]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

من قواعد الصحّة النفسيّة في الإسلام

بواسطة: رشيد بن ابراهيم بوعافية  |  بتاريخ: 2013-04-11 ، الوقت: 11:27:25
  • تقييم المقالة:
من قواعد الصحّة النفسية في الإسلام .

أيها القرّاء الأعزّاء :

    الصحّةُ نعمةٌ عظيمةٌ من نعمِ الله على العبد ، ما أُعطيَ العبدُ نعمةً بعد الإيمان تعادلُ الصحّةَ والعافية ، ولذلك سمَّاها النبيُّ صلى الله عليه وسلم  نعمةً وأخبر بأنَّ كثيرًا من النّاسِ مغبونٌ فيها ، ففي البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه  قال :  قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ " .     

    وإذا ذُكرت الصحّةُ لا يتصوَّرُ أكثرُ النّاسِ إلاَّ صحَّةَ الجسد والأعضاء ، ويظُنُّون أنَّها أجلى وأعلى مظاهر الصحّةِ في العبد ، وهذا تصوُّرٌ خاطئ ! . ففي الإنسانِ العاقلِ نوعٌ آخرُ من الصحّةِ أجلى وأعلى من مجرّدِ صحّةِ البدن ، إنَّها الصحَّةُ النفسيّةُ للعبد ! ، وما أدراكَ ما الصحَّةُ النفسيّة !  ، عِمادُ الصحّةِ البدنيّة بلا ريب ! .  

   فكم من إنسانٍ بدنُهُ سليمٌ معافَى ، وأعضاؤُهُ سليمةٌ مكتملةٌ ، ولكنَّهُ معوقٌ نفسيًّا ، رغم سلامةِ بدنِهِ فهو مستشفَى متنقّل للأمراضِ النفسيّة ! .

    نألَمُ ويحدثُ في نفوسِنا الشّفقة حينما نمرُّ على شخصٍ مَعُوقٍ يَجُرُّ بدنَهُ على عربةٍ طبيّة ، ولكنَّ آلافًا من حولنا أصحّاءَ البدن ، ولكنَّهم يجرُّونَ نفوسَهم على عرباتٍ نفسيّة إلاَّ أنَّها لا تُشاهَدُ بالعين القاصرة !

   كم من إنسانٍ رُبّما فقدَ العينَ التي يُبصرُ بها الأشياءَ والألوان ، هو في نظرِ الناس مَعوق ، ولكنَّهُ متَّعهُ اللهُ ببصيرةٍ في القلب وطمأنينةٌ في الضمير يُبصرُ بها حقائقَ الأشياءِ و إن غابت عنه صُوَرُها ، ويُدركُ بها سعَةَ رحمةِ اللهِ و إن كان في نظرِ النّاسِ يعيشُ في سجنٍ مُظلم !

   كيف إذا علِمتُم  - معشر القرّاء الأعزّاء - أنَّ معاناةَ مريضِ النفسِ و آلامَهُ تفوقُ معاناةَ مريضِ البدن، و أنَّ أعباءَ مريضِ النّفسِ على أقارِبِه و المجتمع تفوقُ أعباءَ مريضِ البدَن ! .

  وكيفَ إذا علِمتُم أنَّ نصفَ سُكّانِ العالم يعانُون من اضطراباتٍ نفسيّة كما في تقارير منظّمة الصحّة العالمية [ ف7%يعانون الاكتئابَ النفسي ، و1% يعانُون الفصامَ في الشخصيّة ،  و3% قضى عليهم الوسواس القهري ، وثلث البشر مصابون بالقلق  !! ]  نسأل اللهَ السلامةَ والعافية !  .

   من هذا المنطلق  رأينا أن ندُقَّ في هذا المقال على هذا البابِ الواسِعِ الشّاسِع ، عسَى أن نأخُذَ لمحةً عن قواعدِ الصحّةِ النفسيّةِ في الإسلامِ العظيم ، نداوي بها نفوسَنا ونفوسَ أبنائنا وقايةً وعلاجًا  . .  

أيها القراء الأعزّاء  : 

    إذا كان مرضُ البَدَنِ ناشئًا عن الحوادِثِ أو القُصورِ أو تعريضِ البَدَنِ إلى مسبّبات الأمراض ، فإنَّ الأمراضَ النفسيّةَ تظهرُ من تفاعُلِ وتضافُرِ ثلاثةِ أنواعٍ من الأسباب :

1/أسبابٌ مهيِّئَةٌ للمَرَضِ ترجعُ إلى البَدن :  مِثلُ العيوب الوِراثية والاضطرابات الجسمية . .

 2/ أسبابٌ مساعِدةٌ على ترسيبِ المرض ترجعُ إلى الجانب النفسي والاجتماعي : كالخِبْرَات الأليمَةِ خاصة في مرحلة الطفولة ، والصدمات الانفعالية الحَرِجة ، والتعرُّضِ للإحباط  والحرمان و . . 

3/أسبابٌ تفجّرُ المرض :  وهي نقطةٌ معيّنة ينهارُ عندها الشخصُ وتظهرُ عليه علاماتُ المرض :  كانهيار الوضع الاجتماعي ، أو الأزمة الاقتصادية الخانقة ، أو موت عزيز ، أو رسوب في امتحان ، أو أي نقطة عسيرَة تفجّرُ في الإنسانِ  كلَّ ما سبق .   هذه مسيرةُ الأمراضِ النفسيّةِ في حياة الإنسان .

    والعلمُ يقول : إذا كان السَّببُ المُهَيّءُ قويًّا يكفي وجودُ سببٍ مساعدٍ بسيطٍ لظهور أعراض المرض ، وإذا كان السّببُ المُهَيّئُ ضعيفًا فلا بُدَّ من سببٍ مُساعدٍ قويٍّ لظهورِ أعراضِ المرض ! .

  العجيبُ ، أنَّ عِلمَ المناعةِ النفسيّةِ يقول [ وانتبهوا إلى القول حتّى تُدْرِكُوا فيما بعد عظمةَ الإسلامِ وإعجازَ الصيدليّةِ النفسيّةِ الإسلاميّة ] : "  ليست المشاكِلُ و الأزمات وشدّةُ الضغوطِ التي تواجِهُنا هيَ المسئولةَ عما يصيبنا من أمراض نفسية؛ بل نظرَتُنَا وتفسيرُنَا لتلك المشاكل ، فالخلفِيّةُ العقائِدِيّة التي يحملُها الشخص والتي يُفسّرُ بها الأحداث هي التي تحدّدُ استجابةَ الإنسانِ من عدَمِها ! " . 

أيها القرّاء الأعزّاء  :  تتطابقُ هذه النتيجةُالعِلميّةُ مععظمةِ الإسلامِ وإعجازِ الصيدليّةِ النفسيّةِ الإسلاميّة تمام الانطباق :  

      عاشَ الأنبياءُ والرُّسُل عليهم السلام وابتلاهم اللهُ تعالى في أبدانِهم ، ومرّت بهم أزماتٌ وضغوطٌ شديدةٌ جدًّا ، وكانوا مع ذلكَ أقربَ النّاسِ إلى الله  ، و أكملَهُم في صحّةِ النفوس و قوّةِ القلوب  وراحتِها وطمأنينتِها ، بل لم تزِدهُم مرارةُ الضغوطِ إلاَّ ثباتًا و عزيمةً وإصرارًا على الحق .

     وليسَ الأمرُ مقتصرًا على الأنبياءِ والرُّسُلِ عليهم السلام ، بل جموعٌ كثيرةٌ في كلِّ عصرٍ ومَصر ، مرُّوا بأمرِّ التجارب النفسيّةِ و الاجتماعيّة ، عاشُوا الحِرمانَ في كلّ شيء ، مرّت طفولتُهم كأقسَى ما تمُرُّ به طفولة ،  ورُبّما يجُرُّونَ أبدانَهم على عرباتٍ طبّيّة سنينَ طويلة وماتوا كذلك ، ولكنّهم ما عرفوا الأمراضَ النفسيّةَ ولا عرفتهم   ما السّرُّ في كل هذا ؟

      السرُّ في كلّ هذا " الخَلفيّةُ العقائديّةُ الإيمانيّةُ الراسخة "  التي يحملُها الشخصُ وهو يصارعُ مآزقَ هذهِ الحياة وضغوطَها عليه ، ويقدّمُ تفسيرًا مُقنِعًا لنفسِهِ وعقلِهِ يهوّنُ كلَّ شيءٍ عليه   . . !

  قال النبيّ صلى الله عليه وسلم :" إذا أصاب أحدَكُم همٌّ أو لَأْوَاءٌ فليقل :  اللهُ  اللهُ  ربي لا أشرك به شيئا  "(صحيح الجامع :348) . ‌   

     السرُّ في ذلكَ إيمانٌ راسخٌ لا يتزعزع بالله ربّ العالمين ، و قضائِهِ وقدَرِه خيرِهِ وشرّه و ما ينتُجُ عن ذلك الإيمانِ من راحةٍ و أنسٍ وطمأنينةٍ وسعادةٍ لاختيار الله للعبدِ لا يجدُها أبناءُ الملوك !

     السّرُّ في ذلكَ الجنّةُ التي يحملُها الرّجُلُ في صدرِهِ أينما ذهبَ فهي مَعَهُ ولو في غياهِبِ الجُبّ ومضايقِ السُّجونِ والقيد ، ومراراتِ الأحداثِ و الأزمات ،  قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :"عجبًا لأمر المؤمن ، إن أمره له كلَّهُ خير  ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" رواه مسلم .. !

    السّرُّ في ذلكَ الحُلُولُ الجِذريّةُ التربويّةُ الإيمانيّة التي جاءَ بها الإسلامُ في تربية النفسِ البشريّة  ووقايتِها و صياغةِ نظرتِها للسّرّاءِ والضّرّاء والماضي والحاضر والمستقبل ، والتي هي كفيلةٌ لمن عاشها و استمسكَ بها حقًّا كَفيلةٌ بنقل الحياة من الهم والغم والقلق والاضطراب إلى الرضا والسكينة والراحة والطمأنينة. . !

     هذه قاعدةٌ جليلة من قواعد الصحّة النفسيّة في الإسلام ، فاللهم ثبّتنا و أصلح أحوالنا و ارزقنا الصحّة والعافيةَ أجمعين  . . و دمتم أحبّتي  أوفياء أغنياءَ أتقياء . .  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق