]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بغداد ....بين احتلالات ثلاث

بواسطة: نشوان الجريسي  |  بتاريخ: 2013-04-13 ، الوقت: 11:21:09
  • تقييم المقالة:

من اجل وعي سياسي /19

 

 

في ذكرى فاجعة احتلال العراق

 

بغداد ....بين احتلالات ثلاث

 

تعيش الامة والدولة في دوائر خطوط الحماية ، للحفاظ على وجودها واستمرارها ،او للحفاظ على هيمنتها او قيادتها، ويوصف بعض الخطوط بالخط الاحمر ، الذي لا يسمح بتجاوزه في كل الاحوال، لان ما بعده هو الموت، فشرف الانسان مثلا هو خط احمر، والوطن او الارض هو خط احمر، اما الدول القوية فان الخطوط الحمر فيها هناك بعيدة عن حدودها .

وهكذا تسير الحياة ، ويسير الصراع بين الدول باشكاله المتعددة, العسكري والعقائدي والثقافي والسياسي ، صراع بقاء ووجود او صراع نفوذ وهيمنة او قيادة.

وصراع النفوذ والهيمنة ينتهي بالفوز على الخصم اما بالضربة القاضية او بالنقاط ...

اما صراع الوجود، فلا ينتهي الا بالقضاء على آخر انفاس الخصم ...

والدولة المبدئية تعيش وراء ثلاث خطوط ، الخط عسكري متمثلا بالجيش والخط الفكري ومنه السياسي متمثلا بثقافتها ومنظمتها السياسية والخط الثالث عقائدي، متمثلا بنظرتها للوجود والحياة والمصير..

فهولاكو عندما احتل بغداد تجاوز الخط العسكري ،فهزمت امتنا الاسلامية عسكريا ولكنها لم تهزم لا فكريا ولا عقائديا، ولهذا ما ان استجمعت قواها المادية حتى استعادت وجودها ، بل انها اخترقت عقائد الغزاة فاسلم كثير منهم .

اما بريطانيا فعندما احتلت بلاد المسلمين ومنها بغداد ، لم تقف عند الخط الاول العسكري ، بل خاضت صراعا مريرا لاختراق الخط الثاني الخط الفكري ، خط عقل الامة ، اي ثقافتها ومنظومتها الفكرية ، وعاثت فيها فسادا وتضليلا كما يعوث الذئب في قطيع الغنم ، حتى شككت الامة بافكارها واحكام دينها ، واوهمت الامة الاسلامية ان العسل هو خرء النحل لتنبذته، حتى فقدت الامة بوصلتها ووعيها ، فهي لم تستطع ان تستجمع قواها الفكرية ومنها السياسية ولحد الآن ، فكانت ضربة قاصمة  على الرأس وليس على الجسد كما فعل هولاكو، حتى أفقدت الامة الاسلامية وعيها وذاكرتها وهويتها ، فلم تميز بين الحق والباطل وبين العدو والصديق وبين الشرق والغرب.

ثم عملت على اختراق الخط الثالث خط  العقيدة لاخراج المسلمين عن دينهم ، عبر الإرساليات التبشيرية ، وأعمال التضليل والتشكيك، فخرج منها نفر قليل لم يلبث ان عاد الى حظيرة الأمة كطه حسين وخالد محمد خالد وغيرهم، فاصطدمت بريطانيا وفرنسا بالخط الحديدي للأمة الإسلامية وهو خط العقيدة ، ولولاه لانقرضت الأمة الإسلامية من الوجود ، وانقرض الاسلام كما انقرضت باقي الاديان والفلسفات ، ولتحولت الكعبة الى متحف كما تحولت كثير من مساجد المسلمين في البلقان والقوقاز واسبانيا.

وقد ثار المسلمون ضد بريطانيا وفرنسا ،كما ثاروا ضد جيوش هولاكو لتحرير بلادهم ولكن.....!!، تحرير بغداد من هولاكو اقتضى حملة عسكرية فقط لان هولاكو لم يخترق الخط الفكري والثقافي للامة الاسلامية.

اما تحرير بغداد من قبضة الانجليز ، فيحتاج الى حملة عسكرية مدعومة بحملة فكرية ، لان بريطانيا في احتلالها العراق قد تجاوزت الخط الثاني للامة وهو الخط الفكري الثقافي ومنه السياسي، فهم قد طردوا من الخط الاول، ولكنهم لا زالوا ولحد الآن يعشعشون في وعينا وذاكرتنا ، أي لا زالوا في الخط الفكري الثقافي ومنه السياسي، في مناهج التعليم والاعلام والمنتديات والسياسة.

فالاحتلال انواع منه الاستيطاني يريد الارض فقط  ولا يريد العقول والعقائد،كاحتلال اسرائيل لفلسطين والهند لكشمير، ومنه الاستعماري يريد العقول والعقائد والثروات واذا امكن الارض ايضا، كاحتلال بريطانيا وفرنسا لبلاد المسلمين ، والاتحاد السوفياتي لبولندا والمانيا الشرقية، واحتلال امريكا لبغداد اليوم.

لان الاستعمار هو فرض السيطرة العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وابسط صوره هي الصورة العسكرية، لان التحرر منه  يحتاج الى عضلات واستعداد للموت، اما تحرير البلاد من الاستعمار السياسي والثقافي والاقتصادي فهو امر في غاية التعقيد والصعوبة، فيحتاج الى عمق ثقافي ووعي سياسي وارادة حديدية مع حكمة وتبصر، وتكاتف العقول مع العضلات.

اما احتلال امريكا اليوم لبغداد فهو احتلال استعماري ضد احتلال استعماري آخر، أي هو صراع نفوذ بين الدول العظمى الاستعمارية، فهو احتلال هيمنة ونفوذ مع اوربا، واستمرار صراع الوجود مع الامة الاسلامية .

فامريكا احتلت العراق بدبابة عسكرية ودبابة سياسية ، والعراقيون قد دحروا الدبابة العسكرية، ولكنهم بل حتى بعض من قاوم الدبابة العسكرية قد ركب الدبابة السياسية التي هي سبب بلاء الشعب العراقي لانه لا يملك مشروعا سياسيا للحياة المدنية ، لان تحرير العراق من دبابة امريكا السياسية، يحتاج الى دبابة سياسية تفوقها قوة ، تحتاج الى عقل سياسي .. الى مشروع سياسي ناضج عميق واعي بعيدا عن سطحية التفكير وسذاجة الاداء.  

اللهم الهمنا رشدنا وقنا شر انفسنا .... واعن امتنا واهدها سبيل الرشاد ووفقها للعمل به ، وألف بين قلوبها ،انك على كل شئ  قدير.

 

13/4/2013م 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق