]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

زوابع الخريف

بواسطة: عبدالعزيز السباعي  |  بتاريخ: 2013-04-16 ، الوقت: 07:09:55
  • تقييم المقالة:

قضايا مزمنة

 

زوابع الخريف

 

 

 

 

بقلم: عبدالعزيز السباعي صالح

 

 

 

 

 أيام تدور فتتعاقب الشهور لتتوالى الفصول.. يذهب الشتاء وينتهي الربيع وينصرم الصيف فيحل الخريف.. وفي الخريف تكثر الزوابع؛ فتتطاير الأوراق وتذبل الأغصان وتجف الفروع، لكن تبقى الأصول ثابتة لتواصل دورة الحياة من جديد عندما يذهب الزبد جفاءً ولا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس.

عن "خريف الفكر" نتحدث.. هذا الخريف وثيق الصلة بالخرف، والسفه، والخرافة.

يختلف الناس حول البديهيات ويضطر كثيرون لمجاراة السفهاء لإعادة إثبات ما هو ثابت بالضرورة.. ينسى البعض ويتناسى آخرون مشاكلهم الكبيرة ليتفرغ كل طرف لتفنيد آراء معارضيه ويغرق الجميع في سفاسف الأمور فتضيع معالم الطريق ويتخبط الناس وتتشتت الجهود ويتبدد الوقت وتتقهقر المسيرة..

 هذا باختصار -وبقليل من التجريد- وصف إجمالي لبعض أحوالنا الراهنة، فلا تكاد تمر فترة إلا ويخرج علينا نفر من العاطلين فكرياً بتعليق مستفز أو تصريح مثير، أو تصرف طائش، تتلقفه وسائط الإعلام لتبدأ دورة التخريف والتجديف المضاد فيما يظنه البعض سجالاً بين الرأي والرأي الآخر، مع أنه ليس ثمة رأي رشيد ليعيد الأمور إلى نصابها... مرة يخرج علينا أحد هؤلاء بأن الملحدين تفوقوا في ميدان الحضارة والتقدم فصعدوا إلى أجواء المجرة وشطروا الذرة ووفروا حاجاتهم من الغذاء والكساء.. ويستنتج من ذلك أنه، لكي نتقدم مثلهم يجب أن ندير ظهورنا للدين.. وهذا قياس خاطئ تماماً لأنه يجافي أبسط قواعد المنطق، كمن لدغته أفعى فأمسى يتهيب عند رؤيته أي حبل، فتلك الشعوب لم تتقدم نتيجة الإلحاد، بل لأنها حددت أهدافها في الوجود واجتهد كل أفرادها في سبيل تحقيق هذه الأهداف.. وشعوبنا لم تتخلف بسبب التدين، إنما نتيجة الكسل والإهمال وإهدار الثروات وتبديد الإمكانيات وتضييع الأوقات.. ومثل هذه السلوكيات المرذولة ترفضها تعاليم الدين الصحيح.. ثم إن تلك الشعوب جلبت للبشرية أشكالاً شتى من الدمار والفساد، من الإيدز إلى الحروب والصراعات؛ لأنها لا تقيم وزنا للطهارة ولا تؤمن بوظيفة الإنسان الحقيقية في إعمار الكون. ورغم هذه البديهية يستمر الخلاف حول ثنائية "التقدم والتدين" ويتمادى السفه وتتشعب القضايا الفرعية ليخرج من يعتبر احتشام النساء ردة حضارية وعودة إلى الوراء.. من دون أن يحدد أي وراء يقصد، فيا حبذا لو عدنا إلى "وراء" بعينه، أيام كانت بلادنا مهد الحضارة وقبلة التمدن ومعقل الرقي وموطن سادة الأرض، مع الأخذ في الاعتبار فروق التفاصيل الحياتية التي تفرضها سنة التطور. وتأتي قمة التناقض عندما يسوق مناهضو الحجاب مزاعمهم وكأنها تنطلق من قناعات ليبرالية أو من احترامهم للحريات الشخصية، واعتبارهم الاحتشام الحقيقي منوطاً بالعقل وبالسلوك ولا علاقة له بالمظهر أو الملبس. ومكمن التناقض هنا أن ألف باء الحريات الشخصية تعني أن يرتدي كل إنسان ما يشاء دون أن يتعرض للقهر أو التمييز أو السخرية والتسفيه، كما أن الليبرالية تفرض على كل شخص أن يتقبل حريات الآخرين، وما يترتب عليها من تصرفات وسلوكيات، وأن يسلم بحقوقهم ويحترم اختياراتهم قبل أن يبدأ هو ممارسة حريته على هواه.. كذلك لم يثبت أن الاحتشام في المظهر والملبس قرين الرذيلة، ولم يثبت أيضاً أن التبذل والتبرج والسفور والخلاعة والمجون عناوين، بالضرورة، للفضيلة والاستقامة ورجاحة العقل ورقي السلوك!!

وأعجب ما في الأمر اعتبار الحجاب مظهراً يدل على سيادة طائفة من الناس على بقية فئات المجتمع، إذ قال أحدهم في معرض مناهضته للحجاب والاحتشام "إنه يصبغ المجتمع بلون إسلامي صرف، وإن في ذلك خطراً على حقوق المواطنة".. وكأنه لم يشاهد في حياته راهبة متألقة في زيها المحتشم، ولا سيدة في كنيسة بلباس وقور. يبدو من ذلك جلياً أن هؤلاء النفر يلوون عنق الحقائق ويتخيرون من ظواهر المناهج الفكرية ما يروق لأهوائهم.

 مسألة الحجاب والاحتشام، إذن، محسومة، فهي من الدين فرض معلوم بالضرورة، ومن منظور الحرية الشخصية حق لا لبس فيه بالمنطق والسليقة..

 وقبل ذلك فإن الملابس مظهر أصيل من مظاهر الإنسانية ودليل بارز على الحضارة والتقدم والرقي، فالبدائيون مثلاً لم يكونوا يسترون من أجسادهم إلا موضع العورة بخرقة صغيرة أو بورقة توت، وظلت القرود والحمير والضباع وبقية الحيوانات، إلى يومنا هذا عارية تماماً.

ومن الحيوانات في الغابات، والكلاب في الشوارع إلى الشخص البدائي في البرية، وحتى الإنسان العاقل مكتمل الأهلية في المجتمعات الواعية.. تتفاوت درجات اللبس والاحتشام في سلم النشوء والارتقاء.

العودة للوراء إذن ليست في الحجاب ولا في الاحتشام، بل في خلط الأوراق ومجافاة العقل والعدل والحياد في التعامل مع الأفكار والمواقف والسلوكيات.. وفي هذا الخلط وهذه المجافاة ما يكفي للتفرقة بين البشر الأسوياء، وبين البهائم الهوام. 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق