]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هواجس الفتنة الطائفية

بواسطة: محمد تاج الدين  |  بتاريخ: 2013-04-16 ، الوقت: 11:27:24
  • تقييم المقالة:

محمد تاج الدين

ما أخطأ الباحث العبقري الدكتور جمال حمدان عندما كتب موسوعته الثاقبة عن عبقرية مصر‏,‏ فهذا البلد لسر وضعه الله فيه تفرد عن بلاد الدنيا بالعديد من المزايا أولها نقاء أهله من نزعات العنف الطائفية مهما كانت دوافعها وأسبابها‏.‏

وهو بالقياس علي بلاد العالم كله فريد في قبوله للغير واستيعابه لهم وتمصيرهم رغم فوارق العرق والشكل واللون واللسان والدين ومن ينظر في المرآة يتيقن أن القليل منا مصريون أقحاح أو عرب أقحاح حتي هؤلاء الذين ميزهم الشكل أو الاسم أو الملة بنسب أجنبي واضح يغضب لو نعته بأنه غير مصري, لقد كانت مصر دائما عبر الزمان بوتقة أذابت بداخلها كل الوافدين إليها وصنعت منهم نسيجها المصري الخاص المتفرد بالسماحة والتلاحم والتراحم والمودة والإخاء ليست كلمات جوفاء, لكنه التاريخ السحيق والأمس القريب وفتن الدنيا علي مدار الألفيتين السابقتين والتي أصابت الجميع وبرأت منها مصر دائما, من علم ذلك يعلم يقينا أن مصر محصنة ضد الفتن الطائفية العرقية والدينية وحتي الطبقية, إنها سهم أخير مسموم من سهام الحاقدين والناعقين للخراب يرمونه في قلب جماعة كل جرمها أنها ارتضت الديمقراطية التي انقلب هؤلاء عليها لا لسبب إلا أنهم( الحاقدون) ثبت لهم بالبرهان الواضح أنهم قلة منبوذة بلا جذور مصرية شذوا عن المصريين بالحقد والنعيق ولسوف ترتد سهامهم في أعناقهم عن قريب لأن الله من ورائهم محيط وهو لهم بالمرصاد.
من يقرأ التاريخ يعلم أن مصر وفدت إليها موجات من البشر من كل عرق وملة ودين فذابوا في بوتقتها, وأصبحوا( نحن) لم يعزلوا أنفسهم في أحياء خاصة بهم ولم يعزلهم المصريون, ففي الأمس السحيق وفد عليها الليبيون والنوبيون وسكان آسيا وبلاد ما بين النهرين قبل الغزو الفارسي, أو الهجرة الإسرائيلية, والإغريق قبل غزو الإسكندر وكلهم تمصروا. ووفد إليها العرب والعجم في موجات من الصين والتتار( حاربت في جيش قطز كتيبة من تتار القبيلة الذهبية وفدت إلي مصر من القرم, لتحارب الغزو التتري وكانوا إثني عشر ألف مقاتل استوطنوا القاهرة وذابوا فيها وكان منهم سلطان مصر العادل زين الدين كيت بغا المغولي سنة1295) والروس والألمان( وكان منهم السلطان المنصور حسام الدين لجين سنة1297) والأتراك والفرنسيين والأرمن وسكان الشمال وكلهم ذابوا في نسيج مصر وتمصروا.
فسكان رفح والعريش مزيج من المصريين القدماء والعرب من الجزيرة والشام والترك والمهاجرين من الأندلس عندما فروا بدينهم من بطش فيليب الثاني, وسكان رشيد مزيج متماثل يغلب عليه الأتراك والشركس, وسكان المنصورة مزيج متماثل يغلب عليه صفات اثني عشر ألف أسير فرنسي اعتقوا من الرق بعد غزوة لويس التاسع لاعتناقهم الاسلام وسكان الشرقية والغربية والبحيرة مزيج مماثل أيضا فتري قري بأكملها تحمل أسماء وصفات الوافدين لعائلات أباظة والشاذلي ودويدار وحتاتة والكردي والتركي والشيشاني وهكذا, فهـل أنكرهم مصري أو أنكروا هم مصريتهم وفي الصعيد أيضا نماذج أكثر وضوحا, فبني سويف والمنيا تضم مزيجا بديعا من القبط والعرب والروم وسوهاج والأقصر لم تزل أسماء القبائل العربية تميز العائلات والقري ولا تفرقهم وأهل النوبة في أسوان امتزجوا بالقبط والعرب والأمازيج في سيوه والواحات كذلك, إنها عبقرية مصر التي جعلت منها ملاذا آمنا لكل الهاربين من الظلم والاضطهاد أو الفقر والعوز فآوتهم ونصرتهم وآختهم وناسبتهم وصاروا مصريين روحا ودما ولحما. صاروا( نحن). ومنذ عهد الفراعنة تولي حكم مصر عدد غير قليل من الملوك الوافدين تمصروا, ولم يحل ذلك بيننا وبين الاعتزاز والفخر بهم والانتساب لهم ونسبهم إلينا.
صلاح الدين الأيوبي كان كرديا, وقطز وبيبرس وقلاوون كانوا أتراكا وقبلهم بدر الدين الجمالي وابنه الأفضل كانوا أرمن, وكان الخليفة الفاطمي في عهدهم من أم سودانية, لكن العجيب كان في مملوك ألماني من طائفة فرسان التوتونيك أسر في الحروب الصليبية وانخرط في سلك المماليك وظل علي دينه حتي بلغ الأربعين من عمره, ثم أسلم ثم صار سلطانا لمصر من أشهر سلاطين المماليك والذي مد ملك مصر إلي أرمينيا وجورجيا والأناضول أنه السلطان الملك المنصور حسام الدين لجين الذي شارك في الحرب ضد الصليبيين وإسقاط آخر حصونهم في عكا وتولي ملك مصر سنة1297/1296 خلفا للملك العادل زين الدين كيت بغا الماغولي وهكذا حتي محمد علي وأسرته ومحمد نجيب أول رئيس جمهورية.
تعرضت مصر لاكبر فتنة في تاريخها الحديث علي يد نابليون الذي حاول شق الصف المصري عن طريق العرق والدين فاستمال الأرمن والأتراك وبعض شيوخ الأزهر وبعض المسيحيين كل علي حده, وأوشك أن ينجح في زرع الفرقة بين المصريين لكنهم سرعان ما غلبت عليهم طبيعتهم فثاروا عليه ثورة رجل واحد وفقدوا في حربه ثلاثمائة ألف شهيد يمثلون عشر سكان مصر, ولم يفرق الموت بين مسلم ومسيحي وعربي وأعجمي, وخرج نابليون وهرب معه الخائن بارثلوميو( شق الرمان) وكان الشيخ البكري أول من أدانته محكمة الثورة فتدلي علي حبل المشنقة ولم يشفع له لقبه ولا نسبه ولا ملته ونسي المصريون بارثلوميو والفرقة التي زرعها بيـن المسلمين والمسيحيين وعمالة مراد بك الترك, فنصبوا عليهم محمد علي الألباني واليا, ونوبار نورباريان الأرمنلي ناظرا للنظار ولم تفت في عضد الأمة العبقرية فتنة نابليون ولا شق الرمان ولا مراد بك ولا الشيخ البكري وبعد مائة عام قامت الأمة في وجه الإنجليز قومة رجل واحد في ثورة سنة1919 ولم تزل هي الأمة المتلاحمة التي هزمت الفتنة ودحرت الفاتنين. إنها مصر أيها السادة فلا يغرنكم بالله الغرور وأفسحوا الطريق للقافلة تمضي رغم النباح ورغم النعيق.


         


http://www.ahram.org.eg/NewsQ/204773.aspx


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق