]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المعرفة العقلانية

بواسطة: محمود جمعة  |  بتاريخ: 2013-04-27 ، الوقت: 21:58:52
  • تقييم المقالة:

لكى ندرك ما هى المعرفة العقلانية وكيف تتم بالإنسان، فلابد من معرفة المعانى الحقيقية للإرادة  والخاطرة والنية والعادة، حيث تنفرد المعرفة العقلانية عنهم جميعا بوجودها المقتصر على البشر، ومما يفرض على الأرادة والخواطر والنية والعادة سمو يقترن بهذا التفرد العقلانى الموجود بالإنسان.

فالمعرفة العقلية هي أميز معرفة لكل حق وأسمى معرفة عند تميزها للغيبيات ويعلوها تميز وجه الله تعالى، وبها  دون عن كل المخلوقات يتم تميز الزمان والمكان، فالمعرفة العقلية إيمانية يقينية تشمل تميزها للغيبيات عند كل تميز بين كل حق وباطله، ولذلك تتسم تلك المعرفة العقلية بإعجاز تميزها الذهني، ولتوضيح ذلك أطرح تصور بسيط  بقولى لإنسان ما، إني أسمعك بقلبي أو أكلمك من قلبي، فرغم التجاوز بالمنطوق لأن السمع يكون بالأذن والنطق بالفم، فأنه أقرب ما يكون للصدق والصراحة والوضوح، وأيضا بالرغم من الاتصال العصبي والعلاقة المباشرة بين التكلم والسمع وبين المخ، فلا أستطيع أن أقول إني أسمعك بمخي أو أكلمك من مخي، وإذا قال شخص لا يعقل لأخر أنى قد وضعت إنسان أكرهه وأبغضه بمخى، فأنه قد وضعه تحت كيده وفتنته والدسيسة له، بينما أذا قال إنسان لأخر أنى وضعت فلان بقلبى، فذلك يعنى أنه يكن له قدر كبير من حب واحترام وتقدير، وبذلك توضيح بسيط لكيفية هيمنة العقل على المخ وتحكمه، رغم أن العقل متخصص للغيبيات، والمخ متخصص ماديات موجودة، وبعد أن أدركنا المفهوم الحقيقى للعقل والتعقل كما بقول الخالق العظيم، يدرك كل مسلم أن كل صفات النور العقلانية بقلبه لها الفعل والسيطرة والهيمنة على المخ والجوارح، ولذلك سأتناول ثلاث صفات قلبية نورانية عقلانية فقط أبين بهم كيف يسيطروا على التوجهات والدوافع وعمل المخ ومن خلال إرتباط بمعرفة المعانى الحقيقية للإرادة  والخاطرة والنية والعادة، والثلاث صفات: الحب والتقوى والخوف من الله بكل  المسلمين والمؤمنين، فالمسلم لا يرتقى لدرجة الأيمان إلا بالحب، والمؤمن يجاهد بنفسه وماله وأهله وحياته لحب الله ورسوله، فأين الفكر والمادة وكنوز كل الدنيا وحوائجها إمام ذلك الحب، وكل من ترقوا بدرجات عظمى من الحب الآلهى يغنيهم حب الله عن كل الدنيا والتي يستطيعوا أن يملكوها بدعاء، لنجد هؤلاء العباد الذين قد أحبهم الله، يعيشوا بنعيم خلد مقيم، ثم يترقوا هؤلاء العباد لدرجة بها من وصف للنعيم والسعادة ما لا يستطع مخلوق إيفائه حقه، ويكفى تلك المحبة شرف وإجلال وتبجيل إنها من الله واهب كل شيء وخالق كل مخلوق وواجد كل موجود بما ليس كمثله شيء، وكذلك فكل إنسان قد أحب غيره بإخلاص لوجه الله، فإنه يرضيه تضحية جسيمة على ألا يفقد من يحب، حيث يجد سعادة تغمره كلما زاد حبه لغيره لوجه الله،

فحينما يحب الإنسان، ذلك المخلوق الضعيف الذي لا يملك من روحه وجسده ونفسه وكل حياته شيء، فإن ما يمنحه المحب لمن يحبه، به ما لا يستطيع منحه كل من يحيط بذلك المحب من بشر مهما زاد عددهم أو كان بحوزتهم لمتاع وكنوز كل الدنيا، فما بالنا بحب من بيده كل الأمر وملكوت كل السموات والأرضيين بما ليس كمثله شيء، وواهب وعاء الحب للقلوب التى بها يتم تميز حق ذلك الحب، فيجد المحب لله ورسوله بكل ركن لأركان إسلامه متع مختلفة من نعيم عطاء الله، حيث ينتقل من متع تنوع الحياة بأشكالها وألوانها، لمتع طاعة واستخدام ما سخره الله له بكل وجميع مخلوقاته، ومن متع ما أنعم الله عليه من جوارح لمتع عباداته، ويجد بحمل الأمانة الربانية نعيم جنة الآخرة بدنياه، بالإضافة لذلك فالمحب لله ومهما كانت درجة حبه، يرى بجوارحه بما يقدره الله، ويسمع بإذنه لما يريده الله، وتكون كل متع جوارحه وما تدركه بحقيقة إدراكه، وبعين يقين المتعة، وليس بزيف ما يهيئه أعداء الله أمام المسلم، ليدرك بجوارحه، ما آلفوه أعداء الله للباطل، وهم صم بكم عمى لا يعقلون، ويقول أبو القيم:

[القلب بسيره إلى الله عز وجل، بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتى سَلِمَ الرأس والجناحان، فالطائر جيد الطيران، ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى فُقد أحد جناحيه فهو عُرضة لكل صائد وكاسر. فالمحبة هى الحياة، من حرمها فهو من جملة الأموات، وهى النور الذى من فقده فهو فى بحار الظلمات، وهى الشفاء الذى من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام وهى اللذة التى من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهى قوت القلوب وغذاء الأرواح وقوة العيون، وهى سمة المسافرين إلى ربهم وعنوان طريقهم ودليلها، فكما يدل العنوان على الكتاب تدل المحبة على صدق الطالب وإنه من أهل الطريق، وهى معقد نسبه العبودية، فالعبودية معقودة بها بحيث إذا أنحلت المحبة أنحلت العبودية وهى روح الإيمان والأعمال التى متى خلت منها فهى كالجسد الذى لا روح فيه، والمحبة تحمل أثقال السائرين لبلاد لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبداً واصليها وتُبوّءهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وقد قضى الله يوم قدّر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب...فيالها من نعمةٍ على المحبين سابغة] انتهى مما نقلته من رواح مسك كتابات ابن القيم عن المحبة من العبد لله تعالى والتى هى بالأصل منة وكرامة، وفضل من حب الله لعباده من البشر، ويكفى تلك المحبة شرف وإجلال وتبجيل إنها من الله واهب كل شيء وخالق كل مخلوق.

 وقال ابن القيم بموضع أخر : المحبة سكون بلا اضطراب واضطراب بلا سكون، فيضطرب القلب فلا يسكن إلا لمحبوبه، فيضطرب شوقاً إليه ويسكن عنده. وقيل المحبة: القيام بين يديه وأنت قاعد ومفارقة المضجع وأنت راقد، والسكوت وأنت ناطق، ومفارقة المألوف والوطن وأنت مستوطن، فإن المحبة توجب سفر القلب نحو المحبوب دائماً والمحبة وطنه وتوجب مثوله وقيامه بين يدي محبوبه وهو قاعد وتجافيه عن مضجعه ومفارقته إياه وهو فيه راقد وفراغه لمحبوبه كله وهو مشغول فى الظاهر بغيره، وقال تعالى بحق المحبين {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً} السجدة16. ومن أجمل ما قيل عن المحبة: قول الجنيـد (وهو أبو القاسم الجُنيد بن محمد الخزاز البغدادى، أصله من نهاوند ومولده ونشأته بالعراق كان فقيهاً على مذهب أبى ثور توفى سنة297هـ، من كلماته:أن الكلمة من القوم لتـقع بقلبي فلا أقبلها إلا بشاهدي عدلٍ من الكتاب والسنة) فذكر أبو بكر الكتانى: جَرت مسألة فى المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها وكان الجُنيد أصغرهم سناً فقالوا:ما عندك يا عراقي؟ فأطرق برأسه ودمعت عيناه ثم قال: عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله فهو بالله ولله ومع الله .. فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد جزأك الله يا تاج العارفين)انتهى ما نقلته من العالم الجليل تلميذ أبن تيمية شيخ الإسلام ومرجع السنية الأول.

 ونلاحظ بذكر ابن القيم  للمرجع الصوفي الأول كتب عنه: (أن الكلمة من القوم لتـقع فى قلبي فلا أقبلها إلا بشاهدي عدلٍ من الكتاب والسنة) ومن حكمة الرب العظيم أن قيمة الإنسان تتوقف على ما بقلبه وما عقله، فأين العقل بألوف مؤلفة لجماهير الكنانة بعد الثورة يتهافتون بتقصير مفرط لوسطية خير أمة فيما يدعونه أحزاب سلفية وصوفية وأخوان مسلمين، وأكمم لما سوف يظهر بميل وإفراط وتطرف وتقصير عن وسطية خير أمة الإسلام، أين العقول الإسلامية من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم).

 وقال الرسول عليه الصلاة والسلام (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا هي القلب) فالقلب الذى لا يعقل يكون قاسى كالحجر واشد قسوة، وهو قلب فاسد ميت من كل معاني الحياة الإنسانية، ويتضح ذلك القلب جلياً بالقاسطون من الكفرة والمسلمين، ونموذج لهم بشار سوريا، وما ناله كل البشر ويؤخذ من اليهود من موت، ودمار وفناء على مدى دهور تاريخ البر دلالة بتطرفهم المجرم، وما تبثه مواقع ممارستهم للحب بزعمهم من ملاين مواقع الإباحية اليهودية، لدليل دامغ وقرينة لسفح سافر للعقول من قاسطون الكفر، فالحب بشريعة الدين الحنيف دعامة الحياة كلها، ويقول الله عز وجل بالآية 24سورة التوبة: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ويقول تعالى بالآية 13 سورة أل عمران: (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) وقال الرسـول عليه الصلاة والسـلام بأحاديث صحيحة حسنة ما يلي:

  1ـــ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.

 2 ــ ثلاث منكن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء أخيه لا يحبه إلا لله، وأن يكره      أن يعود إلي الكفر كما يكره أن يقذف به فى النار.

  3 ــ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه.

  4 ـ أذا أحب الرجل أخاه فليخبره انه يحبه.

   5ـ سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل ألا ظله إمام عادل، وشاب نشأ فى عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق فى المساجد ورجلان تحابا فى الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته أمرآه ذات حسن وجمال فقال أنى أخـاف، الله ورجـل تصدق بـصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه،ورجل ذكر الله خالياٌ ففاضت عيناه .

  6ـ والذى نفسي بيدي لا تدخلوا الجنة حتـى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم.        

  7 ـ أذا أحب الله تعالى العبد نادي جبريل إن الله يحب فلاناٌ فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول فى الأرض.

 وقد كثرت الأحاديث النبوية الشريفة الدالة على ما لصفة الحب من تقدير وثواب من الله تعالى للمحبين لوجه الله، لأذكر منها ما رواه مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عـن النبي صلى الله عليه وسـلم(أن رجلاٌ زار أخاٌ له فى قرية أخرى فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكاٌ، فلما أتى عليه قال أين تريد؟ قال:ـ أريد أخا لى فى هذه القرية قال:ـ هل لك عليه من نعمه تردها عليه؟ قال لا إني أحببته فى الله تعالى قال:فأنى رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه).

وبكتاب الأناجيل قول رسول الله عيسى بن مريم الله محبه، وعن أبى موسى الاشعرى رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:ـ (المرء مع من أحب)، وعن أنس أبن مالك رضى الله عنه أن أعرابياٌ قال للرسول عليه الصلاة والسلام: متى الساعة قال الرسول عليه الصلاة والسلام ما أعددت لها؟ قـال حب الله ورسوله قال أنت مع من أحببت، وفى رواية:ـ ما أعددت لها من كثير صوم ولا صلاة ولا صدقه ولكنى أحب الله ورسوله، فتراكم الصفات النورانية القلبية العقلانية خاصة صفـة الحب بأعلى توجهاته السامية الخالصة لوجه الله يجعل من ممارسة المؤمن لعمله وعبادته ونفسه وجسده، أنغمة توحيد واحدة موحده مع كل وجميع الكائنات تسبيحا لله، وكأن نفسه أصبحت بلا فجور، فصارت كالنور تشع ضياء، وتخبو باقتراب أدنى ظلمات قد تؤثر بسموها، فحينما يحب رئيس مجلس الإدارة جميع العاملين بمؤسسته لوجه الله، وحينما يحب الملاك مستأجرى أملاكهم، وحينما يحب الرعاة رعيتهم، وبالجميع علاقة حب متبادلة لوجه الله لتكونت المدينة الفاضلة من السعادة والرقى الإنسانى والتى تراود أحلام الأدباء، وإذا تحاب الفصائل المختلفة بكا الأوطان العربية لتتوج كل العرب أعلى قمم السعادة والرقى والتحضر، ويكفى معية الخالق العظيم مع هؤلاء المحبين من أجل كريم وجهه سبحانه وتعالى، وتزود هؤلاء المحبين بغذاء النور لأنفسهم وأجسادهم وأرواحهم، وفى ذلك بناء حصين للنفس الإنسانية، فتراكم صفات العقل بالقلب كبناء لبنات الدعامة الذاتية ضد فجور النفس ونداء الدنيا ومغريات ومكائد اليهود والشياطين، ليحدث التوازن القياسي بين النفس والجسد والروح، ويحدث التآلف والتوحد وكأنهم شيء واحد مع أنغمة التوحيد الواحدة ألموحده للخالق العظيم.

فبالحب وحده كأكبر صفة عقلانية سامية بمعناه وأهدافه يعرف بها البشر، حينما يكون بأسمى درجاته بتوجهه لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من أجل تحقيق كل الخير والسلام للبشر دنيا وأخرى، يحرر النفس والجسد الإنسانى من كل القيود، ويسمو بالنفس الإنسانية لدرجات ملائكية.

 أما تقوى الله والخوف من الله فتتضح تحكموهما وهيمنتهما بجميع التوجهات والماديات بكل مسلم، فبتقوى الله بالمسلم وعند خروج ريح بعد وضوئه فإنه يعيده، حتى إذا تكرر ذلك مرات ومرات أو كان بالأمر مشقة، أو لم يدرى أحد بالأمر، فالنفس التقية ترى بنور تلك الصفة من حب الله وتقواه كل ما لا تدركه الجوارح، حيث تفرض صفات النور تميزها لحق تقوى الله، وحبه، فيتم عمل الحق لوجه الله وتقواه، على كل ما يمليه الشيطان والهوى والدنيا لأرتكاب الخطيئة، أو مقارنة عناء وكسب لغيبيات لا يدركها سوى العقل، أو أطروحات لأى كائن من كان من وراء تلك المعصية، لأفكار شيطانية أو لمنفعة دنيوية كاذبة، فإذا كانت وسوسة شيطان، لمجرد تجربة فقط واكتساب الخبرة للوقاية من ارتكاب المعصية لشهوة عابرة، فهنا تفرض صفة حب الله وتقواه، وصفات الفضيلة والعفاف والشرف والنزاهة والحب، وكثير من صفات القلب نورها على جميع الوساوس، فيتيقن المسلم أن اكتساب الفضيلة والخلق القويم، أفضل وأرقى وأنزه من خبرات العهر والخلق الفاسد، فيهديه الله، وإذا ألح الشيطان بتذوق طعم المعصية، فلا يوجد ما يمنع حدوث ذلك، أو رقيب، وإنها فرصة ثمينة لن تتكرر، فتهتف به صفات عقله بفؤاده أن طعم العلقم أخف وطأة وكراهية، بل بطعم المعصية يكون الضرر والشر والهلاك، والرقيب هو الله ولا مفر منه، وإذا هتفت النفس بفجورها من تملك وطمع واستئثار وأنانية أو حقد ..الخ فيما يطمع النفس، ويرضى غرورها وفجورها، ينبعث وينبلج من القلب ما يضاء به من صفات القناعة والعفاف والرضا..الخ لصفات العقل، فلن يشبع نفس الإنسان عدد ملئ الأرض ذرات رمل من المعاصي، وإذ تدانت الأفكار لدنيا الحياة، فلا منفعة أو حوائج تنتقل معنا لعليا الحياة، وهكذا يعمل العقل بتميز حق صفات نور القلب عن باطل ما تهيؤه الجوارح والماديات والإغراءات ووسوسة الشياطين من الأنس والجن، وباطل ما يميزه العقل الباطن خاصة للزمان والمكان أثناء النوم كما تميز كل المخلوقات لهما، ولينبلج الضمير الإنسانى ليقف كجدار فولاذى ضد اختيار باطل، فيقينه بالحق يجلى الحقيقة مهما تكاثفت المكائد ، فالله من بيده كل الأمر والمشيئة ولا حاجة لكل ما بالدنيا، وهى للمتعقل أذا أرادها بإخلاصه لنفسه التى بين جانبيه، فيعيش حياته برؤية لكل حق وتعمل بصيرة قلبه لعيناه، وتعقله وتفقهه وتدبره يساند كل جوارحه، فإذا واجهته كل نداءات النفس لفجور، أو يكف عن التزود بمنابع النور داخله وخارجه وحوله، أو حينما يلعب الشيطان بأخر أوراقه، قبل دخول العبد بمعيته الإلهية، ويصبح عبداً مخلصاً يوعز له بخوف من حسد، للوصول لدرجة عالية من الإخلاص، فتضمحل أصواته وتكتم، فلا حسد لجهاد ومعاناة بعيون حاسدين، فهم لا يرون بناء المؤمن للبنات النور، واغتراف للسعادة.

فالحقيقة التى قد أجلاها العلماء المسلمين، ويحاولا الكفرة طمسها هى أن الإنسان الحى هو الإنسان الذى يعقل، وتعتبر كلمة من سطر واحد من كينونة الكرامة والفضل من الله على الإنسان من بين كل المخلوقات، فليس معنى أن الكافر يعيش أنه حى يحي الحياة الإنسانية، فالحياة الإنسانية مقترنة بالعقل، والحياة الإنسانية منظومة عقلانية بتقدير ربانى بأسمى حرية بأن تعيش بمنظومة غريزية كالبهائم أو منظومة فكرية كالشياطين.

فالتكريم الربانى بهبة العقل للإنسان إرتبط بالإرادة والحرية، وتلك الثلاث من التكريم الآلهى للإنسان، اندمجا وارتبطا بالنفس الإنسانية لكل سلالة أدم، فإذا تخطينا العقل بكونه أفضل وأكرم نعم الله، وكما تبين فيما سبق، فإرادة النفس الإنسانية على أعضاء الجسد الإنساني، به من فضل الله وكرمه وإحسانه على عباده ما يسمو بذلك الجسد من درجاته الدنيا لأفاق سامية من الرفعة والعلو بكامل الكيان الإنساني، ويقول تعالى بالآيتين194، 195لسورة الأعراف: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ).

فإذا كانت نفس كل مسلم تسلم لله بعقلها، بأعظم شرف يتجلى بكل الأكوان، بعلاقة العبادة بين المخلوق والخالق، من خلال المعرفة العقلانية بكل إنسان مسلم لخالقه عز وجل، فكل جسد إنسانى بكل البشر يسلم لخالقة بالفطرة المسلمة التى خلقه الله عليها، وكل نفس لها أرادة للتحكم بأرجل يمشون بها خاضعة لحاملها بما اسماه الأطباء الإرادة النفسية، ولهم أيدي يبطشون بها خاضعة لإرادة النفس بقوتها العضلية، ولها أعين تبصر بها خاضعة لتحكم عصبي للرؤية بتلك النفس، ولهم أذان يسمعون بها خاضعة العقل لإرادة النفس على الاتزان السيكولوجي للدارات العصبية بالمخ والجهاز الدوري بالقلب، وتلك المنظومة الإرادية لا توجد سوى بالإنسان.

فما يراه المسلم لحياته ليس بسبب أو ترجمة لما يعايشه من زمان ومكان وأفعال وأحداث، وإنّما ما يراه فهو ما يحى به نتيجة لما يحيط بجسده من مخزون طاقات نورانية عقلانية بوجه الله الحق، فالمسلم المخلص لا ينظر للحياة بقدراته المادية لما يملكه من حوائج وفكر وجوارح، بقدر ما ينظرها بقلب يملأه صفات نور العقل، فحياته بعقله ولا يعيشها بصراع مع البهيمية المادية الشهوانية، والشيطانية الفكرية المتكبرة كما الكفرة، فتجرفهم الشهوانية البهيمية لأوحال مستنقعات نجاستها، والشيطانية الفكرية لدرجات من التعالى والتكبر والغرور تدنو من الإنسان وحياته للبهيمية والشيطانية، وبتوجه الكفرة للمنظومة الغريزية بلا مسارات نورانية بأجسادهم من عقل القلب يسبب لهم دمار بكل أجهزة الجسم وبه هلاكهم، فبحدوث خلل نتيجة صدمة بفقدان أهل أو مال أو متاع، يحدث ذلك الخلل، كنزيف بالمخ أو جلطة دموية أو شلل بأحدي أعضاء الجسم المختلفة، أو يدفعهم القنوط واليأس للانتحار، أو يلقوا بأنفسهم للتهلكة بحدوث ذلك الانهيار بمنظومة العمل الغريزى للكفرة المرانة قلوبهم بمختلف الظلمات، ويشمل ذلك الكفرة الذين بقلوبهم بعض صفات النور العقلانية، ولكنهم يعملوا بها بالباطل أو تكون لوجه الباطل، فلتلك الصفات القلبية النورانية بكل مسلم فعل نورانى يخفف من تفاقم أضرار الخلل بمنظومة العمل الغريزى، بالإضافة لفتور وتأخر عمل الظواهر العقلانية بهم، والتى رغم بلوغها درجات عليا بكل مسلم، لا تشغله اهتمام، فلأنه مع الله فيكفيه رضا الرب عليه، فيرى نعيم الجنة بحياته الدنيا تتمثل أمامه وتناديه، ومما حذا بقول شيخ الإسلام، أن كل من يدخل الجنة يراها بدنياه،

بالإضافة لذلك فتلك الظواهر العقلانية من مقارنة وقياس وأبعاد وزمان ومكان، تكون عند المسلم بدرجات عالية وبوجه حق، ورغم أن جميع الظواهر العقلية موجودة بكل الكفرة، ألا أنه عند استخدامها يكون بالباطل ولوجه الباطل، وبمواجهة مضادة وخامدة للفعل العقلى بدعاوى انطلاق وتحرر ورقى بخواطر شيطانية أو نوايا سيئة، وأذا ترجمت لحيز الفعل لأصبحت عادة تنمو وتتفحل بجذور النفس لتحطم تلك الأرادة النفسية المقترنة بأكرم وأفضل نعم الله.

ويتضح برواية واقعية يقين التميز العقلى للمسلم عن ضلال وباطل التميز الفكرى والعلمانى والليبرالى للكفرة والملحدين، فقد حدث أن إحدى الملحدين تحدى بمناظرة شيخ عابد مخلص ومتفقه بعلوم دين الله، بإحدى المدن الكبيرة على ضفاف نهر النيل بمصر، فوعده الشيخ بتحديد مكان المقابلة وميعاد بجهة مقابلة للقرية التى يقطنها على ضفة النهر، حيث يقطن ذلك الشيخ العابد الفقيه، وحينما حل الوقت لم يحضر الشيخ الفقيه، وتأخر بما يزيد عن الساعة من الوقت، ثم لاح لهم بمرأى النهر الشيخ بجوف شجرة تم أعدادها كقارب، ليلقى عليهم تحية الإسلام، ويذكرهم إنه وقبل كل شيء مر بحادث غريب وعجيب حدث له بالبر الأخر، فأثناء انتظاره للقارب بعد تأخره كثيراً، وجد بمحض الصدفة شجرة ورائه تطقطق ثم تسقط أفرعها ثم تطفو بالنهر بذلك الشكل الذى يرونه، فأخذت الملحد نوبة قهقهة وهو يصيح هو ده الفقيه بتاعكم، إزاى بتعقلوا كلامه، فقال له الشيخ: وما بقصتي لا يخضع للعقل؟ فقال له الملحد: كيف أصدق أن تلك الشجرة وحدها وبمحض صدفة طبقاً لكلامك، نزعت أفرعها وتحولت لقارب بذلك الشكل؟ فقال له الشيخ وكيف أناظرك بأن كل ذلك الكون المهيب بنظامه المحكم الدقيق البديع وجد بمحض صدفة ولا واجد له؟ .    

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق