]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فرنسا , العشق الحرام .

بواسطة: هشام الدراز الشجري  |  بتاريخ: 2013-04-24 ، الوقت: 12:49:34
  • تقييم المقالة:

 


زيارة كزيارة الرئيس الفرنسي "هولند" للمغرب تستحق كتابا وليس فقط مقالا . و ما كان لزيارة مثل هذه أن تمر دون أن نعطي رأينا فيها . رأي لن تسمعه حتما في الإعلام العمومي المتحكم فيه . 
طبعا للنظام حساباته التي هي مركِزة جدا . -أكثر من اللازم - . على الشرق حيث الجزائر . أما المواطن العادي فمن حقه أن لا يفكر في الجزائر . من حقه أن يفكر بطريقة أخرى . فالعناد بين النظامين المغربي والجزائري لا يعبر عنه إلا اسم المعبر الحدودي بينهما "جوج بغال" , طبعا فرنسا -وغير فرنسا- , تحب كثيرا هذا العناد . وتشجع عليه . والحكام على طرفي الحدود يعرفون أن فرنسا تقدرهم لأنهم ينساقون مع العناد البغلي . فيتمادون فيه , حرصا على الحصول على مزيد من التقدير الفرنسي . 
استقبال النظام ل"هولند" بألف من الزرابي وما يزيد . وبملايين الدراهم فقط من أجل تنظيف العاصمتين الاقتصادية والسياسية . وبالتجييش الإعلامي النظامي . أمر له دلالات كثيرة . 
منذ زمن طويل لم أسمع التعليقات البروباغاندية للمذيع المنتمي للعصر الطباشيري "مصطفى العلوي" في القناة الأولى . لكن أتخيله يصف الرئيس بصديق المغرب الكبير , بالحليف الاستراتيجي , وبالضيف المتميز . بل لا أستغرب أن يطلق عليه لقب "ملك ملوك الإفرنجة" , و"عظيم أوروبا" , و"كسرى الروم" . ف"مصطفى العلوي" مدفوع الأجر , ليعيش في عصر فتوحات خيالية . نماء خيالي . وازدهار خيالي .
ألف زربية وما يزيد , أمر دوخ وزير "قلة التربية" , فاعتقد نفسه في حفل البيعة . وبما أنه مبرمج على أن يركع إن رأى الزرابي ركع للرئيس الفرنسي . فكان أسوء من المواطن الجزائري الذي قبل يد رئيس دولة جيشها قتل مليونا من مواطنيه . 
في بضعة أيام رُقعت الحفر التي من المحتمل أن يراها الرئيس الديموقراطي , الذي يساند نظاما متخلفا مستبدا وناهبا لثروات شعبه . رُقعت الحفر , أُصلحت المصابيح , زُينت الواجهات , غُرست الأشجار , كَبرت الورود , وأصبحت واجهة البيضاء شبيهة بواجهات باريس , أمستردام , أو لندن . 
لكن إذا كانت الواجهات سهلة الإصلاح فالدواخل ليست بتلك السهولة . ولم يتم إصلاح أي شيء هو ضروري الإصلاح , كالقضاء أو التعليم , أو النظام الإنتخابي , أو الإعلام , أو الصحة , أو القطاع الرياضي . تلك أشياء يمكنها أن تنتظر . فالرئيس الفرنسي لا تهمه أبدا . ما يهمه كم عربة مدرعة سيبيع للجيش المغربي ؟ كم صاروخا ؟ وكم طائرة ؟ كم شركة فرنسية على وشك الإفلاس سينقذ في هذه الأوقات العصيبة ؟ كم منصب شغل ؟ وكم مليونا من الأوروهات ؟ كم امتيازا سيحصل عليه ؟ وكم تسهيلا سيضع في جيبه ؟ وكم من الأرباح ؟ 
فالرئيس الفرنسي , مطالب بتقديم النتائج , يعرف أنه سيحاسب , ولديه برنامج سيسابق الزمن لتحقيقه كله , أو أغلبيته الساحقة على الأقل . على عكس مضيفه المرتاح دوما , فوق المحاسبة دوما , فوق القانون دوما . 
الرئيس الفرنسي , الذي عُرفت عنه مواقف لا تحبها الديكتاتوريات بالضرورة . هنا من أجل مصالح مواطنيه . ولو كان الأمر متعلق بأفكاره هو , لفضل الذهاب عند صديق مغربي في مدينة ك"أصيلة" , أو الإقامة في بيت متواضع في "شفشاون" , أو الهرب مع عشيقته إلى صحراء ما من صحارى ما بعد "ورزازات" . 
لكنه الخديم الحقيقي لشعبه ومن أجله يضحي بمواقفه الخاصة , أفكاره , والتوجهات . ويتحمل أناسا لو أتيح له الاختيار لما رافقهم بالضرورة . 
الرئيس يعرف أنه ليس هناك فقط نظام يرحب به , بل هناك آخرون لا يرحبون , صحيح صوتهم ليس مسموعا جدا كصوت النظام لكنهم هناك , ومن خلف الواجهات يسمع صوتهم .
ثلاثون ألف طفل مغربي مشرد لا يرحبون , عشرات الآلاف من حملة الشواهد المغاربة المعطلين لا يرحبون , أربعة ملايين مغربي جعلهم الفقر يهاجرون لا يرحبون آلاف الشابات المغربيات اللواتي يبعن أجسادهن قسرا في الخليج لا يرحبون آلاف الشباب المغربي الذي يركب القوارب في إتجاه أوروبا لا يرحبون , مئات الآلاف من الموظفين المغاربة الذي يكفيهم راتبهم لعشرة أيام فقط لا يرحبون المتظاهرون السلميون الذي يتم الاعتداء عليهم في الشوارع لا يرحبون , المعتقلون السياسيون المغاربة لا يرحبون , ملايين البؤساء المغاربة لا يرحبون , عشرات الآلاف من الأطفال القاصرين الذين يعملون لا يرحبون , سبعة عشر مليون مغربي أمي لا يرحبون , أرواح من قاوموا فرنسا واستشهدوا في المعارك لا يرحبون , شرف المغربيات اللواتي اغتصبهن جيش الجمهورية الفرنسية لا يرحب . كل هؤلاء وآخرون لا يرحبون ب"هولند" . فهم يعتبرون أن هذه الزيارة تجمل نظاما مستبدا , نظاما ظلمهم , نظاما سرق مستقبلهم . من أجل مزيد من الديموقراطية للفرنسيين , مزيد من العدل للفرنسيين , مزيد من ضمان المستقبل للفرنسيين . وهذا منطق قوي جدا .
خلاصة القول , أنه ما من صداقة فرنسية مغربية هناك , ولا يمكن أن تكون , وفقط الحمقى من يتحدث عن الصداقات في السياسة . وما من علاقة رابح-رابح . وما من مصالح متبادلة . فرنسا رابحة على طول الخط والشعب المغربي خاسر على طول الخط . والنظام المغربي رابح من هذه الزيارة , فهو جزء من فرنسا إن ربحت ربح , وإن خسرت خسر . 
المواطن المغربي لا يستفيد من فرنسا شيئا , أقل شيء تأشيرة الدخول للأراضي الفرنسية لا يحصل عليها إلا إذا أعلن الولاء للراية الثلاثية الألوان , -ماديا ومعنويا بل وحضاريا- . 
المدارس الفرنسية تتعامل باستعلاء منقطع النظير حتى مع "قشدة المجتمع المغربي" . هاته "القشدة" التي كثير من أفرادها تعود التعامل باستعلاء مع أبناء الشعب المغربي . عندما يذهبون إلى البعثات , أو السفارات , أو القنصليات , يُمارس عليهم التكبر , والاستعلاء , والفوقية , ألوانا , صنوفا , وأنواعا . 
أهم شيء لدى فرنسا , -والذي إن أرادت أن "تمنحنا" منه القليل لغيرت حياتنا- , فرنسا بخيلة به : "التكنولوجيا الفرنسية" , -على تخلفها مقارنة مع نظيرتها الأمريكية- , لو وصلت إلى أيادينا , -بعض منها على الأقل- , لتغيرت حياتنا جميعا . فعندما قررت فرنسا الكشف عن قليل من تكنولوجيتها لصالح المغرب , استطاع مائة ألف مغربي على الأقل شراء سيارات بأثمان معقولة , واشتغل آلاف , واكتسب اقتصادنا خبرة كنا نجهلها تماما . الكلام هنا عن سيارات "داسيا" طبعا . تغيرت حياة أكثر من مائة ألف مغاربي نحو الأحسن .
التكنولوجيا الفرنسية , يمكنها أن تضاعف الإنتاج الفلاحي المغربي عدة مرات . كما يمكنها أن ترفع الإنتاج الصناعي المغربي بقوة كبيرة . ويمكنها أن تحسن تنافسية الاقتصاد المغربي بشكل يغير موازين القوى لصالحنا أمام دول منافسة لنا . لكن , لا . فعندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا تصبح فرنسا , بخيلة , أنانية , وخبيثة . وتعتمد ليس القطرة قطرة , بل ربع قطرة , ربع قطرة . وبما يمكنها من تحقيق أعلى الأرباح الاقتصادية . مثال التكنولوجيا يعطينا فكرة واضحة عن الصداقة التي يروجون لها في وسائل إعلامهم .

هذه , وفقط هذه , هي حقيقة الصداقة الفرنسية المغربية . 
ترابط لا علاقة له بالصداقة بل هو الاستغلال البشع لمقدرات شعب , بتواطؤ مع أقلية قليلة . استغلال , استنزاف , واستحواذ . والأمر لا يتعلق باليوم فحسب بل إن الأمر عمره أكثر من قرن . ومرشح ليستمر أكثر إن لم يستفق المواطنون المغاربة . 
على هذه الأسس "الأخوية" , والمرتبطة أساسا بإشاعة "الحرية" , وب"المساواة" والتي كما يعرف الجميع هي شعارات الجمهورية . تبني فرنسا العظيمة علاقاتها مع كل مستعماراتها السابقة . لكن العيب ليس عيب فرنسا . بل عيب البائعين إخوتهم , المتواطئون , والمنساقين . وعيب الأغلبية الصامتة على القلة المتحكمة .
يمكن الإسهاب في تناول هذا الترابط المَرضي بين دولتين نظريا . ودولة ومقاطعة تابعة لها , -ولغيرها- , بنسبة كبيرة عمليا . ترابط يُحملنا كشعب مغربي كل مساوئ هذه العلاقة غير الشرعية . وتتمتع فرنسا "الأخوة والحرية والمساواة" بكل محاسنه . من معادن وامتيازات وصفقات ويد عاملة رخيصة , وجنود , -عندما تُحتل أرضها أو تريد إحتلال أراضي الآخرين- , وفرنكفونية غبية , واِمتداد استراتيجي , ودعم سياسي للمبادرات الفرنسية العالمية بمختلف أنواعها , وركوع الوزراء المحليين للرؤساء الزائرين أيضا . 
ليس القصد هنا الإسهاب من أجل الإسهاب , وإنما القصد أن يفكر كل مواطن مغربي في حقيقة هذا الترابط وأن يدفع بذكاء نحو إعادة صياغته . 
العلاقة مع فرنسا لن نقول شر لا بد منه . -فالشر كسلنا ونتائج كسل أجدادنا- والعالم الذي كُتب لنا العيش فيه , وطبيعة الأشياء في هذا الزمن . لنقل أن العلاقة مع فرنسا , أمر لا بد منه , لكن يمكن أن تكون بصيغة أخرى مُشرفة .
العلاقة مع فرنسا , -ومع باقي القوى الكبرى- في العالم . يمكن أن تتخذ شكلا آخر . لا ذل فيه , ولا استباحة , ولا ركوع . علاقة مبنية على مبدأ رابح-رابح , على الوعي الصريح بقيمة كل طرف . وعلى التقييم الحقيقي لأوراق لعب كل طرف .
صحيح , التكنولوجيا الفرنسية مهمة , -والتكنولوجيا الغربية عموما مهمة- . لكن الموارد البشرية , و الفوسفاط , والموقع الاستراتيجي , والبحار . والمياه العذبة , والشمس , والأراضي الخصبة , وكل أنواع المعادن , وعموم الاقتصاد المغربي . أوراق رابحة في يد أي نخبة حاكمة منتخبة وذات شرعية وطنية وذات عزم على إدخال المغرب إلى عصر الأنوار . وإن لم نحول كل هذه الأشياء التي ذكرنا إلى تَمَلكٍ للتكنولوجيا , فلن نكون أفضل من الخليجيين الذين يبذرون ثرواتهم النفطية بطريقة تستحق جائزة نوبل للبشاعة .
الهدف واضح السعي الحثيث في سبيل الحصول على هذه التكنلوجيا , ومن أجل هذا الهدف , كل الطرق -تقريبا- , مباحة . عندها فقط يمكن الكلام عن شراكة في صالح هذا الشعب الذي بفرنسا أو بدونها , سيجد طريقه إلى عصر الأنوار .
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق