]]>
خواطر :
رأيت من وراء الأطلال دموع التاريخ ... سألته ، ما أباك يا تاريخ...أهو الماضي البعيد...أم الحاضر الكئيب...أو المستقبل المجهول....   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رقْصُ المرايا .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-04-27 ، الوقت: 10:59:54
  • تقييم المقالة:

 

 

المِرْآةُ وحْدها تنجحُ ، بشكْلٍ واضحٍ ، في أن تعْكِسَ على صفْحتها ، الصُّوَرَ الحقيقية ، والظِّلال التَّابعةَ ، للأشخاص والأشياء .

والمَرْأَةُ أَشَدُّ تعلُّقاً بالمِرْآةِ ، والتصاقاً بها مدى سنين حياتها ؛ تنظُرُ إلى نفسها فيها .. تتأمَّلُ ذاتها .. تتفرَّسُ ملامحها .. تقيسُ أعضاءها .. تختبرُ فِتْنتها وغوايتها ... فترضى حيناً ، وتسخطُ حيناً آخر .. وتفرحُ في مناسبةٍ ، وتأْسَى في مناسبة ثانيةٍ .

وليس أصْدَقَ من المرآةِ عند المرأةِ ، حين تتطلَّعُ بعينيها إلى ما تعكسُ من جمالٍ أو قبحٍ .. وسِحْرٍ أو نفورٍ .. وصفاءٍ أو غبشٍ .. وعافيةٍ أو عِلَّةٍ ... فالمرآةُ (ناصحٌ أمينٌ) للمرأةِ . وكيف لا ، والشركة بينهما تامَّةٌ وعادلَةٌ ، حتَّى يمْكِنُ أنْ نُشَبِّهَهُما بالتَّوْأَمِ ، فحروفُهما مُتشابِهَةٌ تمامَ الشَّبَهِ ٌ !!

و(نعيمة القضيوي الإدريسي) ، في مجموعتها القصصية القصيرة جداً (رقص المرايا) ، كان هدفُها واضحاً ، وهي تسْتنطقُ المرايا ، وتُراقصها على أكثر من حبْلٍ ، وتُحاورُها في أكثر من موضوعٍ ، وهي تستعرضُ على وُجوهها صُوراً شتَّى من حالاتِ بناتِ جنسها . فاستجابتْ لها المرايا ، وكشفتْ لنا ـ نحن معشر القراء ـ عوالم خاصة بالجنس اللطيف ، تظهرُ فيها أعماقهن ، وأسرارهن ، وأفكارهن ، وأحلامهن ، ورغباتهن ، وأشواقهن ، وآمالهن ، وآلامهن ، وانتصاراتهن القليلة ، وانكساراتهن العديدة ... كما كشفت في أكثر من قصةٍ عن ضياعهن ، وخيبتهن ، في علاقات غير ناجحة مع الرجال ، بسبب أنانية هؤلاء ، وتسلطهم ، وغدرهم ، ونذالتهم . أو عن حيرتهن أمام واقعٍ يكونُ أحياناً قاسياً ، وأحياناً شرّاً لا بُدَّ منه ، والعنوسة مثلٌ يدُلُّ عليه .

والكاتبة بدتْ في هذه المرايا امرأةً ثائرةً ، حانقةً ، ومتمرِّدةً ، على الواقع غير المُنْصفِ ، والأوضاع السَّلبيةِ ، والجسد المُسْتعْبَدِ ، واللغة المحْتكرةِ ، والتعبيرِ المقَيَّدِ ، والكلام المباح وغير المباح . وهي بدلَ أن تفلتََ منها أعْصابُها ، وتثور ثوْرَةً هوجاءَ ، فتهْوي على المرايا كي تُهَشِّمَها ، وقفت وقفاتٍ شجاعةً ، وتسلَّحت بقلمٍ جريءٍ ، وأطلقت العنان لفرسِ خيالها ، لترْقُصَ في حلبةِ القصة القصيرة جدا رقْصاً مُنَوَّعاً ، يبدو تارةً كرقصِ الطَّيْرِ المذبوح من الألم ، وتارةً أخرى كرقصِ فتاة الباليه المعبِّرِ عن التحدّي .

وفي رأيي الشخصي أن أحسن رقصةٍ ـ قصَّةٍ ـ قامت بها نعيمة في هذا العرْضِ الفنِّي هي (بين ناريْن) ؛ ففي هذه القصة القصيرة جداً تتجلَّى مُعاناةُ المرأة المعاصرةِ ، وتخبُّطُها العنيفُ بين ما هو كائنٌ ، وبين ما يجبُ أن يكونَ ، ونرى أن المرأَةَ تقعُ في الحرامِ بينما هي تنزعُ نحو الحلال ... ولكن .. هو الرجل ، هي المرأة ، هو الواقع ، هي إكراهاتٌ يصعبُ أن يفْلتَ منها الجميعُ ، في هذا الزمان العنيدِ .

ما أصدقَ مرايا نعيمة !!

وما أوْجعََ رقْصََ كلماتها !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق