]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سُكّان الشوارع يصنعون مستقبل البلد

بواسطة: عبدالعزيز السباعي  |  بتاريخ: 2013-04-15 ، الوقت: 14:51:29
  • تقييم المقالة:

 

سُكّان الشوارع يصنعون مستقبل البلد

 

 

 

 

 

بقلم: عبدالعزيز السباعى صالح

 

 

داخل "مترو السادات"، دون مقدمات، قفز العشرات على القضبان الحديدية فأوقفوا القطارات، معهم برميل فارغ ضخم (كيف مرّ من البوابات وأعْيُن "الأمن"؟!) وطبلة كبيرة، يدق بعضهم عليهما بعنف، بدا من مظهرهم البائس وملابسهم البالية وصراخهم الموتور وتعليقات الجمهور أنهم من "أطفال الشوارع" الذين يتذكرهم الإعلام حينًا وينساهم الجميع غالبًا، ووراءهم عدد من المتأنقين الطارئين على صفوف "موجة الثورة الجديدة" يحثونهم على المواصلة دون أن يشاركوهم فى المغامرة.. وعلى الرصيفين وقف بقية الركاب مكتوفين، بعضهم يقترح مناداة "الأمن" وقليلون راحوا يتعاملون بحذر مع هؤلاء الذين لا يعرفون لشيخ قدرًا ولا يقيمون لمصالح الآخرين وزناً..

 

تورط كاتب هذه السطور مع القليلين –للأسف- فى التصدى للموقف، فنالت أذناه ما لا يخطر على بال من شتائم وإهانات وتهديدات، ورأت عيناه حركات خارجة تمنى عندها أن تنهدم "المحطة" على من فيها –وهو أولهم- أو أن ينجح المجتمع، يوما ما، فى انتشال هؤلاء التعساء من واقعهم المؤلم بأن يجمعهم –مثلا- فى معسكرات إيواء آدمية تتوافر فيها الخدمات الضرورية وفرص العمل المناسبة؛ لأن هذا حقهم فى كل الأحوال.

انتهت الموقعة، بحمد الله، بعدما تشجع ركاب آخرون للتدخل وأصبح عددهم كافيًا لإقناع المعتدين بالتراجع وحماية صاحبنا من خطر الفتك به.. لكن بقيت الهواجس والمخاوف تعشش فى الرأس خاصة مع ارتفاع نبرة الحديث عن "ثورة جياع" تلوح مؤشراتها فى كثير من الخطابات المحذرة والمحرضة، ومع تكرار أحداث مماثلة فى مواقع أخرى بأشكال مختلفة، كالتحرش الجماعى و"البلطجة"، حتى وصلت الظاهرة لدرجة تستدعى التوقف والبحث عن حل ناجع أو تفسير جامع..

ها هم، إذن، سكان الشوارع -العار الذى يتجاهله الجميع- قد وضح دورهم المؤثر فى التجمعات المسيَّسة.. يمكن تقديمهم وقودًا مجانيًا، أو فى أحسن الاحتمالات رخيصًا، لمعارك مفتعلة مدفوعة وموجهة.. يمكن أيضًا الاستعانة بجهودهم فى أى أعمال مفيدة لهم ولمجتمعهم، وما أيسر ذلك إذا توافرت الرغبة والإرادة؛ فجميع الأطفال، سواء من عائلات وبيوت أو ممن يفتقدون الغذاء والمأوى والكساء والدواء، لهم أدوار متشابكة وحظوظ متقاربة فى رسم ملامح الغد، لأنهم شركاء فى وطن كل منهم يمثل برعمًا فى شجرة مستقبله ولبنة فى بنائه، ولم تعد سكنى الشوارع تقتصر على الأطفال لأن أعدادًا كبيرة يعيشون وينامون أسفل الكبارى وفى الأماكن الخربة (قدّرتهم بعض الدراسات الرسمية بمليونى شخص، وأخرى بنسبة 3% من المصريين) منهم رجال ونساء وحتى كهول.. أيتام ولقطاء ومنحرفون ومجرمون ومعاقون.. منهم من لا يملك من أمره شيئًا فيتبع من يقدم له نفعًا أو يسبب له ضررًا.. ومنهم من يتسلط على آخرين..

 هؤلاء يزاحمون ركاب المترو والأتوبيسات، ويفترشون الأرصفة تحت أقدام المارة، ويتطفلون فى إشارات المرور، يبيعون السلع التافهة الرديئة الرخيصة ويتسولون بكل الوسائل، ويحترفون السرقة بالإكراه أو المغافلة، وقطع الطرق وفرض السيطرة.. ويجتمع ذكورهم وإناثهم فيتوالدون ويتكاثرون لتتفاقم المشكلة، ليصبح «سكان الشوارع» خطرًا ماثلاً ومتشابكًا ومتواصلاً؛ فهم نتاج الحرمان والبطالة وغياب القيم والأخلاق وانهيار المنازل والعجز عن إيواء ساكنيها، من هذه السلبيات يأتون فيتحولون إلى بؤر ومصادر لمشاكل أخرى، وهم أيضًا وقود جاهز للعنف المنظم (الإرهاب/البلطجة) كلما امتدت إليهم يد خبيثة بأقل الإغراءات، فلم يعد خطر هذه الفئة مقصورا على تعاملهم فيما بينهم أو تهديد أمن المواطن الفرد، بل امتد ليهدد الأمن السياسى والاستقرار الاجتماعى، لذا يتحتم السعى على كل عاقل قادر لتجفيف منابع هذا الخطر.

لكن تبرز –هنا- مفارقة صارخة، تتجسد فى ارتفاع أعداد المعدمين والمشردين مع تزايد الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدنى والمؤسسات الأهلية التى تعلن عن نفسها بكثافة مملة فى كل وسائل الإعلام طلبًا لتبرعات ومنح وهبات وتعديلات تشريعية وامتيازات قانونية لتتمكن من تأدية رسالتها السامية فى رعاية الأيتام واللقطاء والأرامل والمطلقات وضحايا العنف الأسرى!!

  الوضع الحالى لهذه الفئة –أو الطبقة- ينذر بتكرار أحداث مؤسفة؛ فليس بعيدًا عن الذاكرة ثورة المهمشين بباريس، منذ سنوات، عندما خرج المشردون من ضواحى «مدينة النور» إلى شوارع وطرقات الأحياء الراقية يخربون ويدمرون ويشعلون النار احتجاجًا على تجاهل المجتمع، رغم أن معظمهم ليسوا فرنسيين بل من المهاجرين.. أما سكان شوارع مصر فجلهم مصريون.. ومن لا يملك شيئًا يخشى ضياعه من السهل أن يرتكب أى فعل دون أى حسابات ودون أدنى تقيد بأى معايير؛ فالعوز مع الجهل والشعور بالتجاهل، تدفع لتلبية الضروريات بأى طريقة.

 أخطر ما في هذا الملف أن تمر هذه القضية كغيرها من مشاكلنا المزمنة مرورًا عابرًا، ينفعل بها الجميع بشكل واضح ثم يتراجع الانفعال ويخبو ويتضاءل ويضمحل إلى أن يتلاشى وينصرف كل إلى حال سبيله وكأن شيئًا لم يكن؛ فتتعقد المشاكل الصغيرة وتتشابك وتتفاقم ويتعذر حلها بعد أن كان ممكنًا ميسوراً، ثم يضطر الجميع إلى التأقلم مع الوضع الجديد كما يتعايش العليل مع أوجاعه المزمنة.

 وضع «سكان الشوارع» ليس طارئًا على حياتنا، بل قديم متجدد.. قديم قبل ظهور فيلم «جعلونى مجرماً» لملك "الترسو" فريد شوقى بسنوات طويلة.. وسيظل مستمرًا بعد حشر المشردين فى الحشود المسيَّسة وتقديمهم وقودا مجانيا أو رخيصا لمعارك مدفوعة الثمن، إن لم يدرك المجتمع حاجات هؤلاء ويقدم لهم حقوقهم المشروعة في العمل المناسب والحياة الكريمة.

عبدالعزيز السباعي


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق