]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التطور الطبيعى للأدبيات الشعبية

بواسطة: عبدالعزيز السباعي  |  بتاريخ: 2013-04-14 ، الوقت: 13:13:06
  • تقييم المقالة:

 

التطور الطبيعى للأدبيات الشعبية

  بقلم: عبدالعزيز السباعى صالح

 

   إذا كانت الحِكَم والأمثال والأناشيد والأغانى والشعارات تعبر عن تجارب الشعوب وآمالها ومعتقداتها وظروفها فإن هناك دلالة مؤكدة لغياب بعض هذه الأقوال بعد أن كان يتردد فى اليوم الواحد عشرات المرات.   منذ سنوات كان الناس يشيرون للشىء الرخيص المتوافر بأنه "زى الرز" وبعد ارتفاع سعر الأرز توارى التشبيه عن الألسنة.   مثلٌ آخر يدلل على عمق العداوة بين شخصين أو عائلتين: "بينهم ما بين مصر وإسرائيل"، وبعد "كامب ديفيد" وفتح الحدود وتبادل السفراء والزيارات والخطابات الودودة بين الجانبين، غاب هذا المثل بعد أن فقد دلالته.   مثل ثالث –قبيح- كان يصف الشخص المتردد بين الرغبة فى القيام بعمل ما أو الحصول على شىء وبين الخوف من النتيجة بأنه مثل امرأة تتشوق للوصال المحرم ولا يمنعها سوى الخوف من افتضاح أمرها بالحمل.. اختفى هذا المثل أيضًا بعد انتشار وسائل التحكم فى النسل من عوازل طبية وأقراص منع الحمل ورخص ثمنها وتوافرها لكل راغب، فلم يعد تكوين الجنين نتيجة حتمية للاتصال الجنسى، بصرف النظر عن منطقية هذا السبب.   لقد غابت هذه الأمثال عن الألسنة وهذا دليل صريح على حيوية الأدبيات الشعبية ودوام تفاعلها وتجاوبها مع المتغيرات والطوارئ والمستجدات والتحولات.   على صعيد متصل غابت أغنية "عاش اللى قال للرجال عدوا القنال.. الكلمة بحكمة وفى الوقت المناسب.. عاش البطل..."، وكانت تذاع فى اليوم الواحد عشرات المرات، كما غابت قبلها أغنيات مثل: "قول ما بدالك إحنا رجالك..."، و"يا... يا حبيب الملايين يا..." و"ضربة كانت من معلم خلى الاستعمار يسلم".   وفى شوارع قرية نائية كنا صغارا نهيم خلف السيارات فتزعق آلات التنبية "بيب.. بيب" ونردد خلفها دون فهم: "ناصر.. ناصر"، وعندما لا تتوافر السيارات كان أحدنا يقوم بدورها ويردد خلفه الباقون.. وبعد انحسار المد الثورى وازدهار كرة القدم دار بعدنا في الشوارع مَن يرددون "بيب بيب.. أهليييى" وأحيانا يرد عليهم المعسكر المنافس "بيب بيب.. زمااالك".   وكنا نغنى: "1/2/3.. إسرائيل شحاته بتشحت من أمريكا بالطبلة والمزيكا ما تزعلشى يا جمال دا كله لعب عيال".   ولم يعد يليق بأحدنا ترديد مثل هذه الكلمات فما فعله الصهاينة تجاوز كل حدود اللعب والاحتمال ولم يعد الأعداء مجرد "شوية عيال" وبتنا نحن الذين نشحت القمح من أمريكا وحبوب منع الحمل والمناهج الدراسية وما خفى أبشع.   هذا وقد شاع فى زمن سالف قولهم "ارفع رأسك يا أخى.. فقد مضى زمن الاستعباد"، فى مرحلة لاحقة حرّفه البعض على سبيل السخرية إلى "ارفع رأسك كى نقطعها لك".   وكان العندليب يغنى ليل نهار "خلى السلاح صاحى"، وتغنى "كوكب الشرق" ومرسال خليفة "أصبح الآن عندى بندقية"، وكنا ننشد فى المدارس الابتدائية:   لى أخ مجند اسمه "محمد"  قام فى الصباح يحمل السلاح  قال إنى ذاهب يا أخى أحارب ............   الآن -ورغم تغير الأنظمة- تم بمنتهى البساطة استبدال لفظ السلام بالسلاح مع تغيير ما يلزم وأصبح الخيار الاستراتيجى.   اختفت من حياتنا كل هذه الأدبيات فى ظروف واضحة للعيان وأصبح شعار المرحلة "سمَّعنا صوتك.. اتصل الآن".  ومع التطور الدراماتيكى للأحداث فى الشهور الأخيرة ظهرت عبارات ربما يتداولها البعض فيما بعد على أنها من الأمثال والموروثات الشعبية، منها:  - اللى تحسبه ثورى يطلع فلول.  - الكابتن محمد الطيار زى الشيخ محمد الباشمهندس (أحمد زى الحج أحمد، سابقا).  - يا ثورة ما تمت (كانت فرحة/قديما).  - أصبح الآن عندى "آى باد" (كانت بندقية فى الماضى).  - لكم ميدانكم ولى نهضتى (عن التحرير ومحيط جامعة القاهرة).  - مواجهة مشاكل الديمقراطية بمزيد من الديمقراطية (خليهم يتسلوا، بتصرف).  - المواقع تغير المواقف (مش بس الفلوس).  - الحب من غير أمل زى الثورة من غير قائد.   عموما لا داعى للقلق فهذه سنة الحياة: كل من يأتى يروح.. ولكل زمان دولة ورجال وحِكم وحكام وأمثال وأغنيات وأناشيد.. وبالطبع شعارات.   الشىء الوحيد الداعى للقلق أنه فى بلاد العلوج يتبدل الأشخاص وتستمر السياسات فى الحركة للأمام.. أما عندنا فتضطرب السياسات والتوجهات وتتغير الوجوه والواجهات ومع ذلك تظل القافلة فى طريقها المنكوب لا تتزحزح عنه رغم وضوح المخاطر والمعوقات فى مشهد عبثى يعيد أسطورة "سيزيف" للحياة اليومية المعيشة، ولكن سيزيف هذا الزمان ليس مجبرا من جهة الآلهة المتسلطة بل مجرد شخص أحول يصر على مطاردة السراب.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق