]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العولمة و أخلاقنا . . لمن الغلبة ؟!

بواسطة: رشيد بن ابراهيم بوعافية  |  بتاريخ: 2013-04-21 ، الوقت: 09:43:23
  • تقييم المقالة:

العولَمَةُ وأخلاقُنا . . لِمَن الكَلِمة .. ؟!

 

   مدخل لا بُدّ منه :

          من باب المحافظة على المنهجيّة والموضوعية في الطرح فإننا نؤكد على المنطلقات التالية :

     أ /  لن نتحدث عن الجذور التاريخية للعولمة لأنها بلا شك امتدادٌ للصراع القديم بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات على منهج الحياة في الأرض ، فإنَّ الشعوب و الامبراطوريّات منذ القديم تتنافس على السيادة والتفوق واستئثار المنافع في الأرض: (  الرومان ، اليهود ،  فرنسا ، بريطانيا ، الاتحاد السوفياتي . . ) ، ويكفي على سبيل المثال التاريخي في الصراع على الأخلاق أنه ورد جاء في البروتوكول التاسع للصهاينة[1]: " عليكم أن توجِّهوا التفاتًا خاصًّا في استعمال مبادئنا إلى الأخلاق الخاصة بالأمة التي أنتم بها محاطون ، وفيها تعملون  . . حتى يعاد تعليم الأمة بآرائنا ، ولكنكم إذا تصرفتم بسداد في استعمال مبادئنا فستكتشفون أنه- قبل مضي سنوات- سيتغير أشد الأخلاق تماسُكًا . .". ، وإنما نركز حديثنا على العولمة باعتبارها  " استراتيجية جديدة  " و " مصطلحًا جديدًا "  و " مرحلة متقدمة "  للصراع في ظل التوزيع الحالي للقوى في العالم ، وفي ظل الثورة التكنولوجية و الاتصالية الهائلة التي يشهدها العالم اليوم . .  

       ب /  سوف نشير إلى جملة من آثار العولمة على سلوك و أخلاق المسلمين أفراد ومجتمعات ودول ، ومع ذلك – من باب الإنصاف - لا ينبغي أن نعتبر العولمة المسؤولَ عن تراجُعنا و فشلنا و عن جميع أمراضنا الراهنة ، فالواقع الإسلامي المأزوم منذ أجيال ينبئ -  لمن تأمّل -  بما وصلنا إليهمن تدنّي في الأخلاق والممارسات،والقيم والتصوّرات ، وإنما العولمة بما تحمله من شراسة في الوسائل والأساليب استغلت فراغنا وخَوَاءنا فساهمت في مضاعفة الأدواء وزيادتها ، فزادت على المريض المرض . .  

     ج / العولمة تستهدف الأفرادَ والشعوبَ والدول ، وما دام حديثُنا عن آثارها في الأخلاق فسوف نتحدث عن الأخلاق بمفهومها الشمولي الذي يتعلق بالأفراد والشعوب والأمم . .

فنسأل الله إصابة الحق والهدى و التوفيق إلى ما يحب ويرضى

 

العولمة  Globalization  - MONDIALISATION

 

         بعد انهيار المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي ، و بروز النظام الدولي الجديد ذي القطب الواحد الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، في هذه الفترة ظهرت إلى الوجود مصطلحات متعددة تعبر عن الأسس الجديدة للعلاقات الدولية ، طبعًا بمنظور القوي المتحكّم المتسلط ، منها :  " النظام الدولي الجديد" ،" حقوق الإنسان"  ،" الديموقراطية  " ،   " الأمن والسلام العالمِيّين" ،  "الإرهاب" ،"  الأصولية" ،  " الشر" ،  و " العولمة" . .   

       و من طبيعة أجهزة السياسة وصناعة الرأي العام الأمريكية أنها تحرصُ على صكِّ عباراتٍ ومصطلحات مشحونةٍ بأكبر قدرٍ ممكنٍ من الإيحاءات والمعاني التي تريدُها ، ثم تروّجها  ، وتسوّقُها على أوسع نطاق في العالم ، لأغراض سياسية واقتصادية وثقافية تلائم مخططاتها ومصالحَهَا . . !

      واختيار هذه المصطلحات ليس عملية صحفية أو أدبية بسيطة ، بل عملية سياسية معقدة يشارك فيها علماء نفس وخبراء إعلان ومفكرون متخصصون ، بحيث يكون لها سحرها وجاذبيتها حتى تلقى الرواج المطلوب . .  

      نرجعُ إلى موضوعنا :

     من هذه المصطلحات :  "  العولمة " :  مصطلحٌ ظاهره فيه الرحمة ، وباطنه من قبله العذابُ والخراب والدمار على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية ، خاصّةً في ظل الضّعف والتراجع الحضاري الشديد الذي تعانيه الأمة المسلمة .  

      المبحث الأول : العولمة بين الاصطلاح والتطبيق ( بين الرحمة والعذاب )   :   

       تعود لفظة " عولمة " في أصلها إلى المصطلح الانجليزي ( Globalization) ، والمصطلح الفرنسي ( MONDIALISATION) الذي يترجم إلى الكوكبة أو الكونية أو جعل الشيء عالميًّا .   

       وبالنسبة للاستعمال العربي: فالعولمة  مصدر على وزن "فَوْعَلَة" مشتق من كلمة العالَم كما يقال قَوْلَبَة مشتق من كلمة قَالَب .

   و أوّلُ ما يلمَسُهُ السامع أن في وزن المصطلح  " معنى الإكراه والهيمنة على الشيء !  " ( قولبة )، وفيهتقريرٌ لجهة تمارسُ صناعة الفعل بالضغط والهيمنة  ، فهو عملٌ موجَّهٌ مدروس . . ! .   

      أما في الاصطلاح الذي ظاهره فيه الرحمة: فهو إزالة الحواجز والمسافات بين الشعوب ، وبين الأوطان ، وبين الثقافات ، ليحصل التلاقح والتبادل بحُرّية في جميع مجالات الحياة . بحيث يسهل انتقال السلع والخدمات والأموال والمعلومات والمؤسسات والناس والتقنية والثقافة ، وبرزت في البداية في شكل عولمة اقتصادية بغرض تحقيق التنمية في الدول المتخلفة والنامية ، بتحرير التجارة وبناء السوق العالمية ، وتعميم سياساتالتخصيص والإصلاحات وجذب الاستثمارات ، ولكن تزامنها عولمة سياسية وثقافية وإعلامية  " شَرِسة "  تخدم هذا التعميم وتفرضه على العالم بأساليب متنوعة . . ! 

      وأما في حقيقتها و في عُمقِها :فما هي في الحقيقة سوى مظلة جديدة لهيمنة الأقوياء على الضعفاء[2] ، بطريقة بطيئة متدرجة . . !

     اتجاه دولي أحادي القطب يهدف إلىاختراق الهوية الثقافية للأفراد والجماعات والأمم ، وإعادة تشكيل العالَم وفق مصالح الغرب السياسية والاقتصادية والثقافية . .

     فهي رغبةٌ شديدةٌ مندفعة لإزالة الحواجز والموانع التي تتمتع بها الشعوب وتحقق لها استقلالها وشخصيتها وامتدادَها الحضاريَّ في الواقع والمستقبل . وأهم هذه الحواجز الاستقلال السياسي، والتخطيط الاقتصادي، والتميز القومي الحضاري . . وعِمادُ كُلّ ذلك " الأخلاق !" . .   

        المبحث الثاني :  ميادين العولمة:

      الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يسير نحو ذلك الهدف على ثلاثة مسارات متوازية : على المسار الاقتصادي ، وعلى المسار السياسي ، وعلى المسار الثقافي الإعلامي ، وهي مسارات مترابطة ويخدم بعضها بعضا ، بل يصعبُ الفصل بينها ( متشابكة) ، ولكن لا بد من التقسيم لغرض تسهيل الدراسة وتركيزها .  

       فالعولمة في جانبها الثقافي[3] :  تعني تدفق الثقافة والمعلومات بشكل لا يعترف بالأنظمة ولا بالحدود ولا بالقوانين والأعراف والأخلاق ، ويكون هذا الضخ و التدفق أساسا بطريقة سلمية عبر وسائل الإعلام والاتصال المختلفة (من شبكة الانترنت إلى وسائل الإعلام الجماهيرية إلى الصناعة السينمائية والأفلامومنتجات الثقافة الصناعية والصناعة الثقافية) التي يمتلك ناصيتها الغرب و خاصّةً الولايات المتحدة الأمريكية ، وعبر المؤتمرات الدولية ، وعبر الضغط أو الترغيب ( برامج التعليم ) ، وبالتالي فرض منهج الحياة و أنماط التفكير على الجميع ، و بالتالي القضاء على الخصوصيات الثقافيةفي الآخرين  .

 

      وعلى سبيل المثالصرح الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ، في مناخ الاحتفال بالنصر في حرب الخليج الثانية : " إن القرن القادم سيشهد انتشار القيم الأمريكية ، وأنماط العيش والسلوك الأمريكي " [4]  ، وهو يعني ما يقول . . ! . 

     وعلى سبيل المثال أيضًا توالت مؤتمرات المنظمات الدولية بهذا الخصوص ، مثل مؤتمر نيروبي عام 1985م ، ومؤتمر القاهرة عام 1994م ، ومؤتمر بكين عام 1995م ، ومؤتمر اسطنبول عام 1996م، ثم مؤتمر نيويورك عام 1999م، ثم مؤتمر بكين ، ثم نيويورك أيضاً عام 2000م ، و مؤخّرًا " السيداو " ووثيقة مناهضة أشكال التمييز ضد المرأة والفتيات[5] ، ومحور هذه المؤتمرات يدور حول الأسرة والمرأة بشكل عام ، مركزاً على الحقوق الجنسية ، والحق في الإنجاب والإجهاض ، والشذوذ ، وقضية المساواة بين الرجال والنساء، والمساواة في الميراث .. إلخ ، من منظور الثقافة الغربية العلمانية المادية الإباحية للقضاء طبعًا على الخصوصية الثقافية للمسلمين باعتبارهم يحملون مخزونَ حضارةٍ منافسة للغرب . . 

       والعولمة في جانبها الاقتصادي: هي أحدث درجات الاستعمار الاقتصادي ، وتعد تطورا طبيعيا في مسار النظام الرأسمالي الليبرالي، والذي يهدف إلى الهيمنة بصفة خاصة على دول الجنوب والدول النامية، وخاصة العالم الإسلامي الذي يمتلك الثروات و مقومات النهوض .

     حيثُ تتحكم في اقتصاد تلك الدول وثرواتها وأسواقها الدُّوَلُ الصناعية الكبرى ، والشركات متعددة الجنسيات ، والمؤسسات الاقتصادية العالمية كصندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ، ومنظمة التجارة العالمية . .ولا يستطيع أحد أن ينكر ما للاقتصاد من أهمية كبرى في التأثير علىالدول و قراراتها ، والدول النامية بشكل خاص ، فالاقتصاد أحد أكبر أعمدة الحياة ، و له دور كبيرٌ  فيتغيير ثقافات الشعوب وعاداتها وقراراتها وخططها السياسية سواء الداخلية أو الخارجية . .  

      والعولمة في جانبها السياسي :أحد أشكال الهيمنة السياسية بعد انهيار المعسكر الشيوعي ، وانفراد المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة أمريكا بالسيطرة على دول العالم ، وعلى القرار السياسي العالمي ، ولهذه الهيمنة وسائلها القوية في الضغط ولي الذّراع وفرض العزلة و العقوبات الاقتصادية ، أو حتّى التدخل العسكري عند الحاجة  ، في سبيل حمل الدول والحكومات على اختيار الرؤية السياسية التي لا تتعارض مع مصالح الغرب والولايات المتحدة بالتحديد . .

آثارُ العولمة على السلوك و الأخلاق :

     بعد هذه المقدّمة التي تشرح لنا العولمة و تبيّن حقيقتها ومجالات عملها ؛ نأتي إلى نقطة مهمّة جدًّا وهي أثر العولمة على أخلاقنا أفرادًا ومجتمعات ودول ، وسوف نقتصر على أمثلةٍ تبيّن المقصود وتدلُّ على طبيعة و حجم و مجالات الضرر الذي خلّفته العولمة في الأخلاق :  

     1 /  العولمة وزيادة القضاء على خُلُقِالإرادة السياسية الحرة( أثرٌ على الخُلق والسلوك )[6] :

      من أعظم الأخلاق التي كانت تميّزُ العربي الأصيل النخوةُ والأنَفَةُ والإرادةُ الحُرَّة ، فقد كان يعشقُ الحُرية ويكرهُ القيد والذل والجُبن ، بل ربما وصل به الحال في الجاهلية إلى إطالة الحروب والصراعات من أجل الأنفَة وكراهية الذل .

      ولما جاء الإسلام رسَّخَ هذا الخُلُق وهذَّبهُ في المسلم ، وخاصَّةً في شخص الحاكم والإدارة السياسية للأمة[7] ، التي تُعقدُ عليها الآمال ، وترتبط بها مصالح العباد ، وقد تجلَّى هذا الخُلُقُ في الأحرار من حُكَّام المسلمين على مدار التاريخ الإسلامي : ( نموذج الاجتياح التتري للأمة الإسلامية وتجربةُ الملكِ المُظَفَّر المصري سيفِ الدِّين قُطُزْ : جاءه رُسُلُ التتارِ – وهُم من هُم ! - وهدَّدُوه برسالة بعضُ كلماتها : " إنَّ سيوفنا صواعق ، وإنَّ رماحَنا بوارق ، لا ترحمُ من شكا، ولا ترقُّ لمن بكى" ، فاستشارَ الأمراءَ من حولِهِ فيما يجيبُ به التتار، فأشار معظمُهم بالتلطُّف معهم ودفع الجزيةِ إليهم كلَّ سنة، فغضبَ الملكُ وقال : " إنَّ الله يقول في كتابه:﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾(التوبة:29). وأنتم تريدُون منَّا أن نعكسَ الآية ، ثم قام إلى كبير أمرائه فاختطف منه السيف وكسره على ركبته ثم ألقاه أمامه وهو يقول : "إن السيف الذي يجبنُ حاملُهُ على القتال لخليقٌ أن يُكسَرَ هكذا ويُلقى في وجهِ صاحبه . . "  . ثم بادر التتار بالقتال فهزمهم بإذن الله تعالى . .

     وقال في جنوده كلمة تحتاج إلى تأمل ، قال : " أيها المسلمون ، إيَّاكم والزَّهوَ بما صنعتم ، ولكن اشكروا اللهَ واخضعُوا لقوَّته وجلاله ، وما يدريكم لعلَّ دعوات إخوانكم المسلمين على المنابر في الساعة التي حملتم فيها على عدوِّكم من هذا اليوم العظيم يوم الجمعة ، وفي هذا الشهر العظيم شهر رمضان كانت أمضى على عدوكم من السيوف التي بها ضربتم ، والنبال التي بها رميتم ، واعلموا أنكم لم تنتهوا من الجهاد وإنما بدأتموه ، حتى تقضوا حق الإسلام بطرد أعدائه من سائر بلاده ، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله . . " [8]

     بتأثير العولمة الشرسة  تمَّ مصادرة هذا الخُلق في الأمة الإسلامية ، وتم فرض القيود على الحريات والقرارات السياسيّة  بالترغيب تارة  ، وبالترهيب تارة أخرى :

       ومن الأدلة على آثار العولمة في زيادة فقدان المسلمين لخُلق الحرية والإرادة السياسية الحرة : حظر اقتناء أو تصنيع الأسلحة المتطورة ( بسبب الخوف من العقوبات والحصار وفرض العزلة . . ) ، حظر البرامج والأبحاث المتطورة التي يُخشى منها البروز والمنافسة ، الضغط لأجل تغيير المناهج التربوية والثقافية  ، حظر البرامج الاقتصادية المتطورة التي تؤدي إلى الخروج من التبعية للغرب عموما ولأمريكا خصوصا ( السوق الإسلامية المشتركة نموذجًا ) ، حظر القرارات الإصلاحية التي لا تتناسبُ مع شهوات الغرب والنظام  الدولي الجديد - كما يقولون - وذلك بفرض العزلة و ممارسة الضغط عبر المنظمات الاقتصادية والمؤسسات المالية الكبرى( منظمة التجارة العالمية التي تضم 80%  من مجموع دول العالم وتستحوذ على 89% من التجارة الدولية في قطاعات السلع والخدمات والأفكار ، وعلى 90% من التعاملات المالية و 93% من خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات و 97% من حقوق الملكية الفكرية و 92% من الخدمات المالية والتأمين ، و 90% من خطوط الملاحة الجوية و 88% من مشتريات العالم في الطاقة والألمنيوم والحديد والبتركيماويات ،وهي الضلع الثالث من أضلاع مثلث العولمة الاقتصادية مع صندوق النقد الدولي ( IMF) الذي يشرف على تحرير النظام النقدي الدولي والسياسات النقدية ( أسعار الصرف / موازين المدفوعات / العجز والمديونية الخارجية / أسعار الفوائد / السقوف الائتمانية للبنوك ) ومع البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD) والذي يشرف على تحرير النظام المالي الدولي ومساعدة الدول النامية ( تقديم قروض طويلة الأجل / التخصيص / الاستخدام الأمثل للموارد) .( مثال : عرقلة مشروع قرار منع استيراد الخمور في الجزائر نموذجًا : والسبب أنَّ تحرير التجارة الخارجية شرطٌ في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية !  [9]) . .    

 

     2 /  العولمةوالقضاء على خُلق النجدة والنُصرة (أثرٌ على الخلق والسلوك) :

     قال الله تعالى : ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً ﴾(النساء75). لا يخفى على أحد حوادث القتل و التشريد والتخريب والتدمير والاغتصاب و الاستئصال الحاصلة في أعضاء الجسد الإسلامي الواحد : العراق وأفغانستان وفلسطين والشيشان والبوسنة وكشمير وغيرها ، ومع ذلكفالدول العربية دائما تقف موقف المتفرج ، وفي أحسن أحوالها تشجب و تعلن عن أسفها وقلقها وحزنها العميق تجاه ما يحدث ، وترغب في تسوية الأزمات سلميًّا ، وحتى الإغاثة الصحية والإعانات الغذائية التي هي من أبسط حقوق المسلم على أخيه لا تستطيع تقديمها حتى تأذن في ذلك زعيمة العولمة في العالم أمريكا . .! 

     نموذج حصار العراق في السابق  : وما نجم عنه من وفاة الأطفال الرضع والشيوخ المسنين بسبب نقص الأغذية والرعاية الصحية ( في تقرير للأمم المتحدة : 4500 طفل يموتون شهريا في العراق بسبب النقص الحاد في الغذاء والدواء والماء النقي، ارتفاع حالات الوفيات بين المواليد - انتشار الأمراض والأوبئة [10]- ( ممارسة العراقيات للدعارة بسبب الفقر و نقص المعيشة ) . . . 

    سؤال مهم :  لماذا لم تتحرك الأمة في نصرة إخواننا المستضعفين ؟!

    الجواب :  لأنها مُكبَّلة بالهيمنة السياسية مقيَّدة بالاتفاقيات الاقتصادية التي فرضتها العولمة . . ! .  

     نموذج حصار غزة و مؤامرة الصمت العربي :  إغلاق كافة المعابرو منع دخول كل شيء إلى غزة من الغذاء والدواء واللباس والاسمنت والمواد الأولية للصناعة المحليةوالغاز الذي تشغل به مصانع الكهرباء والماء، وحتى المال من أقاربهم من الخارج  . .  

     سؤال : لماذا لم تتحرك الأمة في نصرة إخوانها المستضعفين ؟1 .

     الجواب : ،لأنها مُكبَّلة بالهيمنة السياسية مقيَّدة بالاتفاقيات الاقتصادية التي فرضتها العولمة . . ! .

     قل نفس الشيء عن ميانمار و كشمير و غيرهم من إخواننا المستضعفين . .   

     أين هو خُلُقُ الولاء والمؤازرة للمؤمنين ؟! ، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء ﴾(الممتحنة: 1) ، و قال النبي صلى الله عليه وسلم  :"المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم" ( صحيح : سنن أبي داود 4530 ) . فهذا هو الأصل في أخلاق المسلمين، ولكن للأسف بتأثير العولمة الشّرس خُلُقُ البراءة من الكافرين حل مَحَلَّهُ التآمُر على الصديق والتطبيعُ مع العدو . . !   

      3 / العولمة و تشجيع الطبقية في المجتمع :

     قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :"من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"  . قال "  فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل !  " . رواه مسلم  . هذه هي أخلاقنا !  .

    وأما في العولمة ؛ فأمريكا ترمي آلاف الأطنان من الحبوب بسبب المصلحة الشخصية ، و الذي يجني ثمار الاقتصاد في البلد أفرادٌ قليلون على حساب الغالبية المقهورة المهمشة التي تبقى تعاني الجوع والفقر والبطالة والتهميش ، فتجد خمسةً أو سبعةً من المافيا والبارونات واللصوص يتحكمون في اقتصاد دولة بأكملها ، وفي مؤسساتها الاقتصادية والحيوية وفي التصدير والاستيراد بسبب  " الخوصصة "  وإغلاق القطاع العام .

    وهذه الطبقية ينشأُ عنها الفقر والجوع والعري والبطالة والفساد والدعارة وبقية الآفات والجرائم الأخلاقية والاجتماعية . . 

     4 /  العولمة والقضاء على قيم السوق الإسلامية

     في البيع والشراء والتسويق والإشهار وما يتعلق بذلك من أحكام شرعية وقواعد أخلاقية  .

     5  /إفساد الذوق ونمط الاستهلاك عند المسلمين

     فالإسلام يربي المسلمين على ترك التبذير والإسراف والترف والتنعم الزائد لأن ذلك يقضي على علو الهمة و يذهب بأخلاق الجِدّ في الأمة ، والعولمة تقوم أساسا على تشجيع الثقافة الاستهلاكية  ، وشراء مالا نحتاج إليه،  بل ما يضرنا ولا ينفعنا ، وما يقويهم ويؤخرنا ، فالعولمة تنشئ عندنا مصانع البيبسي والكوكاكولا ، وتفتح السوق أمام سلع الرفاهية والترف والمتعة ، وتصرف الملايين على الإشهارات والإعلانات التي تُغري بأدوات الزينة والتجميل واللُّعَب والكماليات ، والأمة في حاجة إلى تطوير أدوات الزراعة والغذاء ، وإلى التصنيع الزراعي والتأسيس الصناعي والعسكري قبل الحاجة إلى الترف .  .   

 

 

العولمة الثقافية وأثرها في السلوك والأخلاق :

 

     لا شك أن قوة الإنتاج الثقافي الأمريكي خاصة والغربي بصفة عامة في وسائل الإعلام والاتصال المختلفة ، مع الهيمنة على تلك الوسائل  تؤدي إلى التغيير التدريجي في القيم و معايير السلوك وأنماط الحياةلدى الشعوب الضعيفة التابعة [11] .  ومن آثار العولمة الثقافية على السلوك وأخلاق المسلمين :

      6 /  الانهزام والشعور بعقدة النقص والاستسلام:

      وهو الطريق لإضاعة الهوية الحضارية وذوبان الشخصية المتميزة ، لأن المغلوب مولع بتقليد الغالب في كل شيء (الضعف أمام القوة ) ، ومن أبرز مظاهر هذا الانهزام : الافتتان بالثقافة الغربية في لغتها وأعلامها وفكرها وفنها وتاريخها ومنهجها في الحياة والتنكر للموروث الحضاري الإسلامي في ذلك ، وكذلك الافتنان بمنهج الحياة الغربي في اللباس والطعام والشراب والكلام والديكور والأفراح والمناسبات والأعياد وغيرها . . .

      7 /القضاء على الخصوصيات وتمييع المفاهيم باسم تعميم الثقافات:

      ومن أكثر الأخلاق والممارسات تأثرا في المسلمين بسبب العولمة الثقافية ما جاء به الوحي من بيان لحقوق وواجبات الجنسين :  خلق قوامة الرجل على المرأة وأهل بيته –  خلق تعبد المرأة  بطاعة زوجها – خلق الحياء والعفاف في المرأة - وظيفة المرأة في المجتمع- المرأة والمَحرَمية في الدخول والنظر واللمس والسفر – منهج تصريف الحاجة الجنسية . . . يتم التأثير في تلك الأخلاق عن طريق الكلمة والصوت والصورة الثابتة والمتحركة والمؤتمرات وغيرها   . . .

     وعلى سبيل المثال نوقشت رسالة ماجستير بعنوان :" صورة المرأة في إعلانات التلفزيون " في إحدى الدول العربية اعتمد فيها الباحث على تحليل مضمون 356 إعلانا تلفزيونيا ، بلغ إجمالي تكرارها 3409 مرة خلال تسعين يوما فقط .   وقد توصل الباحث إلى ما يلي :

1-              استخدمت صورة المرأة وصوتها في 300إعلان من356،كررت قرابة 3000مرة في تسعين يوما.

 

2-              42 بالمائة من الإعلانات التي ظهرت فيها المرأة لا تخص المرأة.

 

3-              سن النساء اللاتي خرجن في الدعاية من(15 إلى 30)سنة فقط.

 

4-              76 بالمائة من الإعلانات اعتمدت على مواصفات خاصة في المرأة كالجمال والجاذبية،و51 بالمائة على حركة الجسد،و 5،12بالمائة استخدمت فيها ألفاظٌ جنسية.

 

5-              إن الصورة التي تقدم للمرأة في الإعلان منتقاة وليست عشوائية[12].

 

ونفس الشيء حصل بالنسبة للأطفال و البرامج  " العولَميّة " الموجّهة إليهم   .  

 

 

 

     8/    تمييع المفاهيم حول ارتكاب الجريمة وخطورتها وتنوعها :

 

      عن طريق وسائل الإعلام والاتصال المختلفة ، وكما قال أحد الباحثين :" إذا كان السجن هو جامعة الجريمة فإن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية للانحراف" . ذكر الدكتور " حمود البدر" أنه من خلال إحدى الدراسات التي أجريت على (500) فيلم طويل تبين أن موضوع الحب والجريمة والجنس يشكل 72 بالمائة، وتبين من دراسة أخرى حول الجريمة والعنف في ( 100 ) فيلم وجود (168) مشهد جريمة أو محاولة قتل ، بل إنه وجدَ في(13)فيلم فقط(73)مشهدا للجريمة [13] ، فأين هي أخلاقُنا و خصوصياتُنا في الموضوع ؟!! . 

 

خاتمة:

 

    لاشك أن للعولمة إيجابيات بمقابل سلبياتها الكثيرة ، ومهما يكن من سلبياتها الكثيرة فإن السبب الرئيس في تأثر المسلمين فراغُهُم وعدم قيامهم بواجب العمارة ومقتضيات الاستخلاف في الأرض ، قال الله تعالى :﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾( آل عمران186 )،وقال سبحانه:﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط﴾ (آل عمران:120) .

 

 

    

 

 

 

 

 

 

[1]- بروتوكولات حكماء صهيون(ص65).

[2]- قضايا الفقه والفكر المعاصر: مقال بعنوان  " العولمة والأخلاق  "-أ د وهبة الزحيلي (ص654). 

[3]- الثقافة تشمل العقائد والأفكار والقيم و العادات والتقاليد والفنون و القانون واللغة والتعليم وأساليب التصرف والحياة . .

[4]- نقلاً عن الأسبوع الأدبي، العدد 602، ص: 19، بتاريخ 14/3/1998م .  

[5] - انظر للاستزادة : قراءة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة -  د نهى قاطرجي :  http://www.saaid.net/daeyat/nohakatergi/64.htm

[6]- اقرأ للتوسع مقال أ محمود حيدر : السيادة في تحولات العولمة " الدولة المغلولة" نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق-عدد100 أكتوبر نوفمبر2000م . ودراسة لمحد عبد الفتاح حمراوي بعنوان :"أثر العولمة على سيادة الدولة" نشر مجلة أنكيدو بموقعها الإلكتروني . 

[7]- يقصد بالدولة ذات السيادة الكاملة الدولة التي تتمتع باستقلال كامل فيمباشرتها سيادتها الخارجية و الداخلية، فلا تخضع في ذلك لسيطرة أو هيمنة أية دولةأو هيئة أخرى تحت أية صورة من الصور، فتكون لها كامل الحرية فياختيار نظام الحكم المناسب لظروفها، ووضع الدستور الذي يحدد العناصر الأساسيةللدولة و السلطات العامة فيها، و حقوق الأفراد وحرياتهم العامة و العلاقات بين هذهالسلطات و إصدار القوانين واللوائح . . .

[8]- كبرى المعارك والفتوحات الإسلامية:محمد سعيد مرسي(ص145).

[9]- اقرأ للتوسع :منظمة التجارة العالمية وآثارها الثقافية: د ابراهيم بن ناصر الناصر، شبكة نور الإسلام 3/09/1427هـ. .

[10]- أطفال العراق- نبيل زكي- الأخبار4 / 11/ 1996م – ص 2 .

[11]-  انظررسالة المسلم في حقبة العولمة : أ-د ناصر بن سليمان العمر (ص41) .

[12]- عن مجلة الإصلاح في دبي: العدد134 ذي الحجة عام1409هـ،وانظر :رسالة المسلم في حقبة العولمة ل أ د :ناصر بن سليمان العمر(ص40) .

[13] - انظر :رسالة المسلم في حقبة العولمة ل أ د :ناصر بن سليمان العمر(ص38).


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق