]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مسرحية "قمر بنت الغجر" فى الميزان

بواسطة: د. خالد سرواح  |  بتاريخ: 2013-04-19 ، الوقت: 11:13:57
  • تقييم المقالة:
مسرحية قمر بنت الغجر في الميزان  بقلم د. خالد سرواح                                                   قمر بنت الغجر مسرحية جديدة ضمن سلسلة النصوص المسرحية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة وهى للكاتب محمود مكي خليل وقدم لها الناقد المعروف د. عمرو دوارة. في الحقيقة، ما لفت نظري لهذه المسرحية وجعلني التقطها دون غيرها من الكتب المختلفة عند بائع الصحف ليس عنوانها بقدر ما كانت حاجتي لكتابٍ أقرأهُ لُيخفف عنى طول المسافة من المحلة الكبرى إلى بورسعيد. فكان اختياري لما له علاقة بتخصصي وهو المسرح. هنا وبعد قراءتي لهذه المسرحية أرى أنها عمل أدبي ناجح، له ما له وعليه ما عليه.     تتكون المسرحية من ثلاثة فصول؛ يتألف كل فصل من أربعة مشاهد. تتعامل المسرحية مع عالمين مختلفين تماماً عن بعضهما البعض: عالم الغجر وعالم الحضر. ورغم اختلاف العالمين في الطبيعة والعادات والتقاليد، وكل شيء تقريباً، ينجح المؤلف في مزجهما معاً وإزالة السدود والتخوم بينهما بالحوار الذي مُهِد له بما يُعرف بـ "قراءة الكف" التي يجيدها أهل الغجر ويلجأ إليهم في ذلك أهل الحضر. أصبحت قراءة الكف هي الأداة الأساسية التي يتفاعل من خلالها أهل الحضر مع أهل الغجر. فبعد أن نجح المؤلف في كسر الحدود المادية بين العالمين والتقريب بينهما مادياً بهذه الأداة، برع في تأكيد هذا الترابط ودعمه معنوياً باستخدام أداة أخرى وهى الحب، الحب الذي لا يعرف فروق أو قيود. وبالحب هنا أقصد الترابط العاطفي بين الطالب الجامعي سمير البلتاجي (ابن الحضر) وقمر (بنت الغجر) من ناحية وبين رءوف الشربيني، زميل سمير، وزينب، صديقة قمر، من ناحيةٍ أخرى. وربما توقعنا أن تقف العادات والتقاليد المختلفة للعالمين حائلاً دون إتمام هذا التقارب العاطفي خاصة وأن سمير لا يمثل طبقة حضرية فحسب، بل إنه يمثل أعلى طبقة في المجتمع لكونه بن وزير. نجح المؤلف أيضاً في أن يزيل هذا العائق باستخدامه لنظرية المؤامرة التي نفذتها هدى التابعي زميلة سمير وابنة السفير التي أدى حبها للأول وغيرتها عليه من قمر إلى تدبير المكائد ضدهما مسيئةً في ذلك لزميلتها نرمين. زاد كل ذلك من تعاطف الجميع مع قمر التي لم يرون منها سوى كل خير، بل ومهد لتتويج التقارب بينها وبين سمير من ناحية وبين رءوف وزينب من ناحيةٍ أخرى. وإذ تنتهي الأحداث الدرامية بنجاح قمر في إنقاذ سمير من الغرق، ينجح مشرف الرحلة في إظهار براءة قمر بكشف مكائد هدى التابعي على رءوس الأشهاد. بذلك وبشكل مفعم بالتشويق نجح المؤلف في جعل الحب أداة ساحرة قادرة على كسر كل القيود المادية والمعنوية بين عالم الغجر وعالم الحضر.        والحبكة الدرامية البسيطة للنص الذي بين أيدينا تكشف عن أشياء جديرة بالذكر هنا. أولاُ: فهم المؤلف العميق لعادات عالم الغجر وتقاليده في قراءة الكف والودع. فيقول المؤلف على لسان قمر: "لو العاشق يوشوش الودع على اللي بتقراله الطالع محال تقدر تكشف له سره ولا تبين شيء في نفسه، بالذات لو قلبها فيه شيء من اللي في قلبه، فالخطوط تتقطع ويتمحى المكتوب" (69-70). وهذه حقيقة لا يعلمها إلا من درس أو اقترب من عالم الغجر. ثانياً: بساطة هذا العالم الذي لا يعرف التعقيد؛ فهو عالم يرى الدنيا كلها أرضه يعيش في أي مكان دون الاعتراف أو التقيد بحدود أو تخوم صنعها البشر. يأتي ذلك على لسان قمر في ردها على سؤال سمير "بلدك فين؟": "أنا غجرية والعالم كله بلدي. أجدادي كانوا يجوبون أرض الله الواسعة اللي أورثها الله لعباده.. لكن ايش نقول.. عباد الله جعلوا من أنفسهم أسياد الأرض.. رسموا الحدود. وضعوا السدود من شوك وجنود وبارود. وانسجنوا الغجر داخل البلاد. يقاومون الضياع من زحف الزمن.. ومصاصين الدماء الشرهين المتخمة أجسادهم وجيوبهم ولا يرحمون ولكن الغجر باقين. باقين"(52-53). ثالثاً: خبرة أهل الغجر وعلمهم رغم عدم تعلمهم ؛ فهم جزء من الطبيعة بنقائها وصدقها ووضوحها. يتجلى ذلك في وصف سمير المتعلم لقمر الغجرية بأنها "زى الشمس واضحة جريئة. لا تعرف التجميل في الشكل ولا في الكلام... الحياة البدوية وكثرة الترحال زودتها بعلوم مش موجودة في كتب. ثقافتها غريبة تجذبك حكاويها ذي الحكايات القديمة الموجودة في الأساطير الشرقية. ... بس قمر حكاويها عن الغجر. ليها جذور عربية حقيقية مش خرافية (77). رابعاً:  حكمة الغجر وخبرتهم في الحياة وهذا ما يؤكده شيخ العرافين عندما يوجه كلماته الحكيمة لهدى المتغطرسة وكأنه يلقنها درساً في الأدب والأخلاق بهدوء الشيوخ وحكمة العلماء: "شوفي يا بنيتى الطير الطاير كلما طار وارتفع في المدا نحو السما يصغر في عيون البشر ولو زاد فى علوه.. بكل جناحه ويقع كلما على وارتفع! ...ترين ذاتك ما حدا مثلك بعلمك العالي. وفى الغربة ح تزيدين فوق علمك علم وتنسى يا بنيتى أن فوق كل ذي علم عليم! والإنسان كلما ارتفع في علمه قل شأنه أمام نفسه وعرف قدره قدام ربه"(43-44).      النص المسرحي الذي نحن بصدده الآن به الكثير والكثير من المعاني الجميلة عن العالم الذي يتحدث عنه مثل تغلب الخير على الشر في النهاية وإن دام الشرُ لبعض الوقت، إذابة الحب الصادق للفوارق الاجتماعية مهما عظمت، نقاء حياة الغجر الذين لا يعرفون مكر الحضر، احترام الكبير، إلى آخر ذلك من المعانى والقيم النبيلة. ورغم هذه المعانى الايجابية الكامنة بمضمون النص، هناك بعض الملحوظات التي لفتت نظري ببنائه أو بشكله.      أولاً: فيما يتعلق بالشخصيات ربما أسجل شيئاً مختلفاً هنا عما سجله الناقد د. عمرو دوارة بمقدمة المسرحية. فإن كان الأخير قد أخذ على المؤلف عدم اهتمامه "بتحديد الأبعاد الدرامية لكل شخصية أثناء تعريفها في البداية حيث تم الاكتفاء بتحديد العمر أو كتابة المهنة فقط وذلك دون تحديد واضح لبعض الصفات المادية أو الاجتماعية أو النفسية الأخرى" (10)، فإني أرى أنه لو اكتفى المؤلف (في تعريفه للشخصيات ببداية النص) بذكر الشخصية وعلاقتها بالشخصيات الأخرى فقط لكان أفضل على أن يقوم الأخير فيما بعد (عندما تظهر الشخصية لأول مرة من خلال الحوار) بتقديم الصفات التفصيلية لها من خلال ما يعرف بإرشادات المسرح stage directions. وهذا يكون أفضل لأسباب مختلفة أهمها عدم إرباك القارئ بكثرة التفاصيل عن جميع الشخصيات في وقتٍ واحد بمقدمة النص. كما أن تقديم العلامات المميزة لكل شخصية لحظة ظهورها أول مرة يُسهِل على القارئ الربط بين هذه العلامات والشخصية التي تتحدث دون قطع القراءة برجوع القارئ إلى مقدمة النص كلما أراد ذلك ليتذكر العلامات أو الأبعاد الدرامية للشخصية.      ثانياً: عدم سير المؤلف على نمط واحد فيما يتعلق بذكر الشخصية التي تتحدث. فمثلاً نجده يكتب بالهامش "ش العرافين" أو "ش غازى" أو "ش مشعل" ويسير عليها بعض الوقت وفجأة نجده يكتفي بكلمة "الشيخ" في الهامش. وهذا يُحدث بلبلة للقارئ مما يجعله يعتقد أنه ينتقل لشخصية أخرى مختلفة عن تلك التي كانت تتحدث.      ثالثاً: بالنسبة للشخصيات أيضاً وتقديمها بمقدمة النص كنت أتوقع لو قام المؤلف بتصنيفها بين شخصيات رئيسة وأخرى ثانوية حتى لا يتوه القارئ خاصة في ظل هذا العدد الكبير لشخصيات المسرحية.      رابعاً: إذا كانت اللهجة العامية في الحوار هي أنسب لفهم عالم المسرحية والاقتراب منه بشكل أكثر واقعية من الفصحى التي تبعد كثيراً عن واقع الغجر، فمن بابٍ أولى أن تُكتب هذه اللهجة بالدقة التي يُتوقع أن ينطقها بها أهلها بالمسرحية. وهذا ما يفقده حوار المسرحية. فمثلاً نقرأ رد سمير على رءوف: "عاوزنى أصدقك. بأنك ح أتسيب كل البنات اللى عرفتهم علشان زينب العرافة الغجرية... لا ماصدقش.." (76). كما نقرأ كلام زينب لقمر: " لكن رءوف وسمير ونرمين وكل المصيفين ما يعملونا إلا بالطيب" (82). ونقرأ كذلك كلام نجمة لكابوريا: "يا عينى على قمر حبسنها فى خيمتها وما تبارحها إلا بعد ما يجى شيخ الغجر من سيدى كريز وينظر ايش راح يكون.. ترحل مع أهلها أم تظل ما أنى مصدقة!" (118). لاشك ان الأمر يحتاج لمزيد من الدقة في كتابة الكلمات كما تنطقها الشخصيات بالعامية.      خامساً: نجد أن الحوار غير منتظم إذ إن المؤلف لا يسير على درجة واحدة من درجات اللهجة العامية، بمعنى أنه مرة يستخدم أقصى درجة من درجات العامية وأخرى يستخدم عامية بها بعض الكلمات الفصحى (التي يمكن أن تُكتب هى الأخرى بالعامية لتتمشى مع الحوار العامي). فمثلاً نجد كلام قمر لشيخ العرافين: "قدر ما أنا سعيدة الآن وأنا معك قدر ما انى متكدرة" (114) وفى نفس الحوار ترد قمر على أبيها بـ "ايش تقول يا بوى؟" (115). النص مفعم بمثل هذه الأمثلة التي كثيراً ما تُحير القارئ وتوقفه لبعض الوقت ليعيد الجملة مرةً أخرى بقراءة مختلفة في بعض الأحيان.        سادساً: فيما يتعلق بتعاليم أو إرشادات المسرح، أراها مهمشة وفقيرة للغاية وكأننا بصدد حكاية تُحكى في شكل حوار وفقط. وإن كانت أحداث المسرحية تدور بشاطئ أحد المصايف الساحلية الشاسعة، فهذا لا يمنع أن يقوم المؤلف بوصفٍ تفصيلي للمكان والزمان الذي تتمركز حوله الأحداث ببداية كل مشهد وذكر للشخصيات التي تُجري الحوار ووصف لها إن لم تكن فد قُدمت من قبل وهذا كله يكون بمثابة تمهيد للمشهد بدلاً من أن يُفاجئ القارئ بانهماكه في قراءة الحوار الذي يأخذ منه بعض الوقت حتى يستوعب ماهية الشخصيات المشتركة فيه ويتأقلم عليه. ولا شك من أن وجود هذه التفاصيل المسرحية تساعد القارئ على تخيله لشكل الحدث بطريقة أكثر واقعية.      سابعاً: المسرحية شيقة كما ذكرتُ أعلاه ولكن هذا التشويق لم يُوظف ببناء الحبكة بمعنى أن المؤلف لم يهتم بجعل عنصر التشويق يأتي بنهاية كل فصل ليجذب القارئ إلى الفصل الذي يليه. على العكس، ما فعله المؤلف هنا هو إنهاء كل فصل بمشهد قاصر على عالم الغجر فيما بينهم ليس له علاقة بعالم المسرحية الآخر (عالم الحضر) وبالتالي مستقلاً عن حدث المسرحية الرئيس. كما أن هذا المشهد يأتي وكأنه نهاية هادئة متممة للفصل الذي يختمه. ما كنتُ أتوقعه من المؤلف هنا هو ربط نهايات الفصول بالأحداث الرئيسة من ناحية ووضع عنصر تشويق بنهاية كل فصل يجذب القارئ إلى الفصل التالي من ناحيةٍ أخرى.      ثامناً: تهميش دور الرحلة الطلابية بحيث ظهرت وكأنها حدث ثانوي لا قيمة له سوى أنه يخدم قصة سمير وقمر ورءوف وزينب.      تاسعاً: رغم أنها "مسرحية غنائية استعراضية" كما يظهر من العنوان الفرعي لها بصفحة الغلاف، إلا أن المؤلف كان دائماً ما يختزل هذا الغناء ويكتفي بمجرد الإشارة له بأن مثلاً "زينب تدق على الدف الصغير مشاركة قمر غناءً يدوياً" (61) أو "يلهون فى غناء عن النسيان والتفاؤل" (121) ...الخ  وينتقل بعد ذلك مباشرةً للحوار. وهذه قضية خطيرة لأنه بهذا الشكل لا يمكننا وصف المسرحية بأنها غنائية. كما أن المؤلف بتهميشه لهذا الغناء أضاع على نفسه فرصة وضع بعض الكلمات أو الحكم التي قد تأتى بمثابة تلخيص للحوار أو موقف معين وهذا طبيعي جداً ومتوقع في أغاني البدو والغجر.      عاشراً/أخيراً: النص يحتاج إلى تدقيق إملائي خاصةً فيما يتعلق بما يكتبه المؤلف نفسه بعيداً عن حوار الشخصيات.        هذه الملاحظات وغيرها لا تقلل من قيمة العمل؛ فهذا متوقع وطبيعي جداً خاصةً إذا ما كانت هذه هي التجربة الأولى لمحمود مكي خليل. فأنا أراه أكثر منى شجاعةً لأنني رغم انتهائي من كتابة نص مسرحي بعنوان "الشياطين الخرس" (وهو تجربة واقعية تكشف عن الخداع والغش الذي ساد المجتمع وبرع فيه اللذين يتخذون من الدين عباءة لهم) منذ ثلاث سنوات، إلا أنني لا أمتلك الشجاعة لنشره لأنه أيضاً التجربة الأولى لي. على أية حال، أتمنى للمؤلف المزيد من النجاح والتوفيق.          

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق