]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الخيال المضطرب !

بواسطة: زاهية بـوغاني  |  بتاريخ: 2013-04-17 ، الوقت: 20:56:08
  • تقييم المقالة:
رفرفة جنـــاح... هي كل ما كنت اسمعه من داخل غيبوبتي... كان صوتا ضعيفا يصدر من كل مكان حول شجرة خضراء مثقلة بحبات الزيتون أوراقها تعانق الأغصان بإلحاح كأنما كانت تخاف أن تجبر على تركها.. مع حفيف الأوراق كان يزداد صوت الرفرفة رويدا ثم بدأت تلوح لي ملامح خيال طير أو أيا يكن !! ..المهم أنها كانت تفاصيل ضبابية لصاحب الصوت المزعج... لقد أقلق هدوئي في غيبوبتي تلك.. أذهب عني حنان الفراغ و الصمت اللذين كانا يلفانني تحت ظل الشجرة الوارفة و يمسحان عني ذكريات ما لم يبق لها في ذاكرتي إلا فكرة أنها مؤلمة مظلمة و مخيفة !! الخيال ذاك سرعانما ازداد إزعاجا !! لقد كان أشبه بروح ثائرة تكاد تجن؟ لكن روح من هي تلك؟ و ماذا تفعل قريبا مني هكذا؟ أردت أن اطرده لكني فضلت أن لا ألتفت للأمر أكثر فقد كان السلام في غيبوبتي حلو الطعم طيب الملمس رؤوفا بي ... لقد كان يختلف تماما عن ذلك الواقع.. لا أعلم بالضبط أي واقع لكن هي فكرة خلفتـها ذاكرتي الراحلة لتجعلني أستمتع بكل شيء حولي.. هنا.. وحدي !!
لكن أيكون بالإمكان أن أغفو و هذا الكسير الجناح يتخبط فوقي و حولي؟ الخيال المضطرب صار يخفق فجأة خفقا مرعبا مدويا يصم الأذان يبعث على الهلع تشنجت له أعصابي !! أحسست أني سوف أجن معه و لسبب ما رغبت فجأة بضم الزيتونة مثلما كان يحاول أن يفعل .. كل شيء تغير من حولي و ظلي الدافئ بدأ ينحسر و حفيف الخضراء أخذ يخبو هو الأخر رويدا رويدا .. ماذا فعلت أيها الخيال؟ قلبت حياتي و سلبتني السلام؟!!!
لا جواب ولا صوت عدا الرفرفة المتخبطة !! لم أحس إلا و أنا -كالخيال المضطرب- أشتاق و أتحرق لحلم ما لأطلال أمنية أو لبقاياي أنا .. كأني تركتـها في مكان آخر و ما كان ينبغي أن أطيل الغياب أكثر لكن ماذا؟ لأي شيء أتحرق؟ بلغ جنوني ذروتـه وسط الضياع و لم أشعر إلا و أنا اصرخ فإذا بي افتح عيني على جوانا و هي تمسح عن جرحي دمه و هي تتكلم كلاما لا افهمه .. ما زلت لم أخرج كاملا من غيبوبتي .. نظرت إلى بطني المفتوح لا مباليا ثم التفتت إلى ذلك الشيء البارد في يدي .. إنها بندقيتي .. اختلطت علي الأمور فجأة و اندمج العالمان بشكل محير لكن لا شيء كان يستطيع أن يجعلني أتوه عن وزن البندقية المشحونة من التي نفذت ذخيرتـها... لقد كانت خفيفة في يدي و بين الزيتون و الجناح و الزناد و أنا في جو اضطرابنا جميعا لم اشعر من جديد بأي شيء عدا صوت الرفرفة الصادر عن يميني .. التـهب له وجداني و ما لبثت أن هويت عن التل اجمح وراء صوت الخيال المضطرب.. لا أعلم ما إن كانت جوانا منعتني من النهوض أو إن كان أحد ما غيرها واقفا بالقرب مني .. كل ما كنت أعلمه هو أن خيال الجناح انزاح فجأة عن ناظري فرأيت أبواب المسجد دونه !! رأيت هناك نفرا من أحقر خلق الله يرتعون في ساحتـه بين أشلاء الضحايا الحمراء ففقدت إحساسي بما حولي مجددا و انهلت محتضنا زنادي أطلق عليهم نيراني و جم انتقامي و كل أحلامي البيضاء .. أخبرت جثث الساقطين منهم عن كل دعواتي التي خزنتـها لعبد الرحمان حين يكبر في أمان الله لا يهدده دنيء منهم و يغادر الحوش ليذهب إلى ساحة الأقصى حيث ينتظره أبناء القدس فيدرسـهم فقه التوحيد و إجلال الله في أرضه !!!
لم استطع أن أحكي لهم كل ما أردتـه فقد ثقل علي كل ما حولي فجأة ... استأت و اعتلاني الهم لكن حينما لمحت دمي الرقراق ينساب من كل عضو في جسدي علمت انه سيحكي مزيدا مما كنت أريد .. لقد مر بجانبي أبو الطيب و أبناء الحي و تبسموا لي ابتسامة مهنئين و مضوا وسط إطلاق النار .. خلفهم كان ابن عبد البر المشاكس يجري متخفيا فعلمت أنه خرج بلا إذن و حين راني قلق قليلا علمت أنه مازال يهابني و أن عقابي المستمر له في المدرسة جعله يحسب لي ألف حساب لكن نظرتـه هذه المرة كانت مختلفة،، كان يريد شيئا ما و فهمته مع أول نظرة ألقاها إلى غير وجهي!! لقد نظر إلى الدم ثم إلى بندقيتي.. لا أعلم ما الذي كنت أفكر فيه لكن بآخر ما تبقى في جسدي من قوة أبعدت يدي عنها و تركتـها له و فعلا ما إن فعلت حتى لمحتها في يده و العزم في وجه يغلي أكثر فأكثر و سمعت صوتا بعيدا يقول لي : "أنتم السابقون و إنا إن شاء الله بكم لاحقون... بعد قليل يا أستاذ كمال!! "
خبا النور بعدها من حولي و تلاشت صورهم جميعا من أمامي لتحدثني روحي بأخر ما لديها على إنفراد.. أخيرا سمعت صوت الخيال المضطرب واضحا و عرفت نغمة قلبي الولهان ببيت الله الطاهر هنا في القدس.. لقد عرفت أن قلبي و روحي عزفا معا أنشودة عشقي لك يا مسجد المسلمين.. لقد أخرجاني من غيبوبتي مذكرين لي أن وقت التسليم للهدوء و الراحة لم يحن بعد و لا يحين و في جسدي ذرة قوة أمنحها لأحرر الحرم الثالث من المغضوب عليهم!! لا يحين وقت التسليم إلا يوم يأتيني داعي ربي فألبي راضيا بأني استمررت في العطاء حتى ما عاد بإمكاني أن أعطي المزيد و الحمد لله رب العالمين !

« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق