]]>
خواطر :
يا فؤادُ، أسمع في نقرات على أبوابك تتزايد... أهي لحب أول عائدُ ، أم أنت في هوى جديد منتظرُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عن الدعاء للكافر أو عليه :

بواسطة: عبد الحميد رميته  |  بتاريخ: 2013-04-27 ، الوقت: 23:51:08
  • تقييم المقالة:

بسم الله

عبد الحميد رميته , الجزائر

عن الدعاء للكافر أو عليـه

قرأ لي أخ عزيز هذه الفقرة من موضوع طويل نشرتُه في الأيام الماضية في منتدى من المنتديات "لو فرضنا بأن بوش( عدو الله ورسوله ) هداه الله في يوم من الأيام إلى الإسلام وصلُـح أمره واستقام حالُـه وأصبح عالما من علماء المسلمين أو داعية من الدعاة إلى الله . نفرضُ أن ذلك وقعَ , ولا دليلَ أبدا على أنه لن يقعَ , لأن علمَ الغيبِ علمُـه عند الله وحدهُ .  هل يجوزُ لنا عندئذ أن نقول " لا يا الله أنا لن أتبع بوش حتى ولو كان هو عالم أهل السنة والجماعة الوحيد في الدنيا اليوم " !!!. هل يجوزُ هذا , وهل يُباحُ هذا ؟! . والجوابُ هو " لا وألف لا . إن هذا لا يجوز أبدا وهو حرامٌ بكل المقاييس وأولها المقياس الشرعي ". إن المطلوبَ مني إن هدى اللهُ بوش وأصبح عالما أو داعية , أن أُحوِّلَ كراهيتي له إلى حب وأن أُحوِّلَ حرصي على مخالفته إلى حرص على اتباعه والاقتداء به وأن أُحوِّلَ دعائي عليه بالشر إلى دعاء له بالخير , ...ثم أتمنى في النهاية أن يحشرني الله معه – يوم القيامة - ومع غيره من العلماء والدعاة في كل وقت , ومع الأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين" .ا. هـ. قرأ لي الأخ الكريم هذا الكلام ثم سألني – مشكورا - فقال " هناك كفارٌ كفرهُم صريحٌ مثل بوش وغيره من المعادين للإسلام والمسلمين , ومنه فلا يليق أن ندعو لهم بالهداية كأننقول ( اللهم اهد بوش ) . أنا يبدو لي بأن هذا الدعاء فيه نظر , والله اعلم .كما عادى بوش المسلمينوقتل وسفك دماءهم , فإنني أرى بأنه لا يليق بنا إلا أن ندعوا الله أن ينتقم منه وأن يسلط عليه عذابه الشديد . ما رأيك ؟! "   .
فأجبـتُـه قائلا:
مما هو معلوم بداهة في ديننا أنه لا يجوز لنا أن نترحم أو أن نستغفر لكافر أو مشرك " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربي من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم" , أي بعد أن نتأكد – بيقين - من أنهم ماتوا بالفعل على الكفر أو الشرك . وأما من مازال حيا منهم , فإنه مهما حارب الله ورسوله والإسلام والمسلمين يجوز لنا أن ندعو له بالخير وبالهداية , فإذا هداه الله جاز لنا بعد ذلك أن نستغفر له ونـترحم عليه . ومنه فإن من دعا على كافر أو مشرك ( مازال لم يمت بعدُ مثل " بوش" حاليا ) بالشر وبأن ينـتقم الله منه وبأن يعذبه الله في الدنيا وفي الآخرة جاز له ذلك بلا ريب أو شك . وأما من دعا له بالخير وبالهداية وبالإسلام والإيمان  فإن ذلك جائز له كذلك وبكل تأكيد . ومنه فإنني – شخصيا – ومع أنني أُبغض بغضا شديدا " بوش " ومع ذلك فإنني أتمنى ومن أعماق قلبي لو يهديه الله للإسلام والإيمان . إن هذا يفرحني وسأعتز به كل الاعتزاز وسأحـتـفل بذلك تعبيرا مني عن فرحتي بانضمام مسلم آخر ومؤمن آخر إلى قائمة المسلمين المؤمنين الموحدين لله تبارك وتعالى . أنا أدعو أحيانا بأن ينتقم الله منه دنيا وآخرة ( وهذا جائز لي ) , وأنا أدعو في أحيان أخرى قائلا " اللهم اهده إلى الإسلام . وأما إن سبق في علمك يا الله أنه لن يهتدي فإنني أسألك أن تُـخزيَـه في الدنيا قبل الآخرة " اللهم آمين ( وهذا جائز لي كذلك ) .

       1- هل مثلا لو أتيحت لي الفرصة للتحدث مع بوش عن الإسلام ودعوته إلى الإسلام و ... هل أُغلق هذا الباب أمام نفسي وأمامه هو وأقول له " باب التوبة مغلق أمامك أنت يا بوش لأنك حاربت الله ورسوله والمسلمين كثيرا , وأنت لذلك لا يصلحُ لك إلا انتقام الله منك "!!!. هذا موقفٌ لا يصلح أبدا من الناحية الشرعية , لأن باب التوبة مفتوحٌ أمام العباد ( كل العباد ) ما لم يغرغر أحدهُم , أي ما لم يصل إلى لحظات الاحتضار قبيل وفاته . ثم هذا موقفٌ لا يصلح شرعا لأن الله وحده أعلم بمن ينـتقم منه ومن يعفو عنه , وهو وحده أعلم كذلك بمن يخـتم له بالخير ومن يخـتم عليه بالشر , وهو وحده أعلم بمن يستحق رحمته ومن لا يستحق إلا عذابه .

        2- ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"  أو " خير لك مما طلعت عليه الشمس" ولم يستـثن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا مهما كان فاسقا أو فاجرا أو كافرا أو مشركا أو منافقا أو عدوا لله ولرسوله وللمؤمنين والمسلمين .

        3- ثم إن مات شخصٌ على الكفر ثم أدخله الله يوم القيامة النار , فإننا لا نشك أبدا ولا يجوز لنا أن نشك أبدا في عدل الله ثم في رحمته سبحانه وتعالى , حتى ولو عاش هذا الشخصُ ألفَ سنة والناس لا يعرفون عنه إلا أنه عابد لله تقي نقي ورع زاهد و... يجب أن نكون على يقين ما دمنا مسلمين مؤمنين أن الله ما أدخله النار إلا لأنه يستحق النارَ , ولأنه يعلم منه ما لا يعلمه الناس منه , ولأنه يعلم الظاهر والخفي وأما الناس فلا يعرفون إلا الظاهر فقط , , ولأن الله هو العدل " ولا يظلم ربك أحدا" .

وفي المقابل : إن مات شخصٌ على الإسلام ثم أدخله الله الجنة يوم القيامة , فإننا لا نشك أبدا ولا يجوز لنا أن نشك ولو للحظة من الزمان في عدل الله  ثم في رحمته سبحانه عزوجل , حتى ولو عاش هذا الشخص ( مثل بوش وأكثر من بوش , وفرعون وأكثر من فرعون ) ألف سنة والناس لا يعرفون عنه إلا أنه كافر ومشرك وعدو للإسلام والمسلمين , ولا يعرفون عنه إلا  أنه عاش أغلب حياته يحارب الأرض والسماء بالليل والنهار بالقول والفعل , ولا يعرفون عنه إلا أن فيه وعنده " العيوب السبعة " كما يقول الناس في مَـثَـلهم المشهور , ولا يعرفون عنه إلا أنه لم يفعل في حياته خيرا قط . يجب أن نكون على يقين ما دمنا مسلمين مؤمنين أن الله ما أدخله الجنة إلا لأنه يستحقها ( برحمة الله طبعا )  , ولأنه يعلم منه ما لا يعلمه الناس منه , ولأنه يعلم الظاهر والخفي وأما الناس فلا يعرفون إلا الظاهر فقط , , ولأن الله هو العدل " ولا يظلم ربك أحدا" , ولأن الله أحكمُ الحاكمين إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[المائدة:118] . وهذا الكلام – كما هو واضحٌ - يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل ، فإنه هو وحده الفعال لما يشاء  لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

        4- ثم مما نعرفه من سيرة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أن قومَـه بمكة حاربوه طويلا حربا شعواء طويلة وعريضة , انطلاقا من بغضهم له ولله وللدين وللحق وللعدل و ... وأتيحت له الفرص الكثيرة ليدعو عليهم فيستجيب الله له بإذنه تعالى , وعرض عليه الملَـك أن يُـطبق عليهم الجبلين فرفض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واختار الدعاء لهم , وأتيحت له الفرصة في فـتح مكة أن يقـتلهم عن آخرهم , ومع ذلك فإنه لم يفعل بـل قال " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" و " إذهبوا فأنتم الطلقاء" و قال الله له " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك , فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر " وقال الله عنه "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عندتم حريص عليكمبالمؤمنين رؤوف رحيم ، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو ربالعرش العظيم" .

        5- ثم مما نعلمه من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان جبارا في الجاهلية , ومع ذلك ما قال رسول الله بأنه لا يصلح له إلا انتقام الله منه , بل كان يدعو الله بأن ينصر الإسلام ويُـعزه بأحد العمرين (اللهم أعز الإسلام بأحد العُمرين) , و هما عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام. إن عمر بن الخطاب كان جبارا في الجاهلية , ومع ذلك دعا رسولُ الله اللهَ عزوجل بأن يهديه ويُعز الإسلامَ والمسلمين به . والله استجاب لدعائه فهدى عمر الذي أصبح عظيما من عظماء الإسلام . وعندما أسلم عمر فرح رسول الله والمسلمون بذلك فرحا شديدا مع أن بأسه كان شديدا على المسلمين قبل إسلامه رضي الله عنه .

 وأما الرجل الثاني " عمرو بن هشام " الذي هو أبو جهل , والذي هو من هو في عداوته للإسلام والمسلمين , والذي كان فرعونا من الفراعنة الكبار الظالمين الفاسدين في عصره , ومع ذلك دعا رسول الله اللهَ عزوجل أن يهدي ويُعز الإسلامَ بأحد رجلين : هو أو عمر بن الخطاب . وعندما دعا رسولُ الله اللهَ عزوجل أن يهدي أحدهما وأن يُعـز الإسلام به كان كل من الرجلين كافرا , بل كان جبارا في الكفر .

       6- ثم إن خالدا بن الوليد رضي الله عنه حارب الإسلام والمسلمين لسنين طويلة وكان بأسه على المسلمين شديدا جدا , ومع ذلك لم يتمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا أن ينتقم الله منه بل كان يتمنى باستمرار له الهداية والإسلام والحق والخير , وعندما هداه الله إلى الإسلام فرح بإسلامه فرحا شديدا , وسماه " سيف الله " .عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : "نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً فجعل الناس يمرون فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا ؟ , فأقول : فلان , حتى مر خالد , فقال : من هذا ؟ , قلت : خالد بن الوليد , فقال : نِعْمَ عبد الله , هذا سيفٌ من سيوف الله" رواه الطبراني في الكبير وابن سعد في الطبقات والحاكم في المستدرك .

       7- ثم إن " وحشي بن حرب " الذي قتل عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم " حمزة بن عبد المطلب " الذي كان عزيزا جدا عنده وكان يحبه كثيرا , لأن بلاءه في الإسلام كان كبيرا وعظيما ولأنه أصبح بعد ذلك سيد الشهداء رضي الله عنه وأرضاه . ومع ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل بأن وحشيا لا يستحق إلا انتقام الله منه , بل فرح كثيرا بإسلام " وحشي " فيما بعد ( أي عندما أسلمَ ) مع أنه كان قاتلا لحبيبه وعمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه .

       8- رسول الله محمد صلى عليه وسلم كان يحرص على إسلام عمه أبي طالب حتى مات , وكان يقول له قبيل وفاته " يا عم ! قل لا إله إلا الله أشفع لك بها عند ربي " , أي حتى وإن لم تفعل خيرا , أي حتى ولو قلـتَـها ثم مِـتَّ على الإسلام بعد ذلك . أليس هذا قمة الأدلة على جواز الدعاء للكافر . إن رسول الله كان يتمنى إسلام عمه أبي طالب من أعماق قلبه , ثم حزن حزنا شديدا على عمه لأنه مات على الكفر ( وكذا لأنه فقد بموته ناصرا ومعينا ) . حزن رسول الله لأن الله لم يهد عمه أبا طالب فأنزل الله عليه " إنك لا تهدي من أحببت , ولكن الله يهدي من يشاء " .

ملاحظة : واضحٌ بأنني لا أتحدث الآن عن الأولى والأفضل , وإنما أنا أتحدثُ عن الدعاء للكافر المحارب للإسلام , الدعاء له بالهداية للإسلام : هل يجوزُ ويباحُ أم أنه لا يجوز وهو حرام ؟!.

       9- مع أنني من أنصار سعة الصدر وعدم التعصب في المسائل الخلافية الفرعية الثانوية الاجتهادية , ومع ذلك فإنني أؤكد هنا لأختمَ الحديث في هذا الموضوع , أؤكد على أنه لا خلاف بين عالمين مسلمين من علماء الدنيا كلها من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى اليوم , على أنه يجوز الدعاء للكافر بالإسلام ( مادام لم يمت بعد ) . وإذا أراد شخصٌ أن يبحث عن عالم واحد من علماء الدنيا كلها يقول بأن الدعاء للكافر – مهما كان محاربا للإسلام -  بالهداية للإسلام , أمر لا يجوز وأنه حرام , فأنا أدعوه من البداية وأقول له " لا تُـتعب نفسك . لن تجد عالما أو نصف عالم أو ربع عالم أو عشر عالم أو شبه عالم أو ... يقول بأن هذا الدعاء للكافر حرام ". هذا مستحيل ثم مستحيل ثم مستحيل .

إن الله حين قال " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله . إن الله يغفر الذنوب جميعا , إنه هو الغفور الرحيم" , الله لم يستثن أبدا من باب التوبة المفتوح عبدا من عباد الله , سواء كان " فرعون " مع سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام أو كان " بوش " معنا نحن مسلمي اليوم أو ...

هذا والله ورسوله أعلم بالصواب . اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة آمين .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق