]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

احتجاجات الجنوب الجزائري... بين مطالب الإصلاح واسطوانة المؤامرة

بواسطة: محمد وليد غرايبية  |  بتاريخ: 2013-04-11 ، الوقت: 13:15:19
  • تقييم المقالة:

 

     تشهد منطقة الجنوب الجزائري في الأسابيع القليلة الأخيرة موجة احتجاجات عارمة في عدة مدن من الجنوب الشاسع؛ من ورقلة إلى غرداية مروراً بالأغواط وحاسي مسعود وغيرها من مدن جنوبنا الكبير٬ تطالب بإصلاحات تنموية تحسن من الأوضاع الإجتماعية والمعيشية لسكانها وتوفير مناصب شغل لشبابها بالدرجة الأولى الذي تعاني شريحةٌ كبيرةٌ منه من الفقر والبطالة. 

     ولا يختلف اثنان في كون هذه المطالب مشروعةً وسلميةً٬ لا تنادي إلى العنف ولا إلى إسقاط النظام ولا حتى إلى الإنفصال عن الدولة الجزائرية٬ كما ذهب إلى ذلك بعض المغرضين٬ بل على العكس من ذلك؛ فقد أكد الشباب المحتجون أن كل ما يطلبونه هو توفير الحد الأدنى للعيش الكريم من تنمية وتشغيل لمنطقة هي الأغنى في الجزائر٬ في الوقت الذي يعتبر فيه سكانها هم الأفقر. وهي المفارقة الغريبة التي تدل على التناقض الكبير بين الواقع الإجتماعي المعاش والإمكانيات الكبيرة المتاحة في ظل البحبوحة المالية التي تتمتع بها الجزائر في السنوات الأخيرة؛ حيث بلغ احتياطي الصرف الأجنبي لديها 186 مليار دولار في سبتمبر 2012 ٬ مما يسمح لها بالقيام بإصلاحات جذرية تمس جميع الطبقات الإجتماعية٬ الفقيرة منها على وجه الخصوص٬ لتجنب احتجاجات شعبية من هذا القبيل٬ والتي لن تلبث أن تشتد وتنتشر إذا ما لم يتم  التعامل معها عن طريق إنجاز مشاريع تنموية على أرض الواقع بدلاً من الوعود التي يطلقها المسؤولون بين الفينة والأخرى٬ وبدلاً من استخدام العنف في مواجهتها كما حدث في عدد من المواجهات بين المحتجين في الجنوب وقوات الأمن. 

     وقد تكلمت في مقال سابق عن الأزمة في شمال مالي بأنها تمثل تحدّياً للجزائر يهدد أمنها واستقرارها وحتى وحدتها الترابية. وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار الجوار الجغرافي لشمال مالي وجنوب الجزائر والواقع الإجتماعي لكلٍّ منهما٬ نجد بأن الظروف والأسباب التي أدت إلى الأزمة في شمال مالي هي نفسها تقريباً التي أدت إلى احتجاجات أبناء الجنوب الجزائري؛ وهي الفقر والبطالة والتهميش والإقصاء وعدم التوزيع العادل للثروة. ورغم ذلك٬ فقد فند سكان الجنوب منذ الوهلة الأولى لبداية الإحتجاجات أي رغبة لهم في الإنفصال عن الدولة الجزائرية٬ بل على العكس من ذلك أكدوا تمسكهم بالوحدة الترابية الوطنية من خلال شعاراتهم ورفع الراية الوطنية٬ وبالتالي قطع الطريق عن أي حديث عن مؤامرة خارجية٬ وهي الأسطوانة التي عادةً ما يطلقها المسؤولون الجزائريون كلما واجهتهم أزمةٌ سياسيةٌ أو اجتماعيةٌ أو احتجاجاتٌ شعبيةٌ. وقد أعطى سكان الجنوب بذلك درساً في الوطنية واللاعنف٬ كما وجهوا من حيث لا يعلمون صفعةً للنظام الجزائري٬ مفادها أنه يتوجب على النظام السياسي في بلادنا أن يتخلى عن اسطوانة المؤامرة التي بدلاً من أن يتحدث عنها وجب على الحكومة أن تستغل البحبوحة المالية التي تتمتع بها بفضل الريع النفطي في تنمية المناطق المحرومة ومعالجة مشكلة البطالة والتوزيع العادل للثروة بين المواطنين والمناطق وقطع الهوة في التنمية بين شمال البلاد وجنوبها٬ وشرقها وغربها. 

     لقد وضعت احتجاجات السكان في الجنوب من جهة وإضرابات مختلف القطاعات من جهة أخرى الحكومة الجزائرية تحت الضغط الداخلي والخارجي في آن واحد. فالأول من خلال الإحتقان الشعبي وسوء التنمية والبطالة ليس في الجنوب فقط٬ بل في كامل ربوع الوطن. أما الثاني فيتمثل في الأوضاع المختلفة التي تعرفها البيئة الإقليمية التي تقع فيها الجزائر؛ من خلال الحراك الشعبي العربي من جهة والأوضاع المتردية في الساحل من خلال الحرب في شمال مالي المجاور لجنوب الجزائر من جهة أخرى٬ مما يبين بأن الجزائر ليست في مأمن من الأوضاع الإقليمية المحيطة بها. فهي ليست في منأى عما يسمى إعلامياً "الربيع العربي"٬ كما كان يردده المسؤولون الجزائريون٬ إذ أن عدواه لم تنتقل إلى الجزائر ليس لأن الواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي الجزائري أحسن من نظيره في باقي البلدان العربية٬ وإنما لعدم رغبة الشعب الجزائري في الوقوع في أزمة سياسية جديدة بعد أن عرف سنوات الدم والإرهاب فيما يعرف "العشرية السوداء" في التسعينات من القرن الماضي. ومن جهة أخرى٬ فهي ليست في منأى عن التدهور الأمني في منطقة الساحل الإفريقي٬ خاصةً في ظل الحرب الدائرة في شمال مالي٬ وهو ما أظهرته الإحتجاجات التي تشهدها مدن الجنوب الجزائري٬ التي تعاني من نفس الظروف تقريباً التي أدت إلى الأزمة في شمال مالي٬ من فقر وبطالة وعدم التوزيع العادل للثروة والتهميش. فحتى وإن كان وضع سكان جنوب الجزائر أحسن مقارنةً بنظرائهم في شمال مالي والنيجر المجاورين٬ من خلال الإشراك في الحياة السياسية٬ إلا أنه يبقى غير كاف من حيث التنمية الإقتصادية والإجتماعية مقارنةً بشمال الجزائر٬ حتى وإن كان هذا الأخير نفسه لا يتماشى واقعه مع تطلعات سكانه مقارنةً بالبحبوحة المالية التي تعرفها الدولة الجزائرية. 

     لطالما تغنى المسؤولون الجزائريون باحتياطي الصرف الأجنبي الذي تملكه الجزائر٬ وجعلوا منه حجةً للقول بأن الجزائر في منأى عن موجة التغيير الذي تشهده البيئة الإقليمية المحيطة بها. غير أن الواقع أثبت عكس ذلك٬ حيث أظهرت الإحتجاجات سواءٌ في الجنوب أو غيره والإضرابات التي تشهدها مختلف القطاعات هنا وهناك٬ بين الحين والآخر٬ أن احتياطي العملة الصعبة الذي طالما تغنى به الساسة عندنا ليس معيارًا نحكم به عن الإستقرار السياسي والإجتماعي والنمو الإقتصادي٬ إذا ما لم يتم استثماره في توزيع الثروة بطريقة عادلة بين جميع المناطق وتنمية المناطق المحرومة ومكافحة البطالة خاصةً بين أوساط الشباب والقضاء على الهوة في التنمية بين منطقة وأخرى. 

     وبالتالي٬ فإن أي حديث عن مؤامرة خارجية لدى حدوث أي احتجاجات أو إضرابات يصبح خالياً من الشرعية والمصداقية٬ بما أنه في كل هذه الإحتجاجات أو الإضرابات دائماً ما يؤكد المشاركون فيها عن سلمية حركتهم وأن مطالبهم لا تعدو كونها إصلاحيةً بالدرجة الأولى٬ بحيث لا يمكن لاثنين أن يختلفا في مشروعيتها٬ الأمر الذي أكده سكان الجنوب عندما فندوا أي رغبة لهم في الإنفصال أو إسقاط النظام أو أي نوع من هذا القبيل. وعليه٬ وبالإضافة إلى أنه وجب على النظام السياسي عندنا أن يتخلى عن اسطوانة المؤامرة الخارجية٬ فإنه بيده هو أن يقطع الطريق أمام أي مؤامرة خارجية٬ من خلال تحسين الأوضاع الإجتماعية والمعيشية لسكان جميع المناطق عبر كامل التراب الوطني دون تمييز بين شمال الوطن وجنوبه٬ أو شرقه وغربه. 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق