]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأسرة و المدرسة والمسجد . . إلى أين ؟!

بواسطة: رشيد بن ابراهيم بوعافية  |  بتاريخ: 2013-04-11 ، الوقت: 07:07:44
  • تقييم المقالة:

الأسرة والمدرسة والمسجد  . . إلى أين  ؟!

 

أيها القرّاء الأعزّاء:

  الأسرة هي المحضن الأساسيُّ لتربية الأبناء و بناء شخصيتِهم ، والأبناءُ أحبّتِي في الله يحتاجون إلى نوعين متلازمين من الرعاية :  النوعِ الأول : رعايةِ البدنِ بالنفقةِ والسعيِ لتوفيرِ الطعامِ والشراب والكساء و العلاج ، وما لا بُدّ منه من المتطلّبات   ، والنوعِ الثاني من الرعاية : رعايةِ روحِ الولدِبتقوى الله فيه و الصبر على تربيته وحسن صحبته على الحق والصراط المستقيم حتَّى يكبُرَ فيستقِلَّ بالتفكير والتدبير  . .   

    تُرى : كيفَ هو حالُ الأُسَرِ مع الواجبين و الرعايتين . . ؟  .

    والله لسنا مبالغين حين نقول :كثيرٌ من الأسر لا تعرفُ إلاَّ النوعَ الأول إلاَّ من رحمَ اللهُ تعالى وقليلٌ ما هم ! ، حفظُ الجُثث وتنميةُ الأبدان بالطعام والشراب والكساء والمنام ، و أمَّا الأرواحُ والأخلاق فرعايتها من اختصاص الشارع التائه والصحبة السيئة و القنوات الفضائية المنحرفة ، و الهاتف المحمول الذي صارَ للأبناءِِ والبنات كالشيطان القرين..!

وجواب الأولياء دائمًا : ماذا نفعل نحنُ منشغلون بتوفير الخُبز والدقيق والقوت . . و كأنّهم – لا سمح الله – يُعِدُّون عجولاً للسّوق لا عقولاً للحياة . . !

   أكثرُ الأولياء -  معشر المؤمنين-  لا همَّ لَهُم في رعاية أولادِهم و بناتهم إلاَّ رعايةُ الأبدان بتوفير الخبز و الدَّقيق و الشراب والكساء والمحافظ و الأوراق والأقلام والهاتف المحمول ومصاريف الجامعة ولا أكثر ، وأكثرَ همّ الأُمَّهات في رعاية بناتهن توفيرُ القلائدِللأعناق ، و الأساورِ للأذرُع ، والخواتيمِ للأصابع ، والحريرِ للتجهيز والزواج . . يعني الكُل يطوفُ ويسعى في سبيل تنمية الجُثَّة  . .ولا أحدَ  يُفكّرُ في روح تلك الجُثَّة و أخلاقها ، وتربيتها ، ومراقبة شخصيتها . .

                                 فهل من عودة صادقةٍ إلى الرعاية الشاملة المتكاملة . . ؟!  

  أيها القرّاء الأعزّاء :  وماذا عن المسجد والمدرسة في أمّتي  . . ؟! 

   المسجد والمدرسةُ في تصوُّرِ الإسلامِ أخوانِ شقيقان ، مُتَّفقانِ لا يفترقان ، مُؤتلفانِ لا يختلفان ، يعمَلانِ في جِهةٍ واحدة، ويتَّجهانِ معًا قِبلةً واحدة، هي تحقيقُ الصَّلاحِ و النفعِ العامّ للأمَّة ، في حاضرها ومستقبلها ، في دِينها وآخرتها كما في دنياها ومعاشها . .

أعني بالمسجد: المكانَ الذي خصَّهُ الإسلامُ بالتقاءِ المسلمين جماعةً لأداء الصلوات المفروضة ، وسماعِ المواعظِ والتوجيهات، وما يتفرَّعُ عن ذلك من مقاصدَ وأحكام . . ، وأعني بالمَدرسةِ : المكانَ الذي شُرّفَ بالتعلُّم والتعليم  ، والتربية والتقويم، في جميع المراحل والمستويات من الطور الأول إلى الجامِعي . . 

   المتأمّلُ في الواقع العامّ للمساجد والمدارس يكادُ يُصعقُ من هولِ ما يجدُ من المُفارقةِ والابتعاد ، بينَ ما يجبُ أن يكونَ وما هو كائن ! ، بينَ ما هو مطلوبٌ وما هو حاصلٌ موجود . . في المسجد والمَدرسةِ على السَّواء  ، حاشا المتميّزين و قليلٌ ما هم . . ! 

   قلّب ناظِرَيكَ في ذلك تُدرِكُ بيقين سِرَّ الغَرَقِ العامِّ الذي ابتلى اللهُ به هذه الأمَّةَ ضمنَ سُنَّتِهِ التي لا تُحابي أحدَا ..!

   و أنا أخي القارئ  أُعْفِيكَ من تقليبِ البصر  ، فهذه شهادةٌ على قَومِي نابعةٌ من تقليبِ البصرِ ألفَ مرَّة أسوقُها لكَ في ثوبِ الإجمالِ لا نقصدُ بها واللهِ إلاَّ إصلاحَ الأحوال :     

 في المساجِدِ - البيوتِ التي أذنَ اللهُ أن تُرفعَ ويُذكرَ فيها اسمُه - : في هذه القِلاعِ الشامخةِ العتيدَة أئِمَّةٌ رَضُوا بأنْ يكونُوا مع الخوالف ، لبِسُوا الخميصَةَ يبتغُونَ بها الخبيصَة ، يُضيّعُونَ أوقاتِ الأمَّةِ الغاليةَ النَّفيسَة ، ببيعِ الكَلِمات التي تغتالُ العُقولَ ولا تُحييها ، وتُهدّمُ صُروحَ الهِمَمِ ولا تبنيها ، يُفوِّتُونَ على الأمَّةِ أيَّامَها ولياليها ، طلبًا للخُبزِ كغيرِهم ممَّن ثَقُلَت عليهِم مطالبُ الرُّوحِ في زَمَنٍ لا يعرفُ إلاَّ الجَسَد . . !  

   وفي هذه القلاعِ الشامِخَةِ العتيدة - مُصَلُّونَ من الرّجالِ والنّساء - فرَّغُوا بيوتَ اللهِ من الخشوعِ والدُّموع ، أطفؤُوا فيها النُّورَ الذي كانَ يَشِعُّ ويسطَع ، ثَقُلت عليهم الصَلاةُ حينَ صَلَّوها بأبدانِهم لا بأرواحِهم ، الصُّفوفُ بالأبدانِ عامرةٌ تسُرُّ الناظرين ، ولكنَّ الأرواحَ مُسَافِرَة ، والقلوبَ متنافِرَة . . ، حديثُهُم الدنيا وشهواتُها ، وقُرآنُهم هجرُوهُ إلى القيلِ والقال والغيبةِ والنميمة . .  ! 

 وفي المدارس : شقيقةِ المساجدِ في بعثِ النُّورِ والهدايةِ في الأرض ، في تلكَ الأماكنِ الطاهرَةِ النَّظيفَة التي صمَدت زَمَنَ المُخلصينَ - على بساطتها - أمامَ كُلّ العقبات والمحاولات ،  في تلكَ القِلاعِ الشامخةِ العتيدَة :عناصرُ في الأسرةِ التربوية - حاشا الصَّادِقين المُحتسبين- باعُوا الكتابَ ليشترُوا بهِ رغيفَ الخُبزِ وكيسَ الإسمنت ، كسَّرُوا الأقلامَ ومزَّقُوا الأوراقَ ليستدفِئُوا بها مِن بَردِالحِصار ، يَبيعُونَ نفسَ الكلمات ليشترُوها في الامتحانات كلِمَاتٍ على أوراق ، لا يُعرّجونَ على فضيلة ، ولا يُقاوِمُونَ رذيلة ، ينظُرون بأعيُنِهم كيفَ أنَّ الأمَّةَ تُساقُ إلى الذَّبح ، وأنَّ مجرى تاريخِها سيتغيَّر ، وهُوِيَّتَها ستضيع ، فلا حديثَ لهم إلاَّ عن الزّيادات والمردوديات والترقياتِ والعَلاوَات . . في مُقابل ماذا لستُ أدْرِي ..؟!!!       

   وفي تلكَ القلاعِ الشامخةِ العتيدة : طلبةٌ وطالبات ، هجرُوا العلمَ والمعرفةَ والتربية إلى الجِنسِ اللاهِث الذي لا يعرفُ نهايةً وليسَ لهُ انقطاع ،حيثُما نظرت عيناكَ لا ترى ولا تُدركُ إلاَّ لغةَ الجِنس : في اللباس الفاضح المكشوف، في الضَّحكات والصّرخات، في النَّظرات الخائنة، والهواتفِ الآثمة ، في الاستراحات داخلَ وخارجَ المؤسسات ، في الدَّرَّاجاتِ الذَّاهبة الآيبة ، في السيَّارات المتربّصة . . في كُل شيءٍ يُحيطُ بالعلم والمعرفة . . من أين يخرُجُ هؤلاء ؟ أينَ آباؤُهم وأمَّهاتُهم ؟ رُبَّما هُم يتامَى . . منقطِعُون . .أينَ المُعلّمُون ؟ أينَ المُربُّون ؟ هل هم نائمُون ؟ رُبَّما هم غائبون أو مسافرون ؟ رُبَّما هم في كوكبٍ آخرَ مُقيمُون ؟ ولكن هل سيعُودُون.. ؟ ... لستُ أدري . . ؟!!!!  ولماذا لستُ أدري ؟! ... لستُ أدري ...!

معشر القرّاء الأعزّاء: ما هذه إلاَّ صرخةُ ناصحٍ أمين ، ربّما يستفيقُ بها النائمُون ، و ربّما ينتبهُ بها الغافلون ، فكُلُّكُم  راعٍ وكُلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّته ، وإنَّ اللهَ سائلٌ كُلَّ راعٍ عمَّا استرعاهُ حفظَ ذلكَ أم ضيَّع . .

   فهل من عودةٍ للأسرة والمدرسة والمسجد . . ؟!  نسألُ اللهَ أن ييسّر ذلك ! .

                                                                                       رشيد بن ابراهيم بوعافية

                                                                                               إمام أستاذ

                                                                                      Bouafia63@yahoo.fr


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق