]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حول العالم في عشر دقائق

بواسطة: عبدالعزيز السباعي  |  بتاريخ: 2013-04-15 ، الوقت: 15:09:39
  • تقييم المقالة:

 

حول العالم فى «١٠ دقائق»

 

 

 

بقلم: عبدالعزيز السباعى صالح

 

 

 

 

 

(تشرق الشمس حانية مستبشرة، ترسل الضوء وتنشر الدفء وتبعث فى الكون الحياة، قبل أن تأسى على خطايا البشر فتغرب حمراء دامعة).. 

 

 

 

خلاصة القضية موجزة فى عبارة قالها «نزار»: 

 

«لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية».

 

«الحضارة» ليست مظاهر وشعارات، بل سلوكيات رشيدة ومبادئ سامية يلتزم بها -على الأقل- أكثر الناس.

 

و«الجاهلية» فوضى وتخبط وكذب وافتراء وانتهازية ووصولية ورياء وتملق وجبن وانكسار وانهزامية وكسل ولا مبالاة واستئساد فى غير موضعه.

 

«الجاهلية» ضيق نظر واستغلال نفوذ وسطو على حقوق آخرين.

 

و«الروح» هى الحياة بتجلياتها ومقتضياتها، فإذا سادت المبادئ والقيم ازدهرت الحياة (الروح).. وإن عمت الفوضى خمدت الروح وانزوت فى أكفانها المتلاطمة فتساوى البشر مع الأشياء والدمى الهائمة، تميل مع الريح حيث تميل.

 

و«الإنسان» حيوان اجتماعى فإن لم يعتنِ بأمر جماعته سقط الحدان الأول والثالث وبقى الحد الأوسط بارزا فى صلابة.

 

وإن لم يقم بدوره بات عبئا على بقية البشر والكائنات.

 

للإنسان رسالة يستمد من أدائها قيمته ومبرر وجوده، وترتبط النتائج بالمقدمات وجودا وعدما، دوران العلة مع المعلول.

 

فى الأصل فإن على ابن آدم واجبات يحتم المنطق أن يؤديها قدر الاستطاعة، بيد أن للوضع الراهن طرحا أعمق؛ إذ بات من الأولويات أن يحرس الفرد حقوقه ولم يعد من اللائق أن يتهاون عاقل فى نهب نصيبه من عطايا خالقه، فليس ثمة معنى لقيام شخص بكل واجباته مع تخاذله عن ضمان الحصول على حاجاته المشروعة، ذلك لأن كل متجاوز لا بد قد اعتدى على حق متخاذل متهاون مستسلم.. وكلاهما فى الجرم سواء، إذ يتساوى فى الذنب إفراط المعتدى مع تفريط الضحية الذى مهّد للجريمة طريقها.

 

وفى هذا المعنى قال شاعر صعلوك: «وإنِّى لأستحيى من الله أن أُرى.. . أطوف بحبلٍ ليس فيه بعير

 

وأن أسأل المرء اللَّئيم بعيره.. . وبعران ربِّى فى البلاد كثير»؛ ذلك لأن الخير عميم والرزق وفير ونعمة الله لا تحصى وتكفى الجميع بل تزيد، لكن حين يطمع البعض فى نصيب آخرين ويتراخى معنيون فى إقامة العدل ويتكاسل كثيرون عن تحصيل حقوقهم، تظهر الفوارق وتتباين المراتب ويتربع مترَفون وينزوى معدَمون بفاقتهم فى الزوايا المهملة، هنا يجدر وضع الطمع والاعتداء والتراخى والانزواء فى قفص اتهام قبل تسمية الجانى.

 

«فلاش باك»

 

منذ طرأ وجود البشر على هذا الكون الفسيح أخذ كل واحد منهم خصلة من طباع أحد الكائنات، فهناك من ينير للآخرين معالم الطريق كالنجوم، ومن يشبه الصقور فلا يتنازل عن عليائه ولا يأكل الجيف الحقيرة ولو افترسه الجوع، ومن الناس من يحاكى القردة فى عشق التسلق وبراعة الالتقاط، ومن يماثل الثعالب فى المكر، والذئاب فى التربص، والأسود فى قوة الشكيمة.. كذلك من بنى آدم من يشبه الخنازير فى البلادة، والضباع فى الوضاعة، والجرابيع فى الدناءة، والنَّعام فى اللا مبالاة، ومن بينهم -معذرة- أمثال الحمير فى سلاسة الانقياد.. وهذا «الانقياد» هو بيت القصيد وحجر الزاوية ومكمن الخلل.

 

عكس مواقع الكائنات الثابتة فإن مراتب البشر قابلة للتعديل؛ إذ بمقدور أى إنسان أن يجتهد فلا يُضيع الخالق الكريم عمل عامل ولا جهد مجتهد فيرتقى.. وهناك أيضاً ارتقاء لا يقبله الضمير ولا يقره، وإن كان القانون يقف حياله هزيلا محايدا أو محييا مهللا، وذلك عندما تتجمع «عصبة من الناس» على رغبة دفينة فى تملّك ما ليس من حق أى منهم، أو فى الوصول إلى مكانة ليسوا مؤهلين لشغلها، ويسلكون لذلك كل الطرق بقناعة: «كل ما المتاح مباح»... فإذا نجحوا فى الاستيلاء على المذياع والتلفاز والجريدة وخزائن ومخازن الوطن المغلوب، أصبحوا الملهمين المبعوثين من قبل العناية الإلهية لإنقاذ البلد المنكوب من غياهب الجهل والفقر والمرض والرجعية والفوضوية والشللية. أما إذا فشلوا فمصيرهم الإعدام العلنى جزاء خيانتهم العظمى!!

 

إنه سيناريو متكرر عبر تاريخ البشر: كلما أسرف الناس على أنفسهم سلط عليهم ربهم من لا يخافه ولا يرحمهم.

 

فى زوايا هذه الصورة تفاصيل أخرى، فثمة أناس لا يتراحمون فيما بينهم بل يتزاحمون على كل شىء وكل من امتلك منهم أمر غيره استنزفه، وثمة منحرفون ومتبهرجات فى أنهار الشوارع وعلى نواصى الميادين كأنهم رؤوس الشياطين.. ورجال دين يؤدون فرائضهم -فقط- فى نطاق الحضور والانصراف وربما يطؤون دور عبادتهم على غير طهارة، حتى أن نفرا منهم لا يتورعون عن انتهاك براءة الأطفال. ويختفى الضمير من الصورة فيمارس الناس طقوس السلب والنهب والظلم والقهر والاختلاس والفسق والفجور والخداع والتضليل وسط حالة رتيبة من التخلف والكسل والسلبية وغيبة الروح وفقدان الوعى.

 

اللافت أنهم، مع كل ذلك، فى عداد الأحياء، ربما ببركة الأطفال الـرُّضـَّع والبقر الرُّتـَّع وبعض شيوخ رُكـَّع وبسطاء وضعفاء وأبرياء، فأكثر من فى الصورة لا يتناهون عن منكر ولا يتناصحون بمعروف ويقبلون ما يُلقَى إليهم من فتات شاكرين مصفقين.. وآخرون سكارى مهمِلون بات أى شىء وكل شىء عندهم وجهة نظر وحرية وهواية وموهبة.

 

وهكذا.. لا تنتهى مشاهد هذا السيناريو إلا لتبدأ من جديد مع تغييرات طفيفة فى صفات الحيوانات ومواقع مسرح الأحداث، لذا تشرق شمس كل يوم حانية مستبشرة ترسل الضوء وتنشر الدفء وتبعث فى الكون الحياة، قبل أن تأسى على خطايا البشر وتجاوزاتهم التى تلوث وجه النهار لتغرب حمراء دامعة.. لكنها تعود وتشرق من جديد ليواصل الفلك دورته ويستمر وجود بنى آدم على قيد الحياة.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق