]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رجاء فكرى:كوريا الجنوبية والمستحيل

بواسطة: Ragaa Fikry  |  بتاريخ: 2013-04-23 ، الوقت: 16:38:16
  • تقييم المقالة:

ما زالت ذاكرتى حتى اليوم تحتفظ بتلك المقولة المأثورة للزعيم الخالد مصطفى كامل وهى: (إن الأمة التى لا تأكل مما تزرع وتلبس مما لا تصنع أمة محكوم عليها بالتبعية والفناء) . لم يكن لدى كوريا الجنوبية زعيم بحجم مصطفى كامل كى يلقى هذه الكلمات الرنانة على مسامع الشعب الكورى ويغرس فيهم قيم العمل والتعليم وحب الوطن..ومع ذلك حققت المستحيل. لم يخيل إلى أحد فى العالم أن بإمكان دولة مثل كوريا الجنوبية أن تصل إلى ما وصلت إليه اليوم بعد كل هذه الصعاب والعراقيل التى واجهتها.وكيف يتحقق ذلك فى دولة أنهكتها الحروب والإنقسامات؟ وكيف يتحقق ذلك فى دولة تعانى من فقر الموارد الطبيعية وكثافة سكانية عالية وتعدد الأديان؟ وأخيرا كيف تحقق ذلك لدولة كانت تصنف كواحدة من أفقر ثلاث دول فى آسيا فى منتصف القرن الماضى..واليوم فهى العاشرة بين أغنى دول العالم؟. كيف صنعت كوريا ذلك وكيف حققت المستحيل؟

يقول الدكتور راغب السرجانى فى كتابه(العلم وبناء الأمم) لقد أصبحت كوريا الجنوبية دولة صناعية من الطراز الأول فهى تصنع كل شىء تقريبا .. وأن كل ما يسير على أرض كوريا مصنوع بمصانعها من القطارات والأتوبيسات العامة والخاصة والسيارات ومترو الأنفاق.والأثرياء الكوريين لا يركبون إلا السيارات الكورية ولا يستعملون سوى المنتج الكورى.اليوم تحتل كوريا المركز السادس فى العالم فى إنتاج الصناعات الإلكترونية والخامس بالنسبة للتسويق.كما أنها تحتل المركز الثانى بعد اليابان فى إنتاج الأدوات المنزلية الكهربائية .هذا وتحتل المركز الثالث على العالم بعد اليابان والولايات المتحدة فى صناعة الذاكرات الإلكترونية للكمبيوترات.

ويؤكد السرجانى فى كتابه ناقلا عن الدكتور محمد السيد سليم فى كتابه النموذج الكورى للتنمية أن كوريا قد أدركت مبكرا أنه لا أمل لنهضة إلا بتحقيق طفرة علمية وتكنولوجية تمكنها من تعويض إفتقارها للموارد الطبيعية فها هى تقوم بنقل التقنية الحديثة ثم دراستها والإستفادة منها وأخيرا تطوير هذه التقنية وسبقها.وكان ناتج ذلك أن كوريا أنتجت أول سيارة كورية الصنع حيث قامت بإستيراد سيارات تويوتا وفورد شبه مفككة ثم بدأت بتجميعها محليا..وبعد القيام بدراسات علمية على مكونات هذه السيارات ودراسة إمكانية إستبدال أجزاء محلية الصنع ببعض الأجزاء..حتى تمكنت من تصنيع السيارة(هيونداى) محليا بنسبة 96%.

وبجانب كل ماسبق لم تهدر كوريا مواردها البشرية ولكن إستثمرتها أنها أدركت أنها أهم عنصر من عناصر الإستثمارفقامت بإعداد كوادر قادرة على إستقبال هذه العلوم المتقدمة والإستفادة منها.ومن ثم كان لزاما على الحكومة الكورية أن تقوم بمراجعة شاملة لنظامها التعليمى حتى يصبح مؤهلا لإمدادها بالكفاءات العلمية المطلوبة.كان هناك الكثير والكثير من السلبيات فى نظام التعليم الكورى ولكن سرعان ما أدرك المسؤولون والقائمون على شئون التعليم هناك هذه المشاكل وأيقنوا يقينا تاما بأن التعليم هو السبيل الوحيد إلى التقدم والتطور.

عملت الحكومة الكورية على ربط النظام التعليمى بالمؤسسات الصناعية وخصوصا فى المعاهد الفنية مما أدى إلى تخريج كوادر فنية مدربة على أعلى مستوى وقادرة على إستيعاب الوسائل الحديثة فى الصناعة.وأنشئت مدرسة العلوم والتقنية فى عام 1983 والسماح لخريجيها للإلتحاق بجامعة العلوم والتقنية. وإعطاء هؤلاء الطلاب الأولوية فى المنح والبعثات.

يذكر الدكتور محمد السيد سليم فى كتابه النموذج الكورى للتنمية قائلا: لقد تأثرت السياسات التعليمية الكورية كثيرا بالنظام التعليمى فى اليابان ووالولايات المتحدة الأمريكية.ويعتبر معهد كوريا لتنمية التعليم من أهم المؤسسات الكورية التى أسهمت فى تطوير نظام جديد للتدريس مثل البرامج المرئية ومواد التعليم الذاتى. ويتحدث المؤلف فى كتابه عن إهتمام السياسة الكورية بالتعليم قائلا: التعليم الإبتدائى  فى كوريا إلزامى وتصل نسبة التسجيل فيه إلى 100%.وكذلك أصبح التعليم الإعدادى إلزاميا إعتبارا من عام 2002.هذا علاوة على المضمون المعنوى الذى تتضمنه الكتب المدرسية.

ليس هذا فحسب بل أولت الحكومة الكورية إهتماما بالتعليم الإدارى الذى أفرز القيادة القادرة على التخطيط والتى أسهمت فى وضع السياسات المختلفة سواء فى المؤسسات الصناعية العملاقة أو الحكومة بالإضافة إلى العمالة الماهرة المنظمة.

لقد أولت كوريا أيضا عناية بالمعلم الكورى وتدريبه وتأهيله جيدا لتنفيذ تلك السياسات التعليمية. ولم تتخاذل قط عن نشر الثقافة والمعرفة وتعزيز قيمة العلم والولاء للوطن لدى المواطن الكورى. وطبقا لتقرير التنمية البشرية الصادر عن البنك الدولى لعام 2006  والذى جاء فيه أن كوريا الجنوبية نجحت فى تحقيق نسبة محو للأمية فى شبابها مابين 15-24 عاما وصلت إلى 99.2% طبقا لتقديرات 1991.كما وصل عدد مستخدمى الإنترنت إلى 657 من كل ألف مواطن كورى فى 2003.. وبلغ عدد براءات الإختراع الممنوحة للمقيمين فى كوريا الجنوبية 738 لكل مليون نسمة فى عام 2004.

يذكر أن الحكومة الكورية قد أنفقت فى عام 2003 على البحث والتطوير بنسبة 2.6% من إجمالى ناتجها المحلى. وبلغت الصادرات المصنعة نسبة 92% من إجمالى الصادرات الكورية لعام 2004.

هكذا..يتجلى الدور العظيم للأمم عندما تحاول التغلب على عثراتها وأن تقر بأخطائها الماضية حتى يتسنى لها خلق مستقبلا باهرا مشرقا لها ولأجيالها المتعاقبة.ونحن المصريون لا زلنا نستجدى عطف الدول الأخرى لنرى ما إذا كانت ستصدر لنا قمحا أم لا؟!

إلى متى ستظل مصر محكوم عليها بالتبعية والفناء؟!

marycoriibiochem@yahoo.com

ragaafikry@gmail.com

23-4-2013


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق