنتَ مكاني وفُـرض عليك أن تسمحَ بالغشِّ ؟!

 


[" أنا بعمل في مدرسة ابتدائى , وفى أول مرة أراقب في الامتحانات  .وجدتُ أن الشيء الأساسي هو الغش ,فحاولت أن أمنع ذلك الغش لأني أعلم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( من غشنا فليس منا ), ولكن وجدتُ عددا كبيرا من المدرسين داخل اللجنة يسألون بحدة شديدة "هو إنت مانعهم من الغش!؟", أقول " نعم لأن الغش حرام".وجدتُ مظاهر التعجب في وجوههم وكأني قلت لهم أن اللبن حرام .
ووجدتُ مدرسا كبيرا في السن قال لي " إنتى كده بتظلميهم لأن كل اللجان بتغش , وبكدة التلاميذ اللى معاكى حيحصلوا على درجات قليلة ", فقلت له " إن الذى يظلمهم هم الذين يسمحون بالغش" قال لى " إنك لن تستطيعى أن تغيري شيئا , فالمديرة تعلم كل شىء , وهذا الغش من مصلحة المدرسة حتى تحصل المدرسة على أعلى نسبة نجاح , وكمان كل المدارس بتعمل كده ولو مدرستـنا معملتش كدة حتكون أسوأ مدرسة ".  قررتُ حينـئـذ أن أنصح المدرس الذى يسمح للتلاميذ بالغش أن هذا حرام , ولكن لا حياة لمن تنادى , فقررت أن أغير هذا المنكر بقلبي مع أنه أضعف الإيمان. فماذا تفعل أنتَ أخي لو كنت مكانى ؟!].

 

وأنا الآن أجيب على اعتبار أنني بالفعل في مكانه لأنني أستاذ في التعليم الثانوي منذ 1978 م . قال أخ من الإخوة ( أو قالت أخت من الأخوات ) يشتغـل في التعليم : وجدتُ مدرسا كبيرا في السن فقال لي " أنت بهذه الطريقة تظلم التلاميذ حين تمنعهم من الغش" :

 

         1- " لأن كل اللجان تغش , ومنه فالتلاميذ الذين معك سيحصلون على درجات قليلة "!.

وأنا أقول له عندئذ " إن الذى يظلم التلاميذ حقيقة هم الذين يسمحون له بالغش وليسوا هم من يمنعوه منه . والواجب – في ديننا - يبقى واجبا إلى يوم القيامة مهما تخلى عنه الناس , والحرام كذلك يبقى حراما إلى يوم القيامة مهما انغمس الناس فيه " .

 

         2-" ولأنك لن تستطيع أن تغير شيئا حين تحاول منع التلاميذ من الغش "!.

وأنا أقول له حينئذ " أُغير أو لا أغير من الواقع السيئ المحيط بي , هذا مهم من الدرجة الثانية , ولكن الذي يهم أكثر وفي الدرجة الأولى أنني أنا أؤدي – بمنعي للتلاميذ من الغش - واجبا أوجبه الله علي , وأنا أفعل ذلك طلبا للأجر من الله أولا وقبل كل شيء . أما أنني أغير أو لا أغير مما يحيطُ بي فأمر آخر وثانوي . ولا ننسى أن المطلوب مني فقط هو تقديم الأسباب , وأما النتائج فعلى الله تعالى وحده ".

 

        3-"ولأن المديرة تعلم كل شىء عن غش التلاميذ , وهي ساكتة عن ذلك أو موافقة ضمنيا على ذلك"!.

وأنا أقول عندئذ " الذي يهمني أولا وقبل كل شيء هو أن الله يعلمُ بأنني حاولتُ ما استطعتُ أن أمنع الغش وأن أؤدي واجبي الشرعي . وأنا في المقابل لا أحاول منع الغش طمعا في المديرة أو خوفا منها . إن الطمع كل الطمع هو في رحمة الله تعالى , وإن الخوف كل الخوف هو من عذاب الله سبحانه عزوجل " .

 

       4- " ولأن هذا الغش من مصلحة المدرسة حتى تحصل المدرسة على أعلى نسبة نجاح"! .

وأنا أقول حينئذ" لا بارك الله في خير وفي مصلحة تأتي عن طريق الحرام وعن طريق الغش. الذي يأتي عن طريق الحرام لا يمكن أن يكون خيرا حقيقيا وإنما هو شر أو خير مزيف وكاذب , والذي يأتي عن طريق الحرام لا يمكن أن يكون مصلحة حقيقية وإنما هو مفسدة أو مصلحة مزيفة وكاذبة و...".

 

       5-" وكذلك  لأن كل المدارس تعمل هكذا وتسكت عن الغش أو تشجع عليه "! .

وأنا أقول عندئذ " انتشار الفساد كما قلتُ قبل قليل ليس مبررا ولا يجوز أبدا أن يعتمد عليه كمبرر شرعي أو كعذر شرعي , حتى نكون فاسدين , وإلا جاز لنا من هذا المنطلق ( لو كان منطلقا صحيحا وصوابا )  أن نكذب لأن الكثير من الناس يكذبون وأن نسرق لأن الكثير منهم يسرقون وأن نزني لأن الكثير منهم يزنون وأن نشرب الخمر لأن الكثير منهم يشرب الخمر وهكذا...".

 

       6-" ولأن مدرستَـنا إن لم تشجع على الغش أو تسكت عنه , فإنها ستكون أسوأ مدرسة من حيث نتائج امتحاناتها "!.

وأنا أقول حينئذ " أسوأ مدرسة بالحلال ومع تأدية الواجب الشرعي هو أفضل بكل تأكيد دنيا وآخرة ( وليس دنيا فقط ) , هو أفضل مليون مرة من أحسن مدرسة بالحرام وبالغش وبالكذب وبالتزوير وبالتدليس وبالخداع وبـ... ".

 

       7- قال الأخ عندئذ لما يئس من إقناع المدير بأن منع الغش هو المطلوب وهو الصواب وهو الصحيح وهو الحق وهو العدل وهو...قال " فقررتُ أن أنصحَ المدرسَ الذى يسمح لتلاميذ بالغش أن هذا حرام , ولكنني وجدتُ للأسف أنه لا حياة لمن تنادى . قررت عندئذ أن أغير هذا المنكر فقط بقـلبى مع أنه أضعف الإيمان"! .

وأنا أقول عندئذ " أنا أنصح المدرسَ وكذا الإدارةَ وكذا كلَّ من يسكت عن الغش أو يشجع عليه للإعتبارات السابقة الواهية أو لما يشبهها , فإن لم تنفع نصائحي فإنني لن أكتفي بإذن الله بالإنكار بالقلب . لا أعذرُ شرعا بالاكتفاء بإلإنكار القلب إلا إذا كنتُ عاجزا عن الإنكار باليد عن طريق منع الغش فعليا وواقعيا . وأما إن كنت قادرا على منع الغش فإنني سأمنعه بإذن الله وليحدث بعد ذلك ما يحدث .

 

ولقد منعتُ الغش ( في حدود ما أقدرُ وفي حدود صلاحياتي )  خلال سنوات وسنوات , أو قُـلْ خلال 29 سنة من التعليم الثانوي في ثانويات عدة . ولقد نالني من أجل ذلك وبسبب من ذلك الكثيرُ من الأذى , ومنه :

            * السب والكفر والكلام البذيء الفاحش من طرف بعض الإداريين .

            * * اللوم من طرف بعض الأساتذة المتخاذلين .

            * * * العتاب واللوم والتوبيخ و... من طرف بعض أولياء التلاميذ .

            * * * * الشكاوى والاعتراضات و... من طرف بعض التلاميذ وكذا التهديد بالضرب من طرف البعض منهم . وغيرُ هذا كثير وأكثر .

ومع ذلك كنتُ وما زلت وسأبقى بإذن الله مُصرا على منع الغش ولو كان التلميذُ الذي هو أمامي هو بن رئيس الجمهورية , ولو كانت النتيجة هو أن يتم إخراجي من القاعة بالقيود لأخذي مباشرة للسجن . هذا مع أنني أعرف بأنه يجوز شرعا للشخص المدرس أو الإداري و ... أن يتخلى عن منع الغش إن خاف على نفسه من السجن مثلا , لأنه يعتبر بذلك مكرها ويرتفع الحرجُ الشرعي عنه بإذن الله . ولكن هذا الذي ذكرتُه الآن رخصة , أما أنا فأريد أن آخذ بالعزيمة وبالأشد في هذا الأمر بالذات , خاصة وقد تعودتُ على السجن وأهواله وعذاباته . لا أتمنى أبدا السجنَ لا لي ولا لأي مؤمن , ولكن إن كان السجنُ من أجل منع الناس والتلاميذ من الغش فأهلا وسهلا به و" السجن أحب إلي ".

 

وأنا أنبه في النهاية إلى أمرين :

         ا - أنني من شدة حرصي على منع الغش أصبح من يريد الغش من التلاميذ يخافني أو يهابني ( إن صح التعبير ) على مستوى المؤسسات التربوية عندنا في مدينة ميلة وما جاورها , ومنه فإن الإدارة التي تحرص على منع الغش ترسلني في الكثير من الأحيان , ترسلني لأحرس الأقسام الصعبة التي يحاولُ فيها التلاميذ الغش أكثر من غيرهم أو التي لم يقدر على حراستها كما ينبغي أساتذة آخرون أو نساء أستاذات تخاف الواحدةُ منهن من بطش بعض التلاميذ بالقول أو بالفعل إن أرادت أن تتصدى لمنعهم من الغش . وهذا الذي عُرفتُ به عند التلاميذ أنا أعتز به كل الاعتزاز . وبالأمس فقط مساء ( الأحد 2/12/2007 م ) رأت الإدارةُ أن أستاذة وجدت صعوبة كبيرة في منع التلاميذ في قسم من الأقسام من الغش , فأرسلتني إلى القسم الذي ضبطتُه في حوالي دقيقتين أو ثلاثة والحمد لله رب العالمين , وإن استاء مني بطبيعة الحال من يريد أن يغش من هؤلاء التلاميذ .

        ب- أن الذي يحرص على رضا الله سيُـرضي اللهُ عنه الناسَ ولو بعد حين , ومنه فإنني أقول أن أغلبية الناس والمسئولين في المؤسسات التعليمية وكذا أغلبية الأساتذة والأولياء والتلاميذ يحترمونني احتراما كبيرا ويقدرونني كثيرا والحمد لله . وحتى التلاميذ الذين أمنعهم من الغش فإنهم يستاءون مني في الحين ولكنهم دوما وأبدا يعرفون في أعماق أنفسهم أنني أنا الذي أحبُّ لهم الخير حقيقة وليس الذي يسمحُ لهم بالغش . ومنه فهم يقولون باستمرار لغيرهم ولأوليائهم بأن الأستاذ رميته أفضلُ مرات ومرات من غيره من الأساتذة وبأنه لا يمنعنا من الغش إلا لأنه يحب لنا الخير فعلا دنيا قبل الآخرة . وأما الذي يسمح للتلاميذ بالغش فإنهم يفرحون به - ظاهرا - في الحين ولكنهم في حقيقة الأمر يحتقرونه ولا ولن يحترموه أو يحبوه حقيقة في يوم من الأيام . هذا مستحيل ثم مستحيل ثم مستحيل  .

هذا رأي بسيط ومهم أنا أبديه في هذه المسألة عظيمة الشأن , لا على مستوى التعليم فقط ولكن في كل المجالات , لأن الذي يغش في شيء يمكن أن يغشَّ في كل شيء .

والله أعلم بالصواب , وهو وحده الموفق والهادي لما فيه الخير . 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق