]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الكاتبُ والكتابةُ .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-04-22 ، الوقت: 11:35:27
  • تقييم المقالة:

 

 

الكاتبُ لسانُ العالمين . ومرآة عجيبةٌ يرى فيها نفسه في أوقاتٍ ، ويرى الآخرين في أوقاتٍ أخرى .

وهو النائبُ المحترم عن بني آدم عامة ، وبني وطنه خاصة ، وهو المدافع القوي عن قضاياهم ، ومشاكلهم ، والمعبر عن آمالهم ، وآلامهم . وربما يذهب في نِيابته ودفاعه إلى الزمن الماضي ، فيتحدث عن رجال قضوا نَحْبهم ، وينبش في أوراقهم القديمة ، وينظر في ملفاتهم المطوية ، فيعرضها على الملأ ، برؤية جديدة ، وتناول حديث . وهو يثيرُ .. ويثورُ .. ويؤثِّرُ .. ويتأَثَّرُ ...

وهو بعمله هذا يشبه (المحامي) أو (السفير) ... فوظيفته في الحياة تبدو قريبةًً من وظيفة هذين العاملين .

فهو يحلُّ محلَّ كثير من الناس ، ويتحدث بأسمائهم ، ويعبر عن همومهم ، ومطالبهم ، دون أن يكون مضطرّاً أن يتلبَّسَ نفس الحالات ، ويكون نُسخةً مشابهةً لباقي النسخ ، بمعنى ليس لِزاماً عليه أن يحيا نفس التجارب ، ونفس الأفكار ، ونفس الأحلام . ولكن بسبب تفهمه للناس ، واقترابه منهم ، شعوراً ، وفكراً ، وخيالاً .. وبفضل وعيه الشديد ، وعلمه ، وثقافته ، وذكائه ، وإخلاصه ، يستطيع أن يعبر عنهم ، وكأنه قطعةٌ منهم ، ولبِنَةٌ أساسية من بنيان المجتمع .

فليس من الضروري أن يَمُرَّ الكاتب بكلِّ التجارب ، وبمختلفها ، كي يتحدث عنها .. وإنما يكفيه الوعي الشديد ، والذكاء ، والإطلاع على الأمور والأحداث ، والثقافة الشاملة التي تتكون لديه بواسطة القراءة ، أضف إلى اختلاطه بالناس ، واحتكاكه بالمجتمع ، وبمختلف الطبقات والأجناس ، وتأثره ، وشعوره ، وخياله ، ثم اتخاذه موقفاً خاصاً به إزاء كل هذا ، ثمَّ الموهبة التي هي سرٌّ من الأسرار ... ولأضرب مثلاً واحداً ولكنه قويٌّ : الروائيون الذين يكتبون رواياتهم ، ويتناولون فيها شخصيات متباينةً ، ويسردون كثيراً من الأحداث والوقائع ، وبتفاصيل صغيرة وكبيرة ، لم يكن من الضروري أنهم عاشوا ذلك ... ومُبْدعي الروايات العلمية خاصةً ، التي تسرد وقائع عجيبة ، عن عوالم خارج الأرض بأحداث خيالية ، وكائنات غريبة ... والحديث في هذا الموضوع يطول ...

وكذلك الكتابة عن الحب ، وهي أقوى عاطفة عند الإنسان ، فالوَعيُ عند الكاتب يكون حاضراً بقوةٍ ، والتوفيق يحالفُهُ إنْ أدرك أسراره ودوافعه ، وتأمل حالاته ونوازعه ، وتتبع سلوك المحبين ، ولاحظ أفعالهم وانفعالاتهم ، مثل الطبيبِ تماماً ، فالألمُ يشعر به المريض ـ حقّاً ـ ، ولكن الطبيب هو منْ يحسن التعامل معه ، ويقترحُ التشخيص والدواء المناسبين  .

 أما حين يكتب الكاتب عن تجربته الشخصية ، فذلك يندرجُ في أدب (السيرة الذاتية) ، أو فنِّ (الخاطرة الشخصية) ، وإذا توفر فيها الصدق ، والحرارة ، والأسلوب الجميلُ ، واللغةُ البليغةُ ، فهي تكون أقوى أثراً ، وتأثيراً عند القراء ، ما في ذلك شكٌّ  .

والحياة ، في عمومها ، تجاربٌ .. والكتابة موهبة .. والفن إبداع .. والصدق هو النورُ الذي يشعُّ عليها جميعاً إذا اقترن بعضها ببعض .  

 ويخطيء من يظنُّ أن من الَّلازم على الكاتب أن يعيش الحدث كيْ يكتب عنه ، ويخوض كافَّةَ التجارب كيْ يعبر عنها بقلمه ، ولو كان الأمرُ بهذا الشرطِ ، لاختفت أطنانٌ من المؤلفات من ساحة النشر والتوزيع ، ولم يبق منها إلاَّ (السير الذاتية) و (الخواطر الوجدانية) ، التي تقتصر في أحاديثها على الذات ، وعلاقتها المباشرة بالآخرين ، وارتباطها الحِسِّيِّ القريب بالعالم الخارجي .. أما ما عدا ذلك فسيعتبر نوعاً من الكذب ، والنفاق ، واللَّغْو ، وهذا شططٌ في الحُكمِ ، وتعسُّفٌ في الرَّأيِ ...

فماذا سنفعل بكثرٍ من الشعر العربي والعالمي ، وماذا سنفعلُ بالنثر الفني لأدباء كبار عرب وأجانب : (البخلاء للجاحظ) و (البؤساء لفيكتور هوجو) مثلا ...؟!

وماذا سنفعل بأدب الحرب ، وأدب السجون ، وأدب الخيال العلمي والقصصي ، وأدب التاريخ ، وأدب تراجم الأعلام ، حيث أن من تعرضوا لمثل هذا الأدب ، أغلبهم لم يكونوا حاضرين في تلك الميادين ...؟!

وما يكون رأينا في قصائد (أبي العلاء المعري) ، وشعر (هوميروس) ، وأدب (طه حسين) ، وكانوا لا يبصرون ؟!

إنَّ أنبغ الشعراء ، وأعظم الكتاب ، كتبوا خارج الميادين ، والقليلَ من النصوص الأدبية ما وافقَ فيها صاحبُها وحقائقَها ...

والأدبُ ليس محاكاةً للواقع كل المحاكاة ، والأديب ليس مُصوراً فوتوغرافياً ، بل هو شخص مبدعٌ ، بمَلَكةٍ مُميَّزَةٍ يستأثرُ بها دون الخلْقِ ، يُطلق عليها الدارسون : ملكة الفنِّ  .

أما قضية الصدق والكذب ، فهي مسألة لا يخلو منها أيُّ نصٍّ ، ولا ينجو منها أيُّ إنتاج أدبي أو فني .. حتى الكتب المقدسة ، والمَرْويَّات على اختلافها ودرجاتها ، وحقائق التاريخ أيضاً ، لا تسلم من الكذب والصدق عند المتلقين ، على اختلاف مشاربهم ، وبيئاتهم ، وثقافاتهم ، وطبقاتهم ...

فلا يخفى عند ذوي النظر والتَّدبر ، أنَّ أيَّ كلامٍ يحتملُ الصدقَ والكذب عند السَّامعينَ ، ويتعرضّ للتسليم التَّام ، أو التأويل ، أو حتى للتضليل ... والكتابة الأدبية أكثر فنون القوْلِ عُرضةًً لهذه الأحكام .  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2013-04-22
    اهلا بكم استاذنا واخينا الكاتب الخضر

    أجدت في طرح تلك المقالة من حيث الادب , فليس كل اديب يكتب نص , او قصة او حتى قصيدة ورواية

    يجب ان يمر بتلك المحنة ليبدع , تماما كما الحكيم
     
    هو ياخذ بما لديه من وسائل العلم , البصر السمع والحدث امامه

    وكثيرة تلك القصص او القصائد التي كُنبت بأيدي مؤلفين لم يمروا بتجربة واحده من تلك لكنهم, رأوها وأغرقوا حواسهم فيها , ثم قاموا

    بتعطيرها بحروفهم الثمينة , فالقصص التاريخية لم تكتب من  ابطالها بل من اناس عاشوا بعدها وسمعوها ممن حدثوا عنها وانتقلت بالتواتر

    وكما قلت انت في فقرتك هذه التي اقوم بنسخها هنا :

    والأدبُ ليس محاكاةً للواقع كل المحاكاة ، والأديب ليس مُصوراً فوتوغرافياً ، بل هو شخص مبدعٌ ، بمَلَكةٍ مُميَّزَةٍ يستأثرُ بها دون الخلْقِ ، يُطلق عليها الدارسون : ملكة الفنِّ

    الادب هي المشاعر التي تعترينا حينما نرى منظر او حادثة او تمر امامنا حالة , يقوم الكاتب بتصويرها حرفا  ومن ثم كتابة كتاب 

    او قصيدة , او حتى مسرحية ورواية

    اخي الراقي دوما تبدع في وضع منشوراتك ومقالاتك , فيها المعرفة والفهم , والرقي بالتفكير وهذا نابع من ثقافتكم المتنوعه سلمتم وبارك الله بكم دوما
    طيف بخالص التقدير

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق