]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أزمة القِيَم في مجتمعاتنا ما سبَبُها ؟!

بواسطة: رشيد بن ابراهيم بوعافية  |  بتاريخ: 2013-04-11 ، الوقت: 11:13:01
  • تقييم المقالة:
أزمةُ القيمِ في مجتمعاتنا ما سببُها ؟!

    

    أزمةٌ يعاني منها الفردُ والمجتمع المسلم ، هي سببُ جميعِ المشاكِلِ الاجتماعيّة والتربويّة والحضاريّة للمسلمين ، إنَّها أزمةُ القِيَم التي تصنعُ المواقِفَ والممارَسات، و تحدّدُ منهجَ الحياة !  .

      أيها القرّاءُ الأعزّاء  :

     القيمُ هي تلك المُثُلُ والمبادئُ العُليا ، و الضوابط والمعايير التي يميّزُ بها الفردُ بين الخطأ والصواب ، وتقوم بها تصوراتُهُ وتصرفاته في الحياة ، وهي نِتَاجُ التربيةِ التي يتلقّاها الفردُ والمجتمع .

     ولابد لكل نفسٍ من قيمٍ تعيشُ بها ، فإمَّا أن تكونَ تلكَ القيمُ ربَّانيَّةً إيمانيَّةً ترتبطُ باللهِ و تنطلقُ من الإيمانِ والشعورِ بالجزاءِ في الآخرة ، فتفهمُ الحياةَ بذلك وتعيشُ في ضوءِ ذلك الفهم ، وإمّا أن تكونَ قيمًا ماديَّةً تُرابيَّة لا ترتبطُ باللهِ و لا تنطلقُ من الإيمانِ والشعورِ بالجزاءِ في الآخرة ، وإنَّما تنطلقُ من المادَّةِ والشهوةِ والترابِ في فهم الحياةِ و تشكيل المواقفِ والمعاملات ، والجميعُ بالدَّرجةِ الأولى نتاجُ التربية التي تلقّاها الإنسانُ في مؤسّسات الحياة .  .

   نعطي مثالاً على القيم من القرآن الكريم لنكتشفَ الأساسَ الذي يصنعُ
القيمَ في العبد : سَحَرَةُ فِرعون ؛ أناسٌ لا يعرفُون إلاَّ السِّحرَ و الدَّجَلَ والاحتيال ، ولا يهمُّهم سِوَى الشُّهرةِ و نيلِ رضوانِ المَلِكِ وجمعِ المال ، هذه هي القيمُ الترابيَّةُ التي كانوا يحيَونَها و يعيشون عليها ليلَهم ونهارَهم ، قال الله تعالى : ]وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِين [ ( الأعراف113 114 ) ، فالأجرُ و الزُّلفَى لدى فرعونُ هي غايةُ أمانيهم في الحياة . .

       انظُروا إلى نفسِ الأشخاصِ كيفَ تحوَّلت القيمُ التي يفهمونَ بها الحياة لمَّا آمنوا باللهِ ربِّ العالمين وبالجزاءِ في الآخرةِ  : قال الله تعالى  :]وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى{69} فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى{70} قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى{71} قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{72} إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى{73} إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى{74} وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى[( طه 69-75 ) . 

     تغيُّرٌ جذريٌّ في المواقفِ و الحياة ! ، من الاتّجاهِ المادّي الترابيّ الأناني ، إلى الاتجاه الرَّبّانيّ الإيمانيّ الذي لا يبالي مادامَ قد حصَّلَ رضوانَ الله ، و سببُ هذا التغيُّر  - معشر القُرّاء -  تشبُّعُ النفسِ بالإيمانِ باللهِ والاعتقادِ في جزائِهِ الأخروي ، وما ينتجُ عن ذلكَ من قيمٍ يزنُ بها العبدُ الحياة  . .

    من هنا معشر القرّاء  : أساسُ تشكيلُ القيمِ إذًا هو موقفُ الإنسانِ من الإيمانِ باللهِ والجزاءِ الأخروي ، فمن كان مؤمنًا بالله واليومِ الآخرِ وتربَّى على هذا الأصلِ الأصيلِ ، وتشبَّعت به نفسُهُ ؛ عاشَ الحياة بقيمٍ أصيلةٍ نبيلة ، تعرّفُهُ نفسَهُ ، و تحدّدُ لهُ أهدافَهُ ، وتجعلُهُ يُحسُّ بالأمان ، ومن تربّى بعيدًا عن الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخرِ احتارَت نفسُهُ ، وفقدت الأمان ، وعاشَ في سبيل المادَّةِ والطينِ والشهوةِ ومات عليها  !  .

                     وانظُروا إلى تقابُلِ القيمَ في الحياة بسبب اختلافِ موقفِ العبد من الإيمان:

     الإيثارُ و الإحسان والتكافل والتعاون قيمٌ إيمانيّة يقابلها النزعةُ الفرديّةُ الأنانيّة . .

     الإخلاصُ و الصّدقُ يقابله الرياءُ والكذب ،  الأمانةُ والوفاء يقابلهُ الغش والغدر ،  العدلُ و الإنصاف يقابلهُ الظلم والجَور ، مفرداتُ العفّةِ والطُّهرِ و السّتر و المحافظةِ على العِرض باعتباره قيمَة ، تقابُلُها مفرداتُ الميوعةِ و الخلاعةِ والزّنا والتفريطُ في العرضِ لأنَّهُ لا قيمةَ له بل القيمةُ للشهوة فحسب ! ،   صيانةُ الروحِ باعتبارِها أمانةً أودعها اللهُ في الإنسان فهي قيمةٌ من القيم ، يقابلُها في الطرف الآخرِ الانتحارُ و القتلُ العمديُّ باعتبار الروح لا قيمة لها !  ،  المحافظةُ على الوقت باعتباره قيمة ، وقتلُ الوقتِ باعتباره لا قيمة له . . وهكذا تتقابل كل القيمِ في الحياة  . . !

      ينبغي أن نشتركَ جميعًا في بناءِ وتعزيزِ القيمِ في أبناءِ بلدِنا وبناتِهِ و شبابِهِ قبل فواتِ الأوان ، فإنَّ القيمَ هي التي تعرِّفُهُم أنفُسَهم ، وتحدّدُ لهم أهدافَهم وطريقَهم ، وتجعلهم يختارون وسائِلَهم الطاهرة النقيّةَ في الحياة ، وتعزّزُ شعورَهم بالاستقرار النفسي والأمانِ الروحي  . .

 أيها القرّاءُ الأعزّاء:

      المزرعةُ الأولى في غرسِ القيمِ و تعزيزِها والمحافظةِ عليها هي الأسرة ، الأسرةُ التي يقودُها أبوانِ ناضجانِ مؤمنانِ باللهِ واليومِ الآخر ، يقدّران قيمةَ الروحِ التي بين يديهما ، يقدّرانِ حجمَ المسؤوليّة التي نِيطت بهما ، هذان الأبوان هما أوَّل من يُحاسبُ على القيمِ التي يحملُها الأبناء  ،  من إيمانٍ و عِفّةٍ وفضيلة وبُعدٍ عن الرذيلةِ و محافظةٍ على الدّينِ والصلاةِ والنفسِ و العرضِ والعقلِ والمالِ و الوقت وغيرها من القيم  . .

      ثمَّ المدرسةُ وما أدراكَ ما المدرسة ، الأسرةُ الثانيّةُ للإنسان، والمعلّمُ هو الأبُ الروحيُّ للإنسان ، مسؤوليَّةُ المعلّمِ كبيرةٌ جدًّا في غرسِ القيمِ و تعزيزِها والمحافظةِ عليها ، الأستاذُ أمينٌ على أرواحِ التلاميذِ وأخلاقهم وعقولِهم ، فينبغِي أن يتجاوزَ اليأسَ من التغيير ، ينبغي أن يتجاوزَ  التلقينَ وحشوَ الذهنِ بالمعارف ، إلى غرسِ القيمِ الإيمانيَّةِ و إدمَاجِ المعارفِ الإيجابيَّةِ وتحويلها إلى كفاءات يوظَّفُهَا التلميذُ في واقعه اليومِيِّ المعيش .  .

      نفسُ المسؤوليَّةِ بالنّسبةِ إلى الإعلامِ بوسائلِهِ المختلفة ، ومؤسسات المجتمع المختلفة ، عليها جميعًا أن تتعاونَ في سبيلِ نشرِ القيم وتثبيتها في النفوس ، حتى تصبِح جزءا أصيلا في سلوكِ الناس وتعامُلِهِم ، فإن خرجت على هذا الخطِّ الإيمانيّ رجعت المسؤوليَّةُ إلى الأسرةِ في تشكيلِ المناعةِ والحصانةِ للأبناءِ ضدَّ الأعداء ، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم :”  كلكم راع وكلم مسئول عن رعيته فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها ” متفق عليه .

                                فإلى بناءِ القِيمِ النبيلةِ  أعانكم الله . .

                                                                                       رشيد بن ابراهيم بوعافية

                                                                                                  إمام أستاذ

 

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق