]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

طفلُ التُّرابِ . (قصة قصيرة)

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-04-17 ، الوقت: 13:24:17
  • تقييم المقالة:

 

 

وقفَ في إحدى شرفات القصْرِ المُنيف ، يتطلَّعُ إلى أرضٍ جرْداءَ ، يجْري فيها أطفالٌ صغارٌ ، في مثل سنِّه ... كانوا خمسة أطفال ، خمَّنَ أنهم فقراء ؛ فقد كانوا يرتدون ثياياً رثَّةً ، وخفيفةً ، ومُتهرِّئةً ، فيها آثار تعاقب السنوات ، وكانت قسماتُهم تشي بالحيوية والسرور . وأجْسادُهم النَّحيلةُ تمتلئُ بالتُّرابِ والغُبارِ ، وهي تُطاوِعُ الكُرَةَ ، التي كانوا يُطوِّحون بها ، هنا وهناك ، ... كانوا يصرخون ، ويُنادون بعضَهم البعضَ ، ويضحكون ، ويشْتُمون أنفسَهم ، أو الكرةَ ... وكانوا سعداء ...

كان وحده في الشرفة ، وقد تأَنَّقَ بثيابٍ فاخرَةٍ ، تتضوَّعُ منه رائحةُ عطرٍ ثمينٍ ، وشَعْر رأسه يلْمعُ مثلَ مرآة مَصْقولةٍ . غير أنَّ نظراتِ عينيه كانت كابيةً ، وأطرافَ جَسدِهِ بدتْ رَخْوةً ، وشفتيْهِ مُطْبقتين وجامدتيْنِ ... كان حزيناً ...

اقتربت منه الوصيفةُ ، ونادتْهُ بِرِفْقٍ ، وقالت له :

ـ سيدي ، لقد أحْضروا لك الكرةَ ، وبعضَ أولادِ (الذَّواتِ) ، وهُمْ يَنْتظرونَك في حديقةِ القَصْرِ ...

نظر إليها بانْكِسارٍ ، وقال بشجنٍ :

ـ لا أُريدُ ...

فقالت :

ـ ولكنْ سيِّدي الكبيرَ هو منْ أَحْضَرَهم !!

ثارَ ، وصرخَ في وجْهِها :

ـ قلتُ لا أريدُ .. لا أريدُ ...

وأمرَها بالانْصرافِ ، وفي المَمَرِّ الفسيحِ صادفتْ سيِّدَها ، مُقبلاً نحو الشُّرْفةِ ، وهو يَهُزَّ رأسه هزّاً خفيفاً ، مِمَّا يعْني أنَّه سمعَ الكلامَ ...

تقدَّم نحو ابنه ، ومسحَ على رأسه بِعَطْفٍ ، وقال له ، وهو يبْتسِمُ في وجْههِ :

ـ ما بكَ يا بُنيَّ ؟ لقد جَلبْتُ لك الكُرةَ ، وأحْضَرْتُ لك أولادَ كبارِ القوْمِ ، كيْ تلعبَ معهم ، واشترَيتُ لك لُعَباً كثيرةً ، من كلِّ نوْعٍ وحجْمٍ ، ووفَّرتُ لك كلَّ مُتعِ وطيِّباتِ الدنيا ، وتعيشُ في قصرٍ ، وتدْرسُ على أيدي أكْفأ المعلمين ، وتسافرُ إلى أجمل بلدان العالم ، وتحضرُ في أفخر الحفلات ، وأكبر المناسبات ، ولستَ تشكو أيَّ مَرضٍ ،  كما أكَّدَ لي طبيبُك الخاصُّ ، ويسْهرُ على خدْمتِكَ خدمٌ ووصيفاتٌ ... فلماذا أنتَ حزينٌ هكذا ؟!...

رَنا إليه الطفلُ بعينين تجمَّعتْ فيهما قطراتُ الدُّموعِ ، وقال له :

ـ ولكنْ يا أبي أُريدُ غيْرَ هذا ...

سأله أبوه بلَهْفةٍ :

ـ هيَّا أخبرني ، وسأُحقِّقُ رغْبتَك فَوْراً .

تردَّد قليلاً ، وضغط على أنامله الرقيقة ، وأشارَ إلى الأطفالِ البعيدين ، ونَبَسَ مُتَلَعْثِماً :

ـ أريد أن ألعبَ في التُّرابِ مع أولئك الأطفال !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق