]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الزواجُ عِشْرَةٌ بالمعروفِ .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-04-26 ، الوقت: 15:20:55
  • تقييم المقالة:

 

أعظمُ علاقةٍ في وجودِ الإنسان ، هي العلاقة بين الرجل والمرأة ، وهي بالتحديد المباشر : الزواج .

والزواج في أشْهرِ تعريفٍ له ، هو علاقة بين رجل وامرأة ، على سنة الله ورسوله ، غايتهما الإحْصانُ ، والعفافُ ، والإكثارُ من سَوادِ الأُمَّةِ .

وفي أجمل وصف له ، هو رابطة مقدسة بين رجل وامرأة ، فيها سكنٌ ، ورحمةٌ ، ومودَّةٌ ...

وهو ميثاق غليظٌ ، يُحْفظُ به النَّسبُ ، والنَّسْلُ ...

وهو شِراكةٌ متينَةٌ بين ذكرٍ وأنثى ، يختلط فيها اللَّحْمُ والدَّمُ ، ويمْتزجُ الرُّوحان والجسدان ... ويمضي بهما عُمْرُهُما في زمانِ ومكانٍ مُوَحَّدَيْنِ . ويشهدانِ في حياتهما معاً نفسَ الحوادثِ والأحداث ، ويَجْتمعانِ ـ غالباً ـ في عَيْنِ المصير والمسير ، ولا يفترقان ـ في الحالة الطبيعية ـ إلاَّ أثناءَ الموْتِ .

ودينُ الإسلامِ أوْلى للزَّواجِ اهتماماً كبيراً ، وجَعلَ له مبادئَ وأصولاً ، يبدو بتوَفُّرِها عبادةً ، وعملاً ، وإحْساناً ، وخيراً ، وثواباً ...

فللأزواج شاْنٌ كبيرٌ عند الله ورسوله وملائكته ، ولهم مكانة خاصَّةٌ بين الأهل والمجتمع ، ولهم دَرجةٌ متميزة في لُغةِ الشَّرعِ والقانون ؛ فهم ليسوا كباقي الأفرادِ ، بل هم ـ حين التَّدَبُّر والتَّفكُّر ـ يظهرون أنهم آباءُ الناسِ وأمَّهاتُهم ، وهم أصْلابُهم وظهورُهم ، وهم أسبابُ خلْقِهم وحياتهم . ولذا فقد وجدنا كثيراً من الآيات تقْرنُ عبادةَ الله بالإحسان إلى الوالدين ، وتضيفُ رِضاهم إلى رضا الله تعالى .. ووجدْنا أحاديثَ تَجْعلُ الجنَّة تَحتَ أقْدامِ الأمَّهات .

والرَّجلُ لا يَحْصلُ على صفةِ الأب ، والمرأةُ على لقبِ الأُمِّ إلاَّ بالزَّواجِ .

وقبل أن تتحقَّقَ الأبُوَّةُ والأُمومةُ ، يسبق الزواجُ ، وقبل الزواج يكون الإختيارُ ، ويكونُ الرِّضا ، ويكون التَّوافقُ . فالرجلُ يختارُ ما يطيبُ له من النِّساءِ ، والمرأَةُ توافقُ على من ترضاهُ من الرجالِ ، وقد دلَّنا رسولنا الكريمُ على خيْرِ الإختيارات  ، وأحسن القرارات ، وهو ما قام على الدّينِ ، والخُلقِ ، والقُدْرة ، والكفاية ، عند الجنسين معاً ، والمرأةِ خاصَّةً ، لما تضطلعُ به من مهامَّ جليلةٍ في الوجودِ ، وأعْظمُها إنجابُ الأطفال ، وتنشئتهم ، وتربيتهم ، وإعدادهم للحياة .

وحين يتِمُّ الزواجُ ، ويأْملُ منه الزوجان النَّجاحَ ، والتوفيق ، والسعادة ، فإنَّ ذلك يتحقَّقُ بشرْطٍ أساسيٍّ ذكره الله في وحْيِهِ الخالدِ ، وأشار إليه النبيُّ في جوامع كلمِهِ ، وفطنَ إليه أهلُ الرَّاْيِ والحكمةِ ، وهو ( المعروفُ ) .

فالمعْروفُ هو إحسانُ العِشرة ، واستيفاءُ النَّفقةِ ، ورِعايةُ الحقوق والواجبات ، وصوْنُ الكرامة ، وبذْلُ العطاءِ ...

ولِحكْمةٍ يراها الله عزَّ وجلَّ فقد ذكر المعروفَ في كثيرٍ من  السور والآيات ، حين تحدث عن العلاقة بين الرجل والمرأة ، وجعله رُكناً أساسيّاً في  ذلك الميثاق الغليظ ، الذي يربطان به نفسيهما في الحياة ، واتخذه دستوراً صالحاً  للتعامل بينهما في أي حين ، وفي كل ظرف زمان ومكان .

وقد جعل الله العِشرةَ بالمعروف فريضةً على الرجال ـ حتى في حالة كراهية الزوج لزوجته ما لمْ تُصبحْ العِشرةُ متعذِّرةً ـ ( أنظر سورة النساء ، وسورة الطلاق ) .

فالإسلام ـ كما ذكر المفكر الشهيد سيد قطب (1966/1906) ، في كتابه : " السلام العالمي والإسلام " ـ لا يسرع إلى رباط الزوجية المقدس فيفصمه لأول وهلة ، ولأول بادرة خلاف . إنه يشد على هذا الرباط بقوة ، ويستمسك به في استماتة ، فلا يدعه يفلت إلا بعد المحاولة واليأس والمُحال .

إنه يهتف بالرجال : { وعاشروهن بالمعروف ، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } .. فيميل إلى التَّريُّثِ والمُصابرة حتى في حالة الكراهيَّة ، ويفتح لهم تلك النافذة المجهولة : { فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } .. فما يدْريهم أنَّ في هؤلاء النسوة المكروهات خيراً . وأن الله يدَّخِرُ لهم هذا الخير فلا يجوز أن يُفْلتوه ، إنْ لم يكن ينبغي لهم أن يستمسكوا به ويُعزُّوه !

وليس أبلغ من هذا في اسْتِحْياءِ الانعطاف الوجداني واستثارته ، وترْويضِ الكُرْهِ وإطفاءِ شرَّتِه .

وقال أيضا ، رحمه الله ، في تفسيره : " في  ظلال القرآن " :

ـ والإسلام الذي ينظر إلى البيت بوصفه سَكناً وأمْناً وسلاماً ، وينظر إلى العلاقة بين الزوجين بوصفها مَودَّةً ورَحْمةً وأُنْساً ، ويقيمُ هذه الآصرة على الاختيار المطلق ، كي تقومَ على التجاوب والتعاطف والتحاب .. هو الإسلام ذاته الذي  يقول للأزواج : « فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا » كي يستأنى بعقدة الزوجية فلا تفصم لأول خاطر ، وكي  يستمسك بعقدة الزوجية فلا تنفك لأول نزوة ، وكي يحفظ لهذه المؤسسة الإنسانية الكبرى جديتها فلا يجعلها عرضة لنزوة العاطفة المتقلبة ، وحماقة الميل الطائر هنا وهناك . 

ولعلَّ أكبرَ سببٍ لكثيرٍ من التصدُّعاتِ ، والإنهيارات ، في البيوت الإسلامية التي تنفصمُ فيها عُرى الرّابطةِ الزوجية بين الأزواج ، وفي هذا العصر خاصَّةً ، هو غيابُ المعروف ، وعَدمُ الأخْذِ به في عديدٍ من الحالات والمناسبات .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق