]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مكاشفة

بواسطة: عبدالعزيز السباعي  |  بتاريخ: 2013-04-17 ، الوقت: 23:36:52
  • تقييم المقالة:

مكاشفة

 

أرى كُلَّنا يبغي الفلاح لنفسه، بَيْدَ أن الطرائق تختلف، والوسائل تتبايَن، وتتفاوت درجات الإصرار، أما على صعيد الهِمم والعزائم، فلكلٍّ منَّا نصيب يزيد وينقص، ويغيض ويفيض، منَّا مَن يُواصل الحِرص والجد والاجتهاد، ومنَّا مَن يغفل ويركن إلى الرَّتابة، والانسياق خلف الشائع والمتبوع.

ويظل هدف الجميع -برغم هذه الاختلافات- هو الوُصُول لأعلى المراتب، وتحصيل أفضل المكاسب منَ الأموال والوظائف والثَّمَرات.

وفي سباق الحياة تجرفنا أوقات العمل ومشاغله حتى من أنفسنا، ويتمنَّى الواحد منَّا أن يخلوَ إلى نفسه -ولو ساعة- ليعيدَ ترتيب حساباته وأولوياته، ويُمنِّي نفسه بمرحلة جديدة يَتَخَلَّص فيها من قُصُوره وتقصيره، وينطلق -من جديد- وَفْقَ مُثُلِه ومعتقداته؛ ليصبحَ أكثر تنظيمًا وإنجازًا، وإنتاجًا وإيجابية، وتمضي الأيام وتَتَبَدَّل أجواء العمل، وتقلُّ كثافته، ويتوافر الوقت، ساعتها –للأسف- يركن صاحبنا إلى الراحة والاستجمام، تعويضًا لمُعَانَاة الضُّغوط والمسؤوليَّات، وينسى أمنيته القديمة، ومشاريعه المؤجَّلَة، فتمضي ساعات الفراغ، وتعود وتيرة العمل لكثافتها، وتعاودنا الأمنيات المعطلة والحسابات الكامنة، وهكذا.

وتبقى الحاجة مُلِحَّة إلى وقفة؛ حتى لا تجرفَنا تيارات الحياة المتلاطِمة، لا بد من وقفة حتى لا ننسى أنفسنا، وذوي رحمنا وأحباءنا وزملاءنا، لا بد من وقفة لننظرَ إلى الوراء فنقيِّم مسيرتنا، وإلى الأمام فنخطط لمستقبلنا، لا بد من وقفة نُحَدِّد فيها موقعنا من ثوابتنا العَقَديَّة والوطنيَّة، وما يتطلبه الوصول إلى الموقع الصحيح.

إنَّ مُوَاجَهة النفس تحتاج إلى شجاعةٍ قلَّما تتوافر، وكثيرًا ما يَتَرَتَّب على هذه المواجهة معاناة وتوتر وقلق، وهو ما يدفع أغلبنا للهروب منها بتزجية أوقات الفراغ، متى وجدتْ، ولكن هذه المعاناة - وذلك التوتر والقلق - هي وقود التَّصحيح، فكما ينكبُّ أحدنا على «مالياته»، يحسب الوارد منها والصادر؛ ليعرف موضع قدمه، كذلك لا بد من مكاشفة النفس بحساب تصرُّفاتنا، النافع منها والضار، ما يتفق مع ثوابتنا وما يجافيها، حتى لا نبتعدَ عن جادَّة الطريق، أو نصل إلى وضع نعيب على غيرنا أن يضع نفسه فيه.

إن هذه الوقفة أشبه بالمنظار الذي يكشف لنا معالِم الطريق، ما يكتنفه من عقبات، أو ما ينطوي عليه من عثرات، فنبتعد عنها، أو نأخذ حذرنا؛ لتمرَّ أمورُنا بسلام، بدون هذه المكاشَفة يصبح الإنسان كالأعمى، يسير في غابة من الأشجار المتلاصقة، متشابكة الفروع، كثيفة الأشواك.

لا بد من «تقييم» علاقاتنا بالآخرين، حتى نَتَبَيَّنَ العدو منَ الحبيب، لا مفرَّ من إعادة النَّظر لتصرُّفاتنا مع المحيطين، آخذين في الاعتبار تبديل مواقع الأشخاص، فيضع أحدُنا نفسَه مكان الآخر، حتى يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه.

أهم من كلِّ ما سبق أنَّ الإنسان لا يُمكن أن يستغنيَ عن هذه الوقفة مهما كانت مشاغله ومشاكله ومسؤوليَّاته، فالواحدُ منَّا لا يشرفه أن يسير - كالجماد - بقانون القصور الذاتي، كما لا يقبل أن يكون «إمَّعة»، إذا صلح الناس صلح هو أيضًا، وإذا فسدوا فسد مثلهم، ولكن الأمرَ بحاجة دائمًا إلى أن يرصد الإنسان موقعه في الحياة، ويعكف عليه بالبحث والتصحيح والتعديل، فيستمر فيما يشرفه، ويقلع عما يشينه، ويسعى للوُصُول إلى ما يصبو إليه.

وقد يربط بعضنا بين مناسبة ما، وبين البَدْء في تصحيح مساره، كأن يربطها مثلاً بعيد ميلاده، أو الانتهاء من مرحلة معيَّنة من حياته؛ كاجتياز سنة دراسيَّة، أو الوُصُول إلى درجةٍ وظيفيَّة، بيد أنه في هذه الحالة - وإن صدق العزم، وصَحَّت النيَّة - فإن ذلك يدخل في إطار التسويف والمراهنة على الظروف، ولا يضمن الشخص هل ستظل الأوراقُ في يده حتى هذه المناسبة أو تلك، ألا يمكن أن تَتَعَقَّدَ الأمور إلى حدٍّ يصعب معه التراجع، أو حتى التوقف؟!

 

عبدالعزيز السباعي
 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق