]]>
خواطر :
سألت البهائم ذئبا دموعه تنهمرُ...ما أبكاك يا ذئب ، أهو العجز أم قلة الحال...في زمن كثرة الذئابُ واشتد فيه الازدحامُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هل نحن مسلمون حقا؟!

بواسطة: المرابط ولد محمد لخديم  |  بتاريخ: 2013-04-22 ، الوقت: 13:49:14
  • تقييم المقالة:

 

في الانشغال بمطالب العيش، والاعتمار في غمرة الحياة ينسى الناس أن يفكروا، فيتساءلون: ما الغاية من هذا الوجود ؟ وما اشتغال بعيش، وما اغتمار حياة ؟ وقد يتنبه الناس من غفلة أو يستيقظون من نومة، إذا أصابهم مرض، أو أصابهم عجز، أو نابهم نائبة. وشر النوائب عندهم الموت، ينزل بقريب أو ينزل بحبيب، ففي هذه الفترات السوداء، البارقة في سوادها يتوقف الناس يستخبرون: من أين جئنا، وإلى أين المصير ؟.

ولكنها فترات لا تطول. فحوافر العيش تعود فتحفز ويشتد حفزها، والحياة تعود تهتف بحاجاتها ويشتد هتافها، والإنسان منا يلبى جبرا لا اختيارا، ويتركز على يومه، وينسى أمسه الذي كان، وينسى يومه الذي سوف يكون، إلا من حيث ما يطعم، ويلبس، ويلد، ومن حيث ينعم أو يشقى بالحياة.. لكننا لم نتساءل يوما هل نحن مسلمون حقا؟!…

سؤال قد يبدو ساذجا للكثير من الناس و لكنه في الواقع مهم و خطير، فكيف لي أن أعرف حقيقة إسلامي إن كنت لا أعرف الإسلام معرفة واضحة. إذن ينبغي علينا أن نعرف الإسلام و نتأمل في منهجه و نتفكر في معانيه و قيمه و من ثم نعمل بها، و عند ذاك نستطيع أن نقول إننا مسلمون…

كنت قد كتبت بحثا مطولا بعنوان: هل أصبحت الأمة الإسلامية في خبر كان؟! نشر في مواقع ومجلات عربية وإسلامية حاولت فيه أن أشخص واقع الأمة وأتناول بالنقاش والتحليل أهم الأسباب التي أقعدتها عن وظيفتها..متسائلا في الوقت نفسه عن ذالك المنهج   الذي كان عنوانا لهذه الأمة والذي اتخذته ردحا من الزمن في الدفاع عن الإسلام والذود عن بيضته وهو ما أهلها أن تكون خير أمة أخرجت للناس..!! لكنني في هذا المقال سأبدأ بقراءة لواقع مجتمعي كوني أعيش و أرصد ما يحدث فيه يوميا مما أثار في نفسي نوعا من المرارة والشفقة وأتوقف هنا عند عدة نقاط:

ما مدي معرفتنا بالعقائد وهو ما يعرف من الدين بالضرورة، كفرضية الصلاة والصوم والحج…الخ

 ولأقرب الصورة أكثر لينظر كل منا إلى نفسه و إلى مجتمعه ويخبر نفسه ما يرى عن نساءنا آلائي أصبحن سلعة تعلقها شركات الاتصال لترويج بضاعتهم وعن معاملة الأزواج وارتفاع لملاعنة والطلاق الغير مبرر…

ونظرا لكثرة المفاهيم المستعملة في تحليل مثل هذه المواضبع والمفتقرة إلى التعريف، خاصة بالنسبة لغير المختص تبقى الإجتهادات والملاحظات الشخصية سيدة الموقف. وإذا كانت المرأة تشترط لنفسها إمتلاك قرار الإنفصال لمجرد تجاوز من الرجل فإنها لا تتأثر كثيرا بالطلاق، ويعتبر ارتفاع مكانة المطلقة الموريتانية نسبيا وإمكانية زواجها ظاهرة صنهاجية قديمة تعود إلى العهد الأمومي وينفرد بها مجتمع البيظان عن غيره من الشعوب العربية.

إن اى إصلاح لم يبدأ بتشخيص واقع الشعوب لن يأتي بنتيجة, صحيح أن الذين يمارسون النقد يلقون الكثير من المشكلات مما دفع جل الناس إلى إيثار الصمت، و تجاوزه بعضهم إلى تزيين الخطأ وتلميعه، مما جعل المشكلات تتراكم، وتفرخ، وتصبح أشبه بأوبئة مستوطنة.

غير أن أهمية النقد تكمن في أننا بشر نصيب ونخطئ، والجميع يعترف بذلك، لكن سلوكنا لا يترجم ذلك الإعتراف في مجتمع ما زال العرف يقف بكل فئاته حارسا على قيمه وأعرافه، وهو مستعد لإقصاء من يخرج عليه ونبذه، ولذا فإن من المصادر الأساسية لمقاومة التغيير الخوف من الابتعاد عن القوانين التي يبنيها المجتمع. ولو كانت على حساب الشرع والمدنية الحديثة. وحسب رأى فانه من غير المتوقع أن ناثر في مجتمعنا ما لم نأخذ في الحسبان تأثير النقاط الأساسية التالية:

  كون البلاد كانت بدون سلطة مركزية تطبق الشرع وتدبر أمور الناس منذ العهد المرابطي حتى ميلاد الجمهورية الإسلامية الموريتانية في ستينيات القرن الماضي أي قرابة 1000 سنة من البداوة.

- طابع البداوة و السيبة المميزين للبلاد.

- انتماء المجتمع للقبيلة لا إلى الدولة.

- ثقافة هموم بدوية لا علاقة  لها بالمدينة.

نحن هنا إذ نورد هذه القضايا إنما نبحث عن العلة الكامنة في الذات، فإن نحن نجحنا في معالجتها فإن المشكلة ستزول – تلقائيا- بزوال أسبابها وإن تجاهلناها وعالجنا الظواهر فقط، فستعاودنا بأشكال شتى،كمن يتوجه إلى البعوض بأطنان مبيدات الحشرات، ولا يفطن إلى تجفيف المستنقع الذي يحتضن بيوضها  فلا تلبث أن تفقس من جديد، ودليلنا ورائدنا إلى سبر أغوار مجتمعنا هو اجتهاداتنا الشخصية من داخل المجتمع مع مقارنتها بدراسات لمجتمعات أخرى,لنرى مدى مواكبتها للحضارة الانسانبة اليوم..

وضرورة إيجاد ثقافة تستجيب لمتطلبات عصرنا أصبحت الآن ملحة أكثر من أي وقت مضى ذالك أننا لم نعد” لفريك”  الذي تسعه “أطناب الخيمة” رغم أننا مازلنا نعيشه واقعا. لقد أصبحنا من ضمن القرية الكونية العالمية في عالم الأمم والقارات. شئنا أم أبينا, حيث نرى أن التحولات الكمية, ارتفاع القدرة الشرائية، استبدال الطاقة البشرية تطور العمل التقني، تطور أنشطة الوقت الحر أنتجت تحولا نوعيا بطيئا تمثل في بروز مشاكل متعلقة بالحياة الخاصة، مشاكل حول الحياة الشخصية المستقلة مست بالأساس الطبقة المتوسطة والعمالية، ويتعلق الأمر بتطوير ظاهرة جديدة داخل الحياة الشخصية، إنها فردنة الوجود الإنساني. إن خاصية الثقافة الجماهيرية تتمثل في كونها ستوفر للفئات الاجتماعية الصاعدة (طبقة متوسطة)، شباب، نساء، صورا إدراكية وقيما ونماذج سلوك جديدة أبطالها: الشخصيات السينمائية، ونجوم الموضة، ومقولاتها: المغامرة، والحرية الفردية، وغاياتها: الحياة والسعادة، والمتعة…الخ). وهذه الصور ونماذج السلوك أضحت من مكونات تفكير شبابنا الذي ينشد لدى كتابه ومفكريه مستوى من المبادرة والجد والإخلاص , ولونا من الكتابة المباشرة التي تعيش عصرها و أفكاره وتطلعاته, فإذا هم لا يزيدون على مضغ حكايات الأولياء, واجترار بضعة خيالات محلقة في سموات التيه, ومجابهة الواقع الصارخ الملح بما يميعه في وعى الجماهير,ثم يسرح بها بعيدا بعيدا , في أحلام الماضي وتصوراته ويبقي الحكم للبحوث والدراسات التي أجريت علي أمم و شعوب أخرى تختلف في العادات والتقاليد عن  مجتمعنا, من هذا  يتبين أن الخطأ الذي يقع فيه الباحثون عندما ما يدرسون المجتمع الموريتاني..هو عدم وعيهم بالمجال الثقافي الموريتاني حينما يغلبون فيه الروافد الوافدة من المجتمعات الأخرى على عاداتنا وتقاليدنا. ولقد أصبح مؤكدا أننا إذا لم نأخذ في الاعتبار تاريخ التراكمات القيمية، وروافد التيارات الثقافية التي تؤسس الظواهر المدروسة فإننا سنسقط لا محالة ضحية لخداع العقل الجمعي، وستبقى على فهم متناقض وتبريري إلى حد بعيد.

هب أن أحدنا أو غيرنا مثلا  وقع اليوم على الاجتهاد المشهور لأحد فقهاءنا القدامى الذي أورده صاحب كتاب المجتمع الفضفاض حيث أباح  هذا الفقيه في إحدى نوازله للرجل الصحيح أن يتيمم لصلاته إذا كان الماء لا يوجد إلا عند أصهاره, لأن أخذ الماء  من عند الأصهار للغسل أو للوضوء قد يكون منافيا لتقاليد (السحوة) التحاشي, معللا ذالك بأن المشقة الحاصلة من فعل هذا الأمر المشين اجتماعيا هي مساوية لمشقة المرض التي تبيح التيمم !!

والسحوة عند الموريتانيين هي عادة “التحاشي” وأقوى مجال تظهر فيه هذه العادة هو العلاقة بين الأزواج الشباب من جهة وبينهم مع أصهارهم الكبار من جهة أخرى. فالأعراف الموريتانية التقليدية تقضى بأن الزوج والزوجة ينبغى أن لا يظهرا علاقتهما علنا أمام الملأ، والزوج مطالب بالامتناع عن مخالطة صهره أو نسيبه أي الزوجة إلا في حالة المرض أو الضرورة القصوى.

وتمتد علاقات “السحوة” هذه لتشمل مجالات أخرى يظهر فيها المجتمع التقليدي قدرته على ضبط العلاقات العاطفية الحميمة بين الزوجين وبينهما مع أطفالهما الصغار أيضا.

فالزوج ينبغي أن لا ينادي زوجته باسمها علنا أمام أبويه وأبويها، وحتى الكبار الآخرين من غير سنه، وهذا الأمر أكثر صرامة في جانب الزوجة، حيث تمنعها التقاليد من مناداة زوجها باسمه الصحيح طيلة حياتها ولذا فإنها تلجأ إلى الكناية عنه بضمير الغائب “هو” أو بإشارة بديلة مثل “ذاك” أو ” الراجل”.  أما أن يعبر الأبوان عن عواطفهما الأبوية بمداعبة أطفالهما أمام الآباء فذلك محظور ويعتبر من الوقاحة بمكان.

ويضيف الكتاب المذكور أن  العادات العربية الصميمة والتقاليد الإسلامية التي فصلها الفقهاء في المشرق لا تشير إلى لزوم شيء مما ألزم به الموريتانيون أنفسهم. بل إن معظم سلوك العرب المسلمين هو عكس ذلك، حيث لا حرج في أن تتكلم المرأة مع خطيبها أو زوجها أمام أبويها، ولهما الحق في مداعبة أطفالهما أمام الجميع، كما لا معرة في أن يأكل الرجل عند أصهاره أو يمازحهم. فالحياء الشرعي المطلوب: هو حياء أخلاقي يقصد منه عدم الوقاحة والتبجح بفعل المنكر والفاحشة التي لا مبرر لها.

ونخشى ونحن نعيش في ظل المدنية اليوم أن يقرها العرف الموريتاني…  ولقد استغرب أحمد بن الأمين الشنقيطي ” الموريتاني” أن أهل شنقيط يجعلون الوليمة في الزفاف على ولي المرأة وهو ما يخالف السنة عند ما قارن بين مجتمعه الأصلي والمجتمع الذي أقام فيه “مصر”.

وقد لا يختلف كثيرا موقف محمد بن أبى بكر اللمتوني ففي رسالته التي أرسلها إلى العلامة السيوطي نجد استمرارا للوعي الممزق لدى الفقيه الذي يحمل تصورا نموذجيا للمجتمع الإسلامي الأبوي في حين لا يزال المجتمع يورث ابن الأخت كسمة أمومية عنيدة، ومن المعلوم أن الشواهد تؤكد أن المجتمع الصنهاجي ظل يحمل بقايا قرابة أمومية حتى نهاية القرن التاسع الهجري قبل النزوح الحساني الكامل، ليحدث بعد ذلك انقلاب أبوي كبير في محيط العائلة البيظانية غير أن العامل الأهم الذي ساهم في مسح الرابطة الحقوقية الأمومية لن يكون مجرد الهيمنة الحسانية على المجال وإنما أيضا ردة الفعل الدينية القوية التي دافع بها الصنهاجيون “السكان المحليون” في ظل عملية التعريب والتسامي بالدين، تلك التي جعلت المنظومة الفقهية الإسلامية الأبوية تسود إلى حد كبير.. إن الإسلام الأبوي المتعمق لم يعرف ثورته الحقيقية إلا بعد المثاقفة الحسانية نسبيا.

ونحن نلاحظ كما هو مشاهد اليوم أن أثار تلك العادات ما تزال قائمة عندنا رغم تبدد نظام الأنساب والإرث القديم، فالمرأة المتزوجة تفضل الإقامة عند أهلها سنة كاملة قبل أن ترحل إلى أهل الزوج..وهذه العادة  كما يرى محمد محمود ولد سيد يحي مؤلف الكتاب السابق ترتبط بتقاليد قديمة كان فيها الزوج ملزما بالانتقال للإقامة مع أهل زوجته لأن أولاده سيأخذون ميراثهم من خالهم وليس من أبيهم.

من هنا لن نستغرب إنطباع القاضي الرحالة المغربي ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري عن قرية أيولاتن التي تفترض أن تكون الثقافة الإسلامية فيها أقوى بكثير من محيطها البدوي الذي حمل صدمة فقيه مسلم قادم من مجتمع حضري استقرت فيه التقاليد العربية الأبوية الإسلامية الحريمية، حينما شاهد ثقافة أمومية لا تزال تورث ابن الأخت وتعطى حرية كبيرة للمرأة في مجال مخالطة الرجال ” الأجانب” كما لاحظ عندما ما زار قاضي المدينة المرأة التي يتزوجها الرجل ولا تسافر معه ـ وهذا ما جعله يتعجب قائلا ” إن نساءهم أعظم  شأنا من الرجال”

ومخالطة المرأة هذه مع الأجانب هي الطامة الكبرى في عصرنا الحالي حيث تتصور أن هذا لا يخالف الإسلام كما تتصور بعض المسلمات في الدول العربية أن السفور لا يخالف الإسلام أيضا و قد خضعت لأحكام العرف ونسيج العادة حتى أصبحت بعيدة عن حكم الشرع ومنهجه في العقود والالتزامات..

 ناهيك عن عشرات مجلدات كتب الكرامات والخوارق… وفتاوى الزوايا حول مال حسان ” أصحاب السلطة” آنذاك الذين يسمونهم مستغرقى الذمم، و مال النصارى الذي يسمونه” مال هوش ” ولعل هذا ما أوجد تأسيسا دينيا طريقا بجواز الأخذ من المال العام..

  وتأسيسا على هذا التعريف نرى أننا مازلنا  نتمسك بعادات وتقاليد أو جدها العرف أصلا أكثر من تمسكنا بتعاليم ديننا، مع أنها تتنافي مع الحياة الحضارية والدين, ونحن إلى جانب هذا غير مقتنعين بها، لكن الخوف من النقد، والخروج من المألوف، وما تواضع عليه المجتمع، هو الذي يجعلنا نرضخ لها.

ومن المشاهد اليوم أن هذه الأحكام والفتاوى الشرعية مازالت على حالها خاصة, في ظل غياب اجتهاد جديد من علماء الأمة, الذين يبدوا أنهم وصلوا إلى مرحلة من الوهن والعزوف عن التحصيل المعرفي لما يتطلبه من جهود مضنية, مكتفين بالاجتهادات والفتاوى الجاهزة, المأخوذة عن السلف, رغم تغير الزمان والمكان وما ينجر عن هذا التغير في الوسائل والأحوال… واعتماد المجتمع الموريتاني، على المذهب المالكي، الذي يعتني بالرواية، أكثر من اعتنائه بالرأي..

 إن هذه الفتاوى فقدت كل أساس كانت تقف عليه، فلم تعد السلطة في أيدي أمراء “حسان” ولم يعد مفهوم “الزوايا” كما كان آنذاك. أضف إلى ذلك أن الطائفتان إنما هما جزء من المجتمع الموريتاني المتعدد الأعراق الذي يعيش تحت ظل الجمهورية الإسلامية الموريتانية، كسلطة مركزية، منذ 28 نوفمبر 1960 تحقق الملكية العامة في كل ما كان من مرافق الجماعة، وعن الضروريات للحياة العامة، وتتولى عن الجماعة شؤونها ووسائلها.

وإن كانت هذه الاجتهادات قد أدت دورا تاريخيا معينا، فقد تعداها مد العلم والثقافة، ومن الخطأ أن نظن أن أخبار السلف هدف ثقافي يقصد لذاته كمتعة عقلية، دون أن يكون وراء ذلك مشروع إنهاض، وخطة توعية من أجل صنع الحاضر، والتأثير في الأجيال القادمة..

حسب هؤلاء السلف أنهم كانوا أمثلة مسهمة في صنع عصرهم، وتوجيه معاصريهم، من خلال إهتمامهم بالوقائع والمستجدات، مما جعلهم يسعون إلى تكييف العلوم والمعارف مع مجتمعهم وحياة أناسهم، فسايروا بذلك مختلف الأحداث، مستجيبين للبيئة وخصوصياتها فردوا على أهم الإشكالات التي وردت عليهم فكانوا كلما استفتوا عن النوازل أفتوا وأفهموا وبينوا.

فهل سنعتمد على تراثنا ونتفهم ما فيه ونحسن التعامل معه، ليس بحثا فقط وإنما تطبيقا وتجسيدا لننشأ حداثة مبنية على أصالة، ومعاصرة مبني على تراث؟؟

 وهذه المرة سنخرج على المألوف ونطالب رئيس الجمهورية بأن بأمر باجتماع العلماء والفقهاء ، ليدارسوا من جديد جميع الأحكام الشرعية، حتى يبينوا للناس أمور دينهم، في مجتمع يحرص على تبرير سلوكياته في إطار التشريع الإسلامي، رغم أن أكثرية تلك السلوكيات لا تمت للإسلام بصلة واعني بالمنهج الرباني ذلك الذي حدد لنا الأشياء القطعية التي لا تختلف باختلاف الأزمة والأمكنة والأشخاص وسيتم ذروة تلك المطلقات ما يعرف من الدين بالضرورة، وهو ما يقترب الجاهل في معرفته من العالم. وهي في جوهرها خارج نطاق الاجتهاد مثل: فرضية الصلاة وأحكامها والزكاة وأحكامها، وحرمة قتل النفس، والربا، والزنا، …وقد يقع خلاف بين أهل العلم في بعض التطبيقات أو الجزئيات أو الشروط مما يتصل بهذه المسائل وهذا طبيعي، لأنه كلما اتجهنا نحو الحديث في الفرعيات قلت الأدلة، وتشعب الرأي، وأتسع مجال القول.

كما يجب على هؤلاء العلماء أن يترفقوا في إصلاحهم لأنك إذ قلت للناس: إنني سأغير ما أنتم عليه، وإنك بذلك تستفزهم وتستعيدهم، وعليك أن تذكر لهم إيجابيات ما هم فيه، وأن توضح لهم أن إدخال بعض التحسينات على بعض الأمور، سيكون مبهجا، ونافعا لهم.

وهذا هو الأسلوب الذي أتبعه النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته للناس، حيث أقر كثيرا مما كانوا عليه من مكارم الأخلاق، وأثنى عليه، ونبههم إلى الأخطاء والنواقص في حياتهم بأسلوب ملؤه الشفقة والرحمة.

إن أحد مقاييس التحضر المهمة اليوم يكمن في مدى سيطرة الناس على بيئاتهم الاجتماعية والطبيعية، ومدى قدرتهم على استيعاب سنة التغيير، والتلازم معها. وحركة البحث العلمي في معظم مجالات الحياة تستهدف هذه المسألة على وجه التحديد. وأول خطوة  يجب أن نخطوها، إتجاه مجتمعنا هي فهم واقعه الذي ستؤثر فيه التغيرات المستقبلية…

فبنوا الإنسان يختلفون في قوة الإحساس وضعفه ويختلفون في قوة خاصية الربط وضعفها ويختلفون في كمية أو نوع المعلومات التي لديهم، سواء كانت معلومات أخذت بالتلقي أو المطالعة أو أخذت من تجارب الحياة فإن اختلافها يعني أن التفكير يكون بحسبها ، والأصل في جمهرة الناس أن تتجدد لديهم المعلومات يوميا، حتى ولو كانوا أميين، اللهم إلا الشواذ، وهم الذين لا يلفت نظرهم شيء ولا يقيمون وزنا لما يتلقونه أو يطالعونه من المعلومات .

إن تعود الأفراد على التفكير السطحي ورضاهم بنتائجه وعدم حاجتهم للأمور الأعلى مما لديهم، يجعل التفكير السطحي عادة فيستمرون على هذا النمط من التفكير، ويستمرئونه ويتبلور ذوقهم عليه أما الجماعات فإنه لنقصان قدرتهم على التفكير من جراء كونهم جماعة.

أما الجماعات فإنه لنقصان قدرتهم على التفكير من جراء كونهم جماعة فإنه يغلب عليهم التفكير السطحي حتى لو وجد فيهم أفراد من المفكرين والمبدعين.

فهل سنخرج من شرنقة ثقافة لفريك إلى التفكير السليم لأنه المعيار الذي يميز الإنسان عن الحيوان, فقد خلق الله الإنسان بيده في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه من روحه، وخصه بقسمات وطبائع خاصة به، وسوى بنانه وأفرده ببصمة لا يشاركه فيها أحد لتكون بمثابة توقيعه، ووهبه العقل ميزه به عن سائر مخلوقاته، وأمره بأعمال في الكشف عن قوانين الكون المسخر له، وهداه النجدين وخبره أن يسلك أحدهما بمحض اختياره، وحمله المسؤولية أمانة أبت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان ثقة واعتدادا.

فاسجد له ملائكته تقديرا وإكبارا وحسن الظن به، في أنه سوف يحسن اختيار طريق الخبر بكدحه وجهده ومعاناته رغم قدرته على اختيار طريق الشر، ونعنى بالتفكير العقل لأن طريقة التفكير هي الكيفية التي يجري بحسبها إنتاج العقل للأفكار، مهما كانت هذه الأفكار ولكي تكون معرفة يقينية على الطريق القويم لا بد من وجود أربعة أشياء.

 1ـ واقع

2ـ إحساس بالواقع

3ـ دماغ

4ـ معلومات عن الواقع

الواقع كل شيء تحت طائلة الحواس الخمسة فمثلا إذا سئلت أيها القارئ عن معنى كلمة وضيمة لوقفت متحيرا مرتبكا بما ذا تجيب؟ وقلت أخيرا لا أدري مع أن كلمة وضيمة هي الواقع الذي وقع تحت طائلة سمعك وسميت واقعا لأنها وقعت عليها إحدى الحواس الخمسة وكل شيء يقع تحت طائلة إحدى الحواس الخمسة يسمى واقعا، وكلمة وضيمة التي هي الواقع وقعت تحت السمع نقلت فورا بواسطة السمع إلى الدماغ فانطبعت فيه وميزت عن سواها من الانطباعات، نتيجة هذه العملية التي جمعت ثلاثة عوامل ألا وهي: 1- الواقع: الذي هو كلمة: وضيمة

2- الإحساس بالواقع: ألا وهو السمع

3- الدماغ: الذي ميز الانطباعات وتكون العملية الفكرية قد احتاجت إلى العامل الرابع ألا وهو المعلومات السابقة

لذلك لم يتوفر عند صاحبها حكم واضح على الواقع ـ أي: عن معنى كلمة: وضيمة. مع أنك أيها القارئ لو سألت عن معنى كلمة “وليمة” لأجبت على الفور: دعوة إلى الطعام لما ذا أحيت بهذه السرعة؟ لأنه متوفر لديك العوامل الأربعة.

 1ـ الواقع: معنى وليمة

2ـ الإحساس: الذي نقل هذا إلى الدماغ

3ـ الدماغ: الذي ميز انطباع هذا الواقع

 4ـ المعلومات السابقة: التي ربطت بالعوامل الثلاث، ونتيجة لهذه العملية الفكرية كان الحكم على الواقع واضحا، والمثال يتكرر تماما مثل 2×2=4 وباعتمادنا على هذا التفكير سنكون اقرب إلى المدنية والحضارة والعمران ولن يتحقق لنا هذا إلا إذا خرجنا من شرنقة ثقافة” لفريك”   التي أصبحت تحدد أفقنا ومجال تفكيرنا الذي عادة ما يتسم بالبساطة والسطحية.

وأولى الخطوات أن نفتح عيوننا وأن نحاول أن نفهم الوجود من حولنا الذي وجدنا أنفسنا فيه. فليس الإنسان  مجرد كائن يعيش وجوده بل هو فوق ذلك كائن ينزع نحو فهم الوجود، بل حتى على مستوى وجوده الفردي يحرص على أن يجعل له معنى ودلالة ولا يكتفي بمجرد عيشه, فهو بفطرته طلعة لا يقتنع من الحياة بمظاهر أشكالها وألوانها كما تنقلها إليه حواسه أو كما ينفعل بها شعوره، بل يتناولها بعقله، وينفذ إليها ببصيرته ليعرف حقيقة كل شيء.. من أين جاء؟ وكيف صار؟ وإلا ما ينتهي؟ وهو في إشباع رغبته تلك لا يدخر وسعا من ذكاء أو جهاد حتى يبلغ من ذلك ما يطمئن إليه عقله وتستريح به نفسه

ومجتمعنا اليوم بأمس الحاجة إلى هذه العقول وقد تسهل المهمة إذا علمنا أن مجتمعنا يعتمد على الدين الإسلامي الذي كرم العقل. والمرء إذا هو وهي دينه يقاد من بطنه وفرجه. أكثر من عقله وضميره.

هذه إيضاحات أردت بها أن أسلط الضوء على جانب مهم من الفكر الإنساني الذي لا يوجد عادة مكتوبا. غير أنها تبقي عديمة الجدوى ما لم  نعتمد التفكير السليم السابق الذكر وأخذه كمقياس لكل الأمور التي تواجهنا وبهذه الطريقة نصلح من حالنا فمن غير المعقول أن يظل تفكيرنا سطحيا ونحن نعيش في عالم الأمم والقارات الذي يريد إشباع رغبات متجددة في اليقين، تريد أن نؤسس موقفها على أرض من المعرفة الجديدة التي اخترقت الآفاق، وقاست أبعاد النجوم، وتغلغلت في أسرار المادة، حتى حطمتها واستخرجت منها طاقات لا حدود لها.. والعلاقة الوحيدة الصحيحة بين الناس ورب الناس هي إسلام الوجه له, وإحسان الاستمداد منه, والاعتماد عليه, واعتبار الدنيا مهادا للآخرة وجهادا لكسبها.

ونجد تعريف الإسلام من حديث عمر رضي الله عنه:                                             

 

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر , لا يرى عليه أثر السفر , ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبتيه ووضح كفيه على فخذيه , وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ” قال صدقت فعجبا له يسأله ويصدقه , قال : أخبرني عن الإيمان قال ” أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ” قال : صدقت , قال : فأخبرني عن الإحسان , قال ” أن تعبد الله كأنك تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك ” قال , فأخبرني عن الساعة , قال ” ما المسئول بأعلم من السائل ” قال فأخبرني عن اماراتها . قال ” أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ” . ثم انطلق فلبث مليا , ثم قال ” يا عمر , أتدري من السائل ؟” , قلت : الله ورسوله أعلم , قال ” فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ” رواه مسلم .

عندما نعيد قراءة هذا الحديث النبوي الشريف مرة أخري  بتمعن , وتفكر في معانيه لا بد أن يستوقفنا سؤال جبريل عليه السلام عن الإحسان .. وجواب رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)

ولنقرب المعنى قليلا فأنت عزيزي القارئ تستوقفك إشارات المرور مرات عديدة فهي تنهيك بأضوائها الخضراء والحمراء  ليس لتعوق السير أو تعطل الناس، بل هو لضمان السلامة، وضبط الحركة، وتنظيم الوجهة والله عز وجل لم يدع عباده ينطلقون في الحياة وفق أهوائهم فإن هذا لو وقع لن يملأ الدنيا إلا فسادا وعطلا وأذى[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ .) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ  ] سورة محمد الآية: 32- 33، لذلك ترفق الله بخلقه، وأنزل عليهم وحيه ليعلمهم من جهل، وينقذهم من حيرة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” ثلاثة لا يكلهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر”، مسلم.

فالعدوان على الأعراض فاحشة فإذا أصابت هذه الفاحشة امرأة الجار كانت أعظم، فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “الزاني بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه، ويقول له أدخل النار مع الداخلين” بن أبي الدنيا.

إن من أبغض الناس إلى الله، امرءا يظهر بين الخلق بالصلاح والخشوع فإذا أمكنته رذيلة وهو منفرد لم يتورع عن الإيغال فيها.

عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال تهامة، بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا”. قال ثوبان يا رسول الله، صفهم لنا جلهم لنا لا نكون منهم ونحن لا نعلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما هم فإخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها”. ابن ماجه.

والعقوبات المعجلة أو المؤجلة سياط لابد منها لقمع الغرائز الشرسة في الحياة الإنسانية والإجرام الفردي والدولي لا تعني في رده الخطب والنصائح، بل لابد من حسم الشر بالشر ولابد من التخويف بالأذى القريب أو البعيد لفطام الناس عن شتى الأهواء الخبيثة إن الإسلام يريد أن تستقيم أجهزتك النفسية أولا، فإذا توفرت لها صلاحيتها المنشودة بصدق اليقين وسلامة الوجهة، فكل عمل تتعرض له في الحياة يتحول من تلقاء نفسه إلى طاعة. ولن تصل إلى هذا إلا إذا كنت دائما تحاسب نفسك بنفسك.

فما من عمل هام إلا وله حساب يضبط دخله وخرجه، وربحه وخسارته. إلا حياة الإنسان فهي وحدها التي تسير على نحو مبهم لا يُدرى فيه ارتفاع أو انخفاض.

هل يفكر أكثرنا أو أقلنا، في إمساك دفتر يسجل فيه ما يفعل وما يترك من حسن أو سوء؟ ويعرف منه بين الحين والحين رصيده من الخير والشر؟ وحظوظه من الربح والخسارة؟!

لو أننا نخبط في الدنيا خبط عشواء، ونتصرف على ما يحلو لنا، دون معقب أو حسيب، لجاز علا تفريط وحمق أن نبعثر حياتنا كما يبعثر السفيه ماله، وأن نذهل عن الماضي وما ضم من تجارب وأن نقتحم المستقبل متهيبين خطأ أو خطيئة!!

فكيف ولله حفظه يدونون مثقال الذرة، ويعدون لنا قوائم بحساب طويل[وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)  سورة الكهف آية: 49.

أما يجب أن نستكشف نحن هذا الإحصاء الذي يخصنا وحدنا؟!

أما ينبغي أن نكون على بصيرة بمقدار ما نفعل من خطأ وصواب؟

الحق أن هذا الانطلاق في أعماق الحياة دون اكتراث بما كان ويكون، أو الاكتفاء بنظرة خاطفة لبعض الأعمال البارزة أو الأعراض المخوفة، الحق أن ذلك نذير شؤم.

وقد عده القرآن الكريم من الأوصاف البهيمية التي يعرف بها لمنافقون الذين لا كياسة لديهم ولا يقين‏{‏أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ‏}‏  سورة التوبة آية 126

وعلماء التربية في الإسلام متفقون على ضرورة محاسبة المرء لنفسه تمشيا مع طبيعة الإسلام، وإنفاذا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم” الترمذي.

وقوله: “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله” المنذري.

وقد كتب هؤلاء العلماء فصولا مطولة في المراقبة والمحاسبة يمكن الرجوع إليها.

ويرى ابن المقفع أن يسجل الإنسان ما يصدر عنه جاعلا الصفحة اليمنى للحسنات واليسرى للسيئات.

وإن كان “رديل كارنيحي” يذهب إلى تدوين السيئات فحسب على أساس أن المرء يعنيه تلافي أخطائه، والنجاة مستقبلا مما وقع فيه آنفا.

قال: في أحد أدراج مكتبي ملف خاص مكتوب عليه ” حماقات ارتكبتها”!!

وأنا أعد هذا الملف سجلا وافيا للأخطاء التي وقعت فيها، وبعض هذه الأخطاء أمليته، والبعض الآخر خجلت من إملائه فكتبته بنفسي.

ولو أنني كتب أمينا مع نفسي لكان الأرجح أن يمتلئ مكتبي بأمثال هذه الملفات المليئة بالأخطاء والحماقات!!

وعندما استخرج سجل أخطائي، وأعيد قراءة الانتقادات التي وجهتها لنفسي، أحس أنني قادر على مواجهة أقسى وأعصى المشكلات مستعينا بعبر الماضي الذي دونته لقد اعتدت أن ألقي على الناس تبعة ما أواجه من مشكلات لكن بعد أن تقدمت في السن وازدادت حكمتي -فيما أخال- أدركت أنني وحدي المسؤول عن ما أصابني من سوء، وفي ظني أن كثيرا من الناس يصلون إلى هذه النتيجة نفسها عند ما يدرسون أنفسهم.

ولقد قال نابليون في منفاه بجزيرة القديسة “هيلانة”: لا أحد سواي سؤول عن هزيمتي. لقد كنت أنا أعظم عدو لنفسي!!)).

ولتفسير أكثر لمسألة: ” المحاسبة” نجد أنه اليوم لم تعد هناك حجة لمن كانوا يوما يعملون في الخفاء, ولا يلتفتون للتحذيرات الشرعية. وذلك عندما أصبح المسجل والكاميرا جزء من حياتنا اليومية. أي أن أقوالنا وأفعالنا تسجل على شاشة الكون ولا يمكننا التهرب منها سواء كانت حسنات أو سيئات فهي كالقصة التي تصور في الاستيديو ثم نشاهدها على شاشة السينما أو التلفزيون بعد حقبة من الزمن، وعلى بعد من مكان التسجيل ولكنك تشعر كأنك موجود في مكان الأحداث { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية: 18.

وكأننا أمام كاميرات تعمل ليلا ونهارا بدون كلل فحاسب نفسك عزيزي القارئ قبل فوات الأوان وعند محاسبة المرء نفسه سيتعرف إليها جيدا ومن عرف نفسه عرف ربه، ويهذب أخلاقه وسلوكه، حيث يرتقي إحساسه بالآخرين، وتصبح تصرفاته أكثر نعومة وأناقة

وشفافية، وبذلك يطبع بطابع المدنية التي هي روح يسري في كيان الفرد، فيعطيه طابعا خاصا يلمسه الناس في كل شؤونه: في طريقة كلامه، وعباراته المنتقاة، وفي طريقة استماعه وتناوله لفرصة التحدث، وفي كيفية قيادته لسيارته، وفي كيفية تنبيهه للمخطئ، وفي طريقة حصوله على حقه، وحله مشكلاته، بالطرق السليمة إذ أن من أهم سمات الإنسان المتمدن أن يبحث باستمرار عن طرق مشروعة وغير عنيفة لتجاوز التعارض بين مصالحه ومصالح الآخرين.

ولهذا فإن الإسلام يؤكد دائما على تمدين الإنسان قبل تشييد العمران لأن الإنسان غير المتمدن لا يعجز عن استثمار الإمكانات الحضارية وحسب وإنما يعجز عن المحافظة على الموجود منها.

والإسلام علم الناس ألا يرفعوا أصواتهم، وأن يغضوا من أبصارهم، وألا يلجوا البيوت دون استئذان، وأن يتفسحوا في المجالس، كما علمهم الرفق والصفح والإيثار، وفي الصلاة والتي هي موقف روحي خاص يتعلم المسلمون الدقة والنظام والالتزام بحركات الإمام… وليس كما هو مشاهد اليوم إذ أصبحت طقوس تؤدي في أزمنة معينة بدون أدنى تفكير مما أفقدها لروحها المدنية والروحية..

والمدنية تهذيب للأخلاق والسلوك، حيث يرتقي إحساس المرء بالآخرين، وتصبح تصرفاته أكثر نعومة وأناقة وشفافية، وهو بذلك قادر على ضبط سلوكه ونزواته، والوقوف عند الحدود التي تبدأ عندها حقوق الآخرين.

والمدنية قبل كل شيء اكتشاف للذات وللناس واكتشاف لإنسانية الإنسان ومشاعره وحقوقه، وتقدير لجهوده ومشاركاته، وتأسيس للثقة بقدرته على السمو وتأجيل الرغبات وتجاوز العقبات.إن المدنية الحقة، تصنع الحضارة، لكن الحضارة لا تصنع المدنية، بل قد تدمرها وتفكك منظومتها.

ونستخلص مما سبق أن المدنية الحقة  أن يكون الإنسان على بصيرة من أمره قولا وعملا واعتقادا وسلوكا سيشعر بأنه مراقب من خالقه وهذا ما يؤدي به إلى الجد والإخلاص ..

وهذا هو الإسلام الحق الذي يربط  قضايا التوحيد بمقتضياتها من الأعمال الحيانية والتعبدية, والإيمان والعمل شيئان متلازمان لا يصلح أحدهما إلا بالآخر, وبمفهوميهما الواسعين يشملان الجوانب الروحية والجسدية, والفكرية والعقلية, والقولية  والفعلية.

لهذا كان التكامل من أبرز خصائص العقيدة الإسلامية وما لم تتحقق هذه الخاصية فان شخصية المسلم تبقى ناقصة بل منفصلة.. فهل نطبق هذه الخاصية التي لا يتم الإيمان إلا بها ونطمئن أننا مسلمون حقاّ!؟  أم نبقي علي إيمان ناقص ؟!.

 

الهوامش

 سورة التوبة الآية: 126

  سورة الكهف الآية : 49.

  سورة محمد الآية: 32- 33

  سورة ق الآية: 18.

*محمد الغزالي:ركائز الإيمان بيت العقل والنقل, دار لقلم دمشق, ط,4 ,1420ها 1999 *محمد الغزالي : جدد حياتك, دار القلم: دمشق , الطبعة 15، 2003 م

*كريسى موريسون: الإنسان لا يقوم وحده:ترجمة محمود صالح الفلكي:العلم يدعوا للإيمان، تصدير: أحمد حسن الباقوري، تقديم أحمد زكي، من المقدمة التي وضعها أحمد زكى الطبعة الخامسة حمهوية مصر العربية 1965 م.

*المرابط ولد محمد لخديم: دين الفطرة, تقديم: أ.د.محمد المختار ولد أباه, ودكتور: الداه ولد ممون. الطبعة الأولي: مجمع الفقه الإسلامي, دلهي الهند سنة 2009 م.

*محمد محمود ولد سيد يحي: المجتمع الفضفاض, طبعة نواكشوط سنة 2001  م


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق