]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ذكرى يوم العلم . . بصراحة مع النخبة !

بواسطة: رشيد بن ابراهيم بوعافية  |  بتاريخ: 2013-04-16 ، الوقت: 21:04:47
  • تقييم المقالة:
   مرّت ثلاث وسبعون سنة على رحيل الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله ، وجزاه عن الإسلام خير الجزاء  ،وسوف تتسابق الأفواه والأقلام والقنوات للحديث عن هذه الذكرى ، ذكرى الرّجال الأبطال الذين عاشوا مع الأمة آلاَمَها وآمالَها ، إسلامَهَا وعقيدتَهَا ، لغتَهَا وعروبتَهَا ، عزَّهَا وتميُّزَهَا ، حتى ذَهَبُوا وقودًا للتبليغ ، وزادًا لإيصالِ الكلماتْ . . !    أيها القرّاء الأعزّاء :  أكتبُ لكم كغيري عن الإمام عبد الحميد بن باديس :    و لسْتُ أدري لماذا كلما حملتُ القلمَ  لأكتُبَ عن الإمامِ ابن باديس لاحت لي صورته وهو ساقط على الأرض في ليلةٍ من ليالي المحنة ، يخنقه ذلكَ الشَّقِيُّ الطُّرُقِي ، يريد اغتياله واغتيال الحق الذي معه . فعل به ذلك ؛ والشيخ الإمام يمسك بيده بثبات جَنَانْ ، وقوة إيمانْ ، يحاول التخلص منه والانفلات، ولسانُ حَالِهِ يقول :                 أريدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي       عُذَيْرَكَ من خليلِكَ من مُرَادِ..!    بقي على ذلك مدةً حتى خَلََّصَهُ الناس ، ونقلوا الإمام إلى البيت ، والجاني إلى السجن . .[1] .     و أعجبُ لماذا كلما حملتُ القلمَ لأكتُبَ عن الإمامِ لم تظهر لي غيرُ صورةِ محاولة الاغتيال في عالم الخيال والتصور واضحَةً بيِّنَة ؟! . . أين بقيةُ الصُّوَرِ والوَقَفَاتْ ؟! . .    . .  نخشى أن يكون تأويلُها أَسَفَ ابنِ باديس من اغتيال الأمّةِ الجزائريّةِ لكلماته الحية في المشاعر والتصورات ، في الأعمال و المواقف و التصرفات ، في المظهر والمخبر ، فيشواهد الملامح ودخائل النفوس ، و في كلّ شيء  . . !  وَوَيْحَها من صُورةٍ أيْ إخوانِي . .!، ملايين الأكُفِّ تَخْنُقُ وتغتالْ . .! ، إنها أشدُّ على ابن باديس من يَدِ ذلك المحتالْ . .!.   أيها القرّاء الأعزّاء :   أتذكّرُ بذكرى عبد الحميد بن باديس أخاهُ في الدرب محمد البشير الإبراهيمي رحمهم الله :  و أعجبُ أيضًا لماذا كلما حملتُ القلمَ لأكتُبَ عن الإمامِ الإبراهيميّ لم تظهر لي غيرُ صورته بعد الاستقلال وهو على فراش المرض الذي مات فيه ؛ سَاهِمَ الوجه ، مُنْهَكَ القوى ، وملامحُ الأسف تبدوا على وجهه الذي لم يعرِفِ الأسفَ زمن الاستعمار. .!    أين يا تُرى بقيّةُ الصورِ والوقفات ؟! . . نخشى أن نكون قد رأينا الحق . .!، ليس في البشير الإبراهيمي . . لاَ. .!؛ ولكن في أنفسنا التي قتلها الضَّعْفُ والوَهَنْ . . وأثخنتها الجراحْ . . جِرَاحُ السَّريرِ الوثيرْ  ، واللباسِ الحَرِيرْ ..!      يا للأسَف ! ، ملايينُ الأكُفِّ تَخْنُقُ وتغتالْ . . !، إنها أشدُّ على الإبراهيمي من يَدِ كُلِّ مُحْتَالْ . .!.

   ماذا نقول للنخبة والأمة في هذه المناسبة ؟!:

مفارقة عظيمةُ واللهِ بين ما نراه في أنفسنا وواقعِنا ، وما نريد أن نكتُبَهُ عن أولئك الرّجال الأبطال الحاملين لِجِرَاحِ الأمة. . !  

    عبد الحميد بن باديس : صاحب الجسم النحيف ، والقامة القصيرة ، والعمامة البسيطة البيضاء ، كان قلبًا نابضًا على الدوام بِحُبِّ الأمة ، والعيشِ من أجلِ آلامِها وآمالها . .!

 كان - رحمه الله - يعيش للعلم والحق والإيمان ، ما أصدق قولَ صديقِهِ _ الشيخ العلامة العربي التبسي _ حين قال في ذكرى من ذكريات وفاته : " لقد كان الشيخُ هو الجزائر؛ فلتجاهدِ الجزائرُ الآن أن تكون هي الشيخَ باديس !" .     وصدقَ - رحم اللهُ الجميع -  ؛ فقد كانَ الجزائرَ في مشاعرها وأحاسيسها، في عقيدتها وإسلامها، في لغتها وعروبتها، في عزِّهَا وإبائها . .!    عاش في أمةٍ خَفَتَ فيها صوتُ الحق ، وصار فيها الدين إلى غربتهِ بين أهله وغير أهله ، وامتدت الأيدي من كل مكان إلى دَكِّ حصون الدّين واللغةِ والوطن دَكًّا ، في مؤامراتٍ ظاهرةٍ وباطنة ، ودسائسَ كافرةٍ وفاجرة ، ورغم ذلك ؛ عَرَفَ للدينِ حَقَّه ،وللأمة واجبَهَا وحقَّهَا ، وعَرَّفَهَا ذلك ، فعاش مجاهدًا لله تعالى حتى أتاهُ اليقين . . ! .   أرادت فرنسا من الشعب الجزائري أن يعيش للخبز والزيت ،  و" الفرينة "والدقيق ، فكان-رحمه الله- يصيحُ في الأمة : ليس الجوعُ كلَّ شيء في الألم . . وليس الخبزُ كلَّ شيء في السعادة . .! ، عيشوا للدين والعقيدة يأتيكم " الخُبْزْ " من كل مكان . . !  هكذا أرادت فرنسا من الشعب أن يعيش . . وهكذا أراد ابن باديس من الأمةِ أن تكون . . !     قال ابنُ باديس - رحمه الله-:"جَهِلَ قومٌ من ذوي السلطة هذا الخُلُقَ منا، فحسبوا وهم جد عالمين بما فيه الأمة من جوع وفاقة ، أننا قوم لا نريد إلا الخبز، وأن الخبز عندنا هو كل شيء ، وأننا إذا مُلِئَتْ بطونُنَا مَهَّدْنَا ظُهُورَنَا، و أنهم إذا أعطونا الخبز فقد أَعْطَوْنَا كُلَّ ما نطلب ، إذا حادثناهم في حالنا سكتوا عن كل شيء إلا عن الجوع و الخبز، إذا رفعنا أصواتنا بمطالبتهم بحقوقنا لديهم أو بإنجاز مواعيدهم  ،خرجت المراسيم بتوزيع قناطير القمح أو الفرينة أو الدقيق أو سَلْفَاتِ البذر،التي لا ينال المحتاج منها ما يسد حاجته ، لا يا قوم . .! إننا أحياء . .  وإننا نريد الحياة . . وللحياة خلقنا . . وإن الحياة لا تكون بالخبز وحده. . !" [2] .      فهل يا تُرَى فهمَ النشءُ كلامَ ابن باديس ؟!   قالها الإبراهيمي :" نداءٌ إلى الشعب الجزائري المجاهد . . نُعيذُكم بالله أن تتراجعوا . ." [3]، فهل يا تُرى ثبت الجزائريّون بعد الاستقلالِ على العهدِ أم تراجَعوا . . ؟! .  يا للأسف ! ؛ كلُّ ما سنقوله في ابن باديس وأصحابه معلوم معروف عند الجميع ، لن نضيف شيئا إلى الرصيد المطمُورْ . . للنّاسِ والنُّخبة . . ! ، إنّما البُكاءُ على الواقعِ العمليِّ الذي انتهى إليه حالُ الجزائر والجزائريّين . . ! .    إن عمليةَ التذويب ، وأمْوَاجَ العَوْلَمَة ، وحركاتِ" البارِيسِيِّين " في طمس هُوِيَّةِ الأمة ، في نشاطٍ مستمر ، لا يعرفُ الكللَ ولاَ المَلَل  ، بالصوت والصورة والحرف وبكل شيء . . ، وإنَّ " البادِيسِيِّين " - حاشَا الصّادقين -  تركُوا التجديد ، وانشغلوا بالإسمنت والحديدْ ، والخُبْزْ و القَدِيدْ . . فَكيف يكونُ هناكَ جَدِيدْ . .؟! .

     يا للأسف . . ! ؛  وِجْهَةُ تاريخِ الأمةِ الجزائريّة ستَتَغيَّرْ . . !، ونحن منشغلون بالوُصُولِيَّةِ و" الرُّكُوبِيَّة " والنُّجُومِيَّة . . ولَيْتَهَا كانَتْ بَاِقِيَةً هَنِِيَّة . . ! 

    وِجْهَةُ تاريخِ الأمةِ ستَتَغيَّرْ . .!ونحن  منشغلون عن التجديدِ بالوظيفِ والرَّغيفْ..وليتهُ كانَ عفيفْ . . !  

     واللهِ ما تَحلُّ هذه الذكرى الوطنيةُ المجيدةُ إلاَّ والخجلُ يكادُ يعتقلُ اللسانَ ويشُلُّ القلم . .!

ماذا قدَّمنا في جنب ما قَدَّمَ آباؤُنا وأجدادُنا من الصبر والتعلُّم والتعليمِ والفداء والتضحية. . ؟! إنَّ ابن باديس قد ترك حياة الترف والشهوة وقصرَ حياته على الحق ، و قالها صريحةً فصدَقَ ما وعدَ اللهَ عليه، قال- رجمه الله - : "وإنني أعاهدكم ؛على أنني أقضي بياضي على العربية والإسلام، كما قضيت سوادي عليهما وإنها لواجبات ... وإني سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن وهذا عهدي لكم . وأطلب منكم شيئا واحدا ، وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن" [4].. !   لا نملكُ إلا أن نصارِحَكَ القولَ شيخَنا وإمامنا الجليل :

                  خَلَقَ اللهُ للحرُوبِ رِجَالاً   **    ورِجَالاً لقَصْعَةٍ وَ ثَرِيدِ .  . !

عُذْرًا عبدَ الحميدِ عُذْرَا . . ! من صدَقَ اللهَ صَدَقَهْ . .!! ، لَنْ نَنْفِرَ في الحَر . .!، نفوسُنا عَوْرَة . . ! ، ذرنا نكن مع القاعدين . . ! ، صَحَّ مِنْكُمُ العزمُ . . وخَارَتْ منّا الهِمَمُ والعَزَائِمْ . .  قد سقطت منا العَمَائِمْ . . !، قَطَعْنَا - واللهِ- رَجَاكْ . .!، فلسنا بالنشء الذي تتحدث عنه . . . !!

 

  حين تجتمع هِمَّتُنَا وآمَالُ أولئك الرِّجالْ على صعيدٍ واحد . . سيظهرُ الطريقْ . . وينفرِجُ بإذنِ اللهِ المَضِيقْ . . !

                                                                  رشيد بن ابراهيم بوعافية

                                                                          إمام أستاذ   

 

[1]- أنظر للتوسع في الموضوع: مقالات في الدعوة إلى النهضة الإسلامية في الجزائر للأستاذ العربي التبسي-رحمه الله-(1/63)،وصراع بين السنة والبدعة للأستاذ:أحمد حماني-رحمه الله-(2/20).

[2]- الشهاب: سنة1936م.

[3]- في قلب المعركة- للإبراهيمي (ص15) .

[4]-  ابن باديس : الشهاب – ج ( 7 ) مج ( 15 ) – رجب 1358 هـ - أوت 1939 م – الآثار – ج ( 4 ) – ص ص ( 214 – 215 ) .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق