]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأرض الجديدة

بواسطة: عبدالعزيز السباعي  |  بتاريخ: 2013-04-13 ، الوقت: 19:39:50
  • تقييم المقالة:

 

الأرض الجديدة

 

    بقلم: عبدالعزيز السباعى صالح

 

 

  تبدأ التجمعات البشرية على أحسن حال وتسير الأمور كما ينبغى.. ثم تقع الأخطاء وتتوالى؛ فتتراكم المشاكل والأزمات. عند هذه النقطة ينحصر الحل فى سبيلين، المواجهة بمحاولة الإصلاح أو «الهجرة» والبدء على أسس جديدة. من سفينة «نوح» ثم إسكان سيدنا «إبراهيم» ابنه «إسماعيل» عند البيت الحرام، فهجرة خاتم المرسلين من مكة إلى «يثرب» (على كل أنبيائنا الصلاة والسلام)، فدولة «المرابطين» فى المغرب إبان حكم العرب للأندلس، إلى نشأة الولايات المتحدة الأمريكية فى العالم الجديد، وما يقوم به النحل عندما تتكاثر أعداده فى الخلية.. يبدو أن الهجرة إلى أرض بكر أسهل وأجدى من كل المحاولات لعلاج مشاكل المجتمعات وفى مقدمتها الأرياف المنسية والعشوائيات المهمَلة، وإن بقى ضروريا إيجاد حلول فورية لظروف يصعب تأجيل التعامل معها فى هذه التجمعات القديمة. فى سبيل «العلاج» يجد المتابع أن كثيرا من القرى التى نشأت على ضفاف النيل وفروعه تعرضت مؤخرا للتدمير ومسخ الهوية وتغيير الأنماط المعيشية حتى اعتمد أهلها فى توفير كثير من احتياجاتهم الغذائية على السلع المستوردة لدرجة أن مُزارع اليوم أصبح يشترى لحوماً مجهولة المنشأ لا يمكنه التأكد من سلامتها ولا كيفية ذبحها ومطابقتها للشريعة، وقد كان ينتج ما يكفيه ويزيد عن حاجته من الغذاء بالأساليب البدائية البسيطة ويعجز الآن فى ظل التقدم العلمى وتوافر المعدات الحديثة عن توفير حاجاته الضرورية!! ولا يخفى على متابع ما وصلت إليه معاناة سكان العشوائيات المحيطة بالأحياء الراقية.. والدليل الدامغ على تردى أوضاع هذه الأماكن المغبونة يتجلى فى انتشار الجمعيات الخيرية بشكل ملحوظ نتيجة تفشى الفقر والمرض بين جموع البسطاء من العمال والفلاحين.. وإن كانت هذه الجمعيات تقدم علاجاً مؤقتاً أشبه بالمسكنات يظل من الأجدى تنفيذ حلول سريعة وفعالة لهذه المشاكل بالقضاء على مسبباتها واستئصال جذورها، كترشيد استيراد السلع التى يمكن توفيرها محليا لأن استمرار الاستيراد الأهوج يسبب البطالة والفاقة لأبناء البلد خاصة للمزارعين والحرفيين.. ولنا فى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأسوة الحسنة، عندما جاءه سائل فلم يكتف بتلبية حاجته بالتصدق عليه بل حرص على أن يوفر له فرصة حقيقية للكسب الحلال بأن اشترى له قدوماً وأمره أن يحتطب ويبيع لينفق على نفسه وأهله، أو كما جاء بالحديث الشريف. أما إذا عجز المصلحون عن عزل مسببات الفساد أو اصطدموا بصعوبة إتمام العزل فيجب الاتجاه إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من العناصر الصالحة وهنا يلجأون للسبيل الثانية (الهجرة).. وبما أن تسعة أعشار مساحة بلدنا -على الأقل- قابلة للاستصلاح والتعمير وما زال أغلبها خاليا نظيفا لا يعكره تلوث ولا تنغصه تداعيات الزحام.. إذن، فى الانتقال داخل الوطن من المناطق كثيفة السكان إلى الصحارى الرحبة حل ناجع وقابل للتنفيذ ويسهل تطبيقه، فكما أنشأ المستثمرون «قرى سياحية» فى الأماكن النائية يمكن أن تتجه الجهود الواعية للتوسع فى استصلاح الأراضى القابلة للزراعة وتعمير المساحات الصالحة للسكن وإقامة أنشطة صناعية مع تخطيط متكامل يضمن توفير المرافق والخدمات اللازمة لاستيعاب السواعد الباحثة عن عمل والعقول العامرة بالأفكار والأيدى الماهرة فى مختلف الحرف، والأموال الباحث أصحابها عن منافذ لاستثمارها؛ حتى يصبح عندنا قرى ومدن جديدة تزرع وتصنع وتوفر للوطن ما يحتاج إليه. فى هذا الطريق يجب الحذر من الوقوع فى براثن الاحتكار أو الفوضى إذا اكتفينا بذهاب الأغنياء والبسطاء فرادى دون تخطيط واسع النظر، بل يجدر بنا الاهتمام بالمشروع الذى قدمه د.فاروق الباز منذ سنوات طويلة مدعماً بالدراسات المستفيضة وصور الأقمار الصناعية لتسهيل إقامة تجمعات سكنية وزراعية وصناعية خارج الدلتا المزدحمة مما يسهل نقل المنتجات بين أنحاء البلاد فى سرعة وسهولة ويسر. وإن تذرّع البعض بصعوبة التنفيذ أو ارتفاع التكلفة فهناك اجتهادات فى هذا الصدد من شأنها تذليل الصعاب وتقليل الأعباء ورفع قيمة الجدوى الاقتصادية لمثل هذا المقترح، كأن تكتفى الجهات الرسمية بوضع المخطط العام ويتولى القطاع الخاص تنفيذ بعض أجزاء المشروع فى ضوء المخطط الموضوع؛ لأن ما لا يُدرَك كله مرة واحدة يمكن إدراك بعضه ثم البناء على ما تم إدراكه تدريجياً. خلاصة القول «إن الحلول الناجعة موجودة وكثيرة ومطروحة على الرأى العام ولا ينقصها إلا إرادة تنفيذها على أرض الواقع». أما السكوت على استمرار الوضع الحالى فلا يسر حبيبا ولا يسىء عدوا، إذ لم يقتصر الخطر على استخدام مبيد ضار أو سماد غير طبيعى له آثار جانبية سيئة، أو اختفاء الأسماك الطازجة من الترع وقنوات المياه النقية بعد اختلاطها بمياه الصرف دون معالجة، بل وصل التدهور إلى مستوى معيشة الفلاح وكفاءته ومدى إسهامه فى الاقتصاد القومى وبالأخص قدرته على توفير احتياجاته الضرورية، مع أنه عصب الزراعة والزراعة بدورها هى المصدر الأول والأهم فى منظومة الحياة فهى بداية العمران ومنها تتفرع بقية الأنشطة والمهن والتخصصات والصناعات. ولم يعد من اللائق ولا المقبول التعامل مع مشاكل الفقر والجهل والمرض والزحام على أنها واقع يمكن التعايش معه بل يجب الالتزام بمنهج واضح يمتد للتفكير فى منع وقوع الأزمات وليس فقط العلاج الذى يكتفى بمحاولة التغلب على آثارها. وختاما: على صاحب القضية الأصيل شعب مصر العظيم الملهم المعلم صاحب التاريخ والحضارة، الذى لن يحك جلده غير ظفره، وضع العامل البسيط والفلاح الكادح على رأس قائمة أولوياته واهتماماته إنقاذاً للوطن كله وثورته التى تتعرض للإجهاد المتعمد مع سبق الإصرار والترصد.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق