]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الزبد والغبار

بواسطة: عبدالعزيز السباعي  |  بتاريخ: 2013-04-14 ، الوقت: 08:50:22
  • تقييم المقالة:

 

الزبد والغبار

 

 

بقلم: عبدالعزيز السباعى صالح

 

 

"اختلط الحابل بالنابل، والغث والسمين، ومر الأمر مرور الكرام كسحابة صيف، وما أشبه الليلة بالبارحة، فى سوق عكاظ".. تتكرر مثل هذه العبارات على الألسنة وفى الكتابات. يكتب أحدهم، أو يقول: «اختلط الحابل بالنابل»، كناية عن الفوضى والارتباك، و«كسحابة صيف»، إشارة إلى أمر عابر غير مؤثر.

الأصل فى هذا "التضمين" أن تتوافر حالة من الاتفاق بين المتكلم والسامع، أو بين الكاتب والقارئ، على دلالة هذا التعبير أو ذاك.. ولأن لكل قاعدة استثناء، يختلط المعنى أحيانا فى ذهن الكاتب فيلتبس عليه بالتبعية توظيفه فى السياق.. ففى عبارة «الغث والسمين»، كلمة الغث تعنى «النحيف الضعيف قليل اللحم»، وعكسه "السمين".. والعبارة كنايةً عن أمر اختلط فيه شىء ذو قيمة بآخر لا قيمة له.

وقد يتوهم أحدهم أن «الغث» تعنى «الرخيص»، فيكتب «الغث والثمين»، والثمين هو «الغالى»، ويأتى بصيغة: «الغالى والنفيس»، إشارة للشمول والعموم، ويعبر عن الإصرار على إتمام أمر ما مهما بلغت أعباؤه.

وحول «مرور الكرام» خلاف فى المغزى والتأصيل، فالبعض يفسره بأن الكريم ذكى وقور، فإذا مر بقوم لا يطيل الجلوس، ولا يكثر من الكلام، وإن جلس طويلا وتحدث كثيرا، فلا يستثقله الناس لطيب معشره، عكس الشخص الفظ غليظ القلب بليد المشاعر.

كان «مرور الكرام» كناية عن «السرعة».. ثم توسع المعنى ليشمل «التسرع» والسطحية فى معالجة الأمور، فقولهم: «مر عليه مرور الكرام»، أى «بسرعة»، و«مر على الموضوع مرور الكرام» أى تعامل معه بسطحية.. ويستعمل هذا التعبير فى سياقات يشار فيها إلى أن أمرًا ما، تم على عجالة، دون اهتمام أو تركيز، أو بتسرع.

ويرى آخرون أن «مرور الكرام» فى الأصل هو المذكور فى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا» (الفرقان: 72).

ويبقى الخلط واللبس؛ حين يقال «إن قتل المتظاهرين لن يمر مرور الكرام»، فهل من المتوقع أن الكرام يتساهلون فى مثل هذه الجريمة النكراء ولا يولونها أى اهتمام؟!

المزعج أن هذا الخلل قد انتقل من دلالات العبارات المشهورة والأقوال المأثورة إلى مقاصد المفاهيم ومضامين المصطلحات، بل تجاوز ذلك كذلك إلى كثير من الأفكار التى كانت راسخة فى أذهان الجميع والمبادئ المستقرة لدى الدارسين والباحثين والمتابعين حتى تحول الوضع فى مجمله إلى أزمة شائهة بين الجديد والموروث..

 

مفهوم الديمقراطية، على سبيل المثال، يفهم الجميع أنه (حكم الشعب بالشعب للشعب) وترجمته الحرفية أن يختار الشعب من يحكمه من أبنائه بالطريقة التى تحقق مصالحه.. وفى الواقع يمكن إضافة تفسير وتوضيح لعملية الاختيار فنقول «يختار المواطن من يستطيع إقناعه بمنهجه وكسب ثقته".. وبعد اختيار الشعب لممثليه (الانتخاب) يصبح من مهمة الحاصلين على أعلى الأصوات أو أغلبية المقاعد أن يتولوا إدارة شئون البلد (والقيام بهذه المهمة واجب يحتمه التكليف وليس حقا يجوز التنازل عنه).

أما "الحزب السياسى" فقد عرفه الأكاديميون بأنه «جماعة من الناس تتفق فيما بينها على منهج وطريقة ترى أنهما الأنسب لتحقيق مصالح المجتمع والارتقاء بالوطن، وأن الحزب لا بد أن يعمل وسع طاقته على الوصول إلى السلطة ليتمكن من تطبيق منهجه وسبيله فى ذلك خوض الانتخابات على جميع المستويات وعلى كل المقاعد".

الجديد هنا ما حملته رياح «الربيع العربى» من مقولات معاكسة، منها: الديمقراطية ليست فقط فى «الصندوق».. ليس من الديمقراطية أن ينفرد فصيل بعينه بإدارة أمور البلد.. لا بد من التوافق بين كل ألوان الطيف السياسى (لو أمكنهم التوافق فلماذا تفرقوا، بداية، فى أحزاب وتيارات وحركات؟!)..

 

والآن، ونحن على أعتاب انتخابات مجلس النواب، نتابع من قادة المعارضة ومشاهير السياسة من يروج لمقاطعة الانتخابات تصويتا وترشحا بحجة أن هذه المقاطعة وسيلة لتغيير الوضع السياسى!!

أيضًا مصطلح "العصيان المدنى"، وهو طريقة للتعبير عن رفض أوضاع غير عادلة، لجأ إليه أجدادنا فى "ثورة 19" ضد الاحتلال البريطانى، وتبناه غاندى فى الهند ضد الاحتلال البريطانى أيضا، وظهر فى جنوب أفريقيا لمواجهة الفصل العنصرى، ودعا له مارتن لوثر كينج فى الولايات المتحدة رفضا للتمييز ضد السود.

 

ومن مبادئ العصيان المدنى، ومن معناه اللفظى، عدم اللجوء للعنف، والتزام أقصى درجات ضبط النفس حتى فى مواجهة عنف السلطة.. الآن نشاهد إلقاء قنابل المولوتوف وتعطيل وسائل المواصلات وإجبار الموظفين على الخروج من المنشآت بالقوة ومهاجمة مؤسسات الدولة واستخدام الأسلحة المختلفة علنًا ومهاجمة السجون لإخراج الجناة مع الادعاء بأن هذه الممارسات من أعمال العصيان المدنى السلمى!!  
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق